شكراً كتير أبونا بطرس...
Array
شكراً كتير أبونا بطرس...
Array
[frame="14 98"]
ما هو الموقف الأرثوذكسي من الشذوذ الجنسي؟
الموقف الأرثوذكسي لا يقتصر على بيان أو قرار في مجمع بل هو بالدرجة الأولى رأي مُعاش استناداً إلى الكتاب المقدس والشرع الكنسي وتعاليم الآباء.
بدايةً ماذا يقول الكتاب المقدس حول الشذوذ الجنسي؟ أول إشارة إلى الشذوذ تأتي في تكوين 5:19-8: "فنادوا لوطاً وقالوا له أين الرجلان اللذان دخلا إليك الليلة. أخرجهما إلينا لنعرفهما. فخرج إليهم لوط إلى الباب وأغلق الباب وراءه. وقال لا تفعلوا شراً يا إخوتي. هوذا لي ابنتان لم تعرفا رجلاً. أُخرجهما إليكم فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم. وأما هذان الرجلان فلا تفعلوا بهما شيئاً". يستنتج البعض من هذه الآيات أن الشذوذ كان مقبولاً في سدوم ولهذا صار اسم اللواط قديماً سدومية[20].
أما كتاب اللاويين فيذكر في سياق تعداد الموبقات، في الآية 13:20: "إذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجساً. انهما يُقتَلان. دمهما عليهما".
في العهد الجديد، يذكر الرسول بولس هذا السلوك الشاذ محذراً منه في أكثر من رسالة. ففي وصفه لقباحات الرومان يذكر في روما 26:1-27: "لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة. كذلك الذكور أيضاً تاركين استعمال الأنثى الطبيعي اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكوراً بذكور ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق". أما في رسالته إلى كورنثوس فيقول أن الشاذين لا يدخلون الملكوت: "أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله. لا تضُلّوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور" (اكورنثوس 9:6).
أما في الشرع الكنسي فيذكر القانونان السادس عشر والسابع عشر من مجمع أنقيرة المنعقد عام 314 عقوبات لا تقل عن صوم 15 سنة لمَن يمارس السدومية[21]. يأتي القديس باسيليوس على ذكر خطيئة السدومية في القانون السابع من رسالته الأولى إلى أمفيلوخيوس أسقف إيقونية، ويرفع عقوبة مَن يرتكبها إلى 30 سنة توبة إذا كان قد ارتكبها عن جهل وأكثر إذا كانت عمداً[22]. أما في القانون الثاني والستين من رسالته الثالثة إلى أمفيلوخيوس فيقول أن مَن يكشف عورته لرجل تُفرَض عليه عقوبة الزناة[23] ويفسر البيذاليون هذا القانون على أنه إشارة إلى اللواط.
إن قراءة ما يقوله الآباء على ضوء العلم تقودنا إلى فهم أن الإدانة، كما في كل الخطايا، هي دائماً للفعل وليس للفكر. فبحسب تقليدنا الكنسي، كل أنسان معرض للتجربة الفكرية وهو يداويها في مسيرته الروحية بجهاده وبنعمة الرب ورعاية الأب الروحي. من هنا أن الإدانة الأرثوذكسية للشذوذ ليست إدانة للأشخاص إلا إذا انتقلوا إلى ممارسة شذوذهم. فالأرثوذكسي الذي يواجه حرباً مع فكره لميل شاذ عنده، بنعمة الله ورعاية أب روحي مستنير وبجهاده وصلاته يستطيع الخروج من حربه منتصراً، أما استسلامه لضعفه فينقله إلى ممارسة الخطيئة ويوقعه تحت الدينونة.
بحسب الأب توماس هوبكو، هناك فئتان من المجرَبين بالشذوذ. فئة تعتبر أن إيمانها المسيحي هو الذي يقودها ولا ترى شراً في ما تمارس وتطلب من الكنيسة أن تبارك عملها وقد ذكرنا بعض الاستشهادات التي تقدمها. أما الفئة الثانية فهي تعرف أن ما يحاربها هو هوى شرير وتطلب من الكنيسة والمجتمع المساعدة على الشفاء والتطهر. أفراد الفئة الثانية يعرفون أنهم مجربون وأنهم يحملون صليباً أكبر من صليب غيرهم وهم مدعوون إلى جهاد أكبر حتى يتقدسوا بشفائهم[24].
وللإحاطة بموضوع الشذوذ ولفهمه بشكل سليم لا بد من تفصيل ماهية الخطيئة في الممارسة الشاذة وليس الاكتفاء بعرض ما ينتج عنها. هذا يستند لاهوتياً إلى مفهومين مترابطين هما: الجسد والزواج.
تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية بأن كل الجهاز الجنسي من غدد وأعضاء عند الرجل والمرأة قد خلقه الله لتكاثر البشر دون أن تغض النظر عن أن هذا الجهاز يعمل، ليس فقط كنتيجة أو كسبب للاحتكاك الجسدي، بل هو أيضاً مركز نظام معقد من العواطف والأحاسيس. هذا النظام هو العشق (eros) أو الحب بين الرجل وامرأته. من هنا أن أي استعمال لهذا الجهاز أو الأعضاء بخلاف الهدف الذي خلقه الله لتتميمه يكون غير طبيعي وينشأ عنه خطيئة هي انتهاك لمخطط الله وتدمير للنموذج الاجتماعي الذي وضعه الله حين "ذكراً وأنثى خلقه" (تكوين 2:5) [25].
فمخطط الله هو في أن التناسل البشري يكون ضمن الزواج الذي تباركه الكنيسة كسر من أسرارها كونه ينتج عن ميل طبيعي عند الإنسان نحو شخص من الجنس الآخر لا بهدف الإنجاب بل بهدف تكميل شخصية كل منهما. من هنا أن الميل نحو شخص من الجنس نفسه هو انتهاك لهذا المخطط. أما النموذج الاجتماعي الذي وضعه الله فهو الكنيسة الصغيرة أي العائلة التي يستحيل نشؤوها من علاقة شاذة[26].
لهذا تدين الأرثوذكسية ممارسة الشذوذ على أنه خطيئة، وفي الوقت نفسه، من منظار اجتماعي، هو عمل غير أخلاقي وخطير. وعليه فالكنيسة مُطالَبة بالتوجه إلى الشاذين لمساعدتهم كونها مُطالَبة بخلاص النفوس وهي تحت حكم الله إن لم تقم بهذا الواجب. وهنا ضروري أن يتحلى كل مَن يتعاطى مع هذا الأمر بالتمييز إذ إن تصوّر البعض لإدانة أعمال الشاذين كعمل خالٍ من الرحمة هو تضليل شيطاني. واجب الكنيسة هو السعي إلى إصلاح الشاذ عن طريق شفائه روحياً وجسدياً وليس مباركة ممارساته أو وإيجاد القوانين لتشريعها. إن الاستناد إلى العلم وحده يؤدي إلى فهم حالة الشذوذ وليس إلى قبولها أو تبنيها وهذا يقتضي الوضوح والدقة في إيراد الآراء والتعليم[27].
خاتمة
يشير الكاتب أندرو دلبانكو في كتابه "موت الشيطان"[28] إلى اختفاء الكلام عن الشر إذ لا أحد يسمّيه. حتى الماضي القريب كان لدى المجتمعات أفكار واضحة عن الشر الأخلاقي أما اليوم فقد استبدلت العبارات التي تشير إلى الشر بأخرى من نوع "مشكلة في التصرف" (behavioral problem) أو "اضطراب في الشخصية" (personality disorder) وكل هذه العبارات امّحى منها مفهوم المسؤولية وكل حس باللوم. لقد تم استبعاد مفاهيم الحق والباطل والمسؤولية الشخصية حتى لم يعد الأفراد قادرين على تقييم تصرفهم. "لم يكن مخزون البشرية من القواعد والأصول والقوانين أغنى مما هو عليه اليوم ومع هذا صار إصدار حكم أصعب من أي وقت مضى"[29].
إن تبرير الشذوذ أو الاكتفاء بفهم أسبابه دون العمل على إصلاحه وتنوير المصابين به هو حالة دهرية تتعاطى الحياة الداخلية للإنسان باعتبارها حياة نفسانية أي مشاعر وأفكاراً وتصورات وقناعات وخيالات وإدراكات[30]. إن هذه الحالة الدهرية التي تتوسع هيمنتها في المجتمعات كافةً تذكّر بكلام الرسول يهوذا الذي وصفها مسبقاً دالاً إيانا على الموقف الصحيح: "وأما أنتم أيها الأحباء فاذكروا الأقوال التي قالها سابقاً رسل ربنا يسوع المسيح. فإنهم قالوا لكم أنه في الزمان الأخير سيكون قوم مستهزئون سالكين بحسب شهوات فجورهم. هؤلاء هم المعتزلون بأنفسهم نفسانيون لا روح لهم. وأما انتم ايها الأحباء فابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس مصلين في الروح القدس. واحفظوا أنفسكم في محبة الله منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية. وارحموا البعض مميزين. وخلصوا البعض بالخوف مختطفين من النار مبغضين حتى الثوب المدنَّس من الجسد" (17-23).
[/frame]
المفضلات