الهدوئية عقيدة
يلاحظ تاريخياً أن موضوع الهدوئية انتقل من مرحلة الخلاف الفكري مع اللاتينيين إلى خلافات سياسية خاصة بعد دخول الراهب برلعام في صراعه العقائدي مع القديس بالاماس والهدوئيين. البطريرك أشعيا، 1323 – 1334، كان هدوئياً ومن مؤيّدي القديس بالاماس وكان في السابق راهباً في جبل آثوس وساعد ذلك في إسكات معارضة البرلعاميين. لكن بدءاً من عام 1330 استقر برلعام في قسطنطينيا وبدأ حملة قوية أحدثت شرخاً في اللاهوت الأرثوذكسي لمدة عشرين عاماً وأصاب قسطنطينيا بأضرار فادحة. واستلم يوحنا الرابع عشر سدة البطريركية في قسطنطينيا بعد البطريرك أشعيا من عام 1334 إلى عام 1347. وطالبه برلعام بالدعوة إلى مجمع مقدس لدرس الخلاف مع الهدوئيين. تردد البطريرك في البداية ولكن بعد أن اشتد الخلاف وافق على دعوة لمجمع عام 1341. كان هذا أول مجمع مقدس خصّص للموضوع وكان برئاسة الإمبراطور اندرونيكوس الثالث، 1328 - 1341. تم في هذا المجمع استعراض سؤالين:
- هل كان نور التجلي على جبل ثابور مخلوقاً أم لا؟
- هل يشوب صلاة الهدوئيين وحي ثنائية إلهية تتمثل الأولى في جوهر الله والثانية في قواه؟
كانت نتيجة المناقشات لصالح الهدوئيين. ثم عقد مجمع ثان عام 1341 وكانت النتيجة أيضاً ضد البرلعاميين. أدين برلعام فغادر قسطنطينيا إلى جراسه في إيطاليا حيث رسم أسقفاً. في نفس العام مات الإمبراطور أندرونيكوس. وريث العرش يوحنا الخامس كان حدثاً فكانت أمه الأمبراطورة حنة من سافوا وصية عليه. عاشت الإمبراطورة تنازعاً بين البطريرك يوحنا الرابع عشر ويوحنا كانتاكوزينوس اليد اليمنى لأندرونيكوس. إثر انقلاب قام به البطريرك في نفس العام تم عزل كانتاكوزينوس. بالاماس أدان الإنقلاب والبطريرك لكنه تضامن مع حنة. عام 1343، أوقف البطريرك بالاماس. عام 1344، حرمه عام 1347، كانتاكوزينوس صار الإمبراطور. وبتعاون مع حنة أُعيدت الكرامة لبالاماس ورسم أسقفاً على سالونيك. العام 1351، عقد مجمع برئاسة كونتاكوزينوس وأُدين الخصمُ الأخير لبالاماس نيكيفوروس غريغوراس وتم إصدار الجواب الشافي والنهائي عن موضوع جوهر الإله وقواه واستعاد بالاماس احترامه وموقعه السامي في الأرثوذكسية. عام 1354، كانتاكوزينوس يستقيل نهائياً ويصير راهباً في جبل آثوس ويكرّس باقي حياته لكتابة تاريخٍ للخلاف حول الهدوئية وضد أعداء البالاماسية جاء في أربعة مجلدات. بعد استقالة كانتاكوزينوس، نجح البرلعاميون في عقد مجمع آخر في أفسس لمعارضة الهدوئيين ولكن البطريرك ومجموع الشعب كانوا جميعاً مقتنعين بأن قضية الهدوئيين أصبحت مطابقة لقضية الأرثوذكسية بالذات وبأن أي دعوى ضدها لن تشكل سوى انحياز مفضوح نحو الأفكار اللاتينية الغربية... وبدءاً من ذلك المجمع تكرّس النصر الحاسم والنهائي للهدوئية. وبعد وفاة بالاماس عام 1359، عقد مجمع في قسطنطينيا عام 1368 ألقي بنتيجته الحرم على الراهب البرلعامي سيدونيوس كما أعلنت قداسة بالاماس واعتبر من آباء الكنيسة. هكذا أصبحت الهدوئية جزءاً من العقيدة الأرثوذكسية تماماً كما ورد في قرار المجمع المقدس TOMOS السادس عام 1351 الذي سبق أن أكّد على صحة آراء بالاماس.
وعلى الرغم من الجو المدرسي الأرسطي السائد في الغرب فقد تردد صدى الأفكار الهدوئية لدى جيلبرتوس بورّيتانوس ويوحنا فاران ناسك ريمس في فرنسا ولدى يوحنا بريسكاين. ولكن دون أن يشكل ذلك موجة ذات شأن ضد تيار السكولاستيكيين الغربيين وبقيت الهدوئية خارج المجتمع الغربي حتى أيامنا.
بقية تاريخية
أصبحت الهدوئية في القرن الرابع عشر مقبولة ومعتمدة في كافة أنحاء العالم الأرثوذكسي كما أسلفنا إذ امتدت الأفكار الهدوئية إلى البلاد السلافية وبلغاريا ورومانيا. بعد سقوط قسطنطينيا وطوال الحقبة العثمانية حين ساد الأتراك على العالم البيزنطي لم تنطفئ شعلة الهدوئية. جبل آثوس كان مرتعها. ولوحظت يقظة روحية مهمة في أواخر القرن الثامن عشر[2] حتى أواسط القرن العشرين.
ولمعت نجوم عديدة من المؤمنين الذين صاغوا إيمانهم عن قناعة عميقة وشاهدوا النور الإلهي غير المخلوق. ومنهم من نظموا قصائد دينية تعتبر من عيون الشعر الصوفي الروحاني[3] يبتهلون فيها إلى الله ويعلنون له إيمانهم به على الرغم من جهالتهم ويعترفون له بأنهم يشعرون بأنهم أقرب إليه كلما ابتعدوا عنه وذلك بفيض من المحبة التي تتخطى لديهم معارف الفكر في الطريق إلى الإيمان. ولم تنحصر الهدوئية بالرهبان ورجال الدين. فالكمال الروحي يمكن أن يصل إليه الإنسان، مهما كان وضعه، ملكاً كان أو إنساناً بسيطاً، دون الاضطرار إلى ترك العالم. وكان الكثيرون والكثيرون يتلون، عفوياً، الصلاة القلبية وهم سائرون في الشوارع بسكون وهدوء وصمت يشعرون معه بأنهم ليسوا بعيدين عن الله.
المراجع:
- ECRITSSURL'HESYCHAMEللكاتبجانايفللوJEAN – IVES LELOUP. منشورات دارALBIN MEHEL. 2006 .
- ETUDESHESYCHASTESللمطران أتانازجفْتِتْش. منشوراتL'AGED'HOMMEفيلوزانبسويسرا. 1995.
- L'ANCIENJOSEPHL'HESYCHASTEللأب يوسف من فاتوبيدي. منشورات دارLESEDITIONSDUCERF. باريس. 2002 .
- LETTRESSPIRITUELLESللأب يوسف الهدوئي. منشورات دارL'AGED'HOMMEفيلوزان بسويسرا. 2005 .
- ROUMANIE, TRADITION ET CULTUREHESYCHASTESللأب رومول جوانتا. منشورات دارABBAYEDEBELLEFONTAINE. 1987 .
- THEORTHODOXCHURCHللمطران كاليستوس وير. منشورات دارTHECHAVERPRESSLID.1982 .
- ثلاثية في الدفاع عن القديسين الهدوئيين للقديس غريغوريوس بالاماس (الثلاثية الثانية). منشورات التراث الآبائي. تعريب رهبنة دير القديس جاورجيوس-الحرف. 1996 .
- جون فاين جونيور. "البلقان في العصر الوسيط".
- القديس غريغوريوس بالاماس والتصوف الأرثوذكسي للأب يوحنا مايندورف. ترجمة الشماس د. يوحنا اللاطي. منشورات مطرانية طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الأرثوذكس – دار الكلمة. 2001 .
- الكتاب المقدس.
- الموسوعة البريطانية.
- الموسوعة الكاثوليكية.
- موسوعة لاروس الفرنسية.



النشرة العددان الثاني والثالث 2008