الكنيسة الروم الأرثوذكس

[frame="15 80"]

غني عن التعبير أن كلمة " أرثوذكسية " والتي تُشتقّ من الفعل ( δοκω و ορθως ) وتشير إلى الإيمان المستقيم أو الحقّ، ليست بالنسبة إلينا شعاراً لطائفة معينة يميزها عن بقية الطوائف ، بل هي طابع الكنيسةالأولى الجامعة التي حافظت على استقامة التعليم الرسولي، واستمرارية الحياة بالروح القدس، كونها الكنيسة ذاتها التي أسّسها الرب يسوع على صخرة الإيمان الحقّ بابن الله الحيّ المتجسّد والباقي معها للأبد.


أما بخصوص كلمة " رومان " فقد أُطلقت غالباً على رعايا الكنائسالقديمة الخمس ( روما، القسطنطينية، الإسكندرية، أنطاكية وأورشليم ) لأن هذه المدن كانت المراكز الكبرى الإدارية والروحية للإمبراطورية الرومانية وهي لا تعني بالضرورة أن أبناء هذه الكنائس هم رومان أو يونانيون بل تدل على أنهم ، بالرغم من انتمائهم إلى قوميات مختلفة، قد تبعوا إيمان الكنيسة الجامعة التي كانت حينها ضم نإطار الإمبراطورية الرومانية. وقد ازدادت الحاجة إلى استعمال هذه الصفة " رومان ،روم " بعد استقلال الكنائس الشرقية القديمة والتي أخذت إلى حدّ ما طابعاً قومياً كالكنائس الآشورية والسريانية والقبطية والأرمنية والحبشية ... الخ فكل من لم ينتسب إلى هذه الكنائس وبقي على إيمانه بكنيسة الإمبراطورية الرومانية أي كنيسة المجامع المسكونية السبعة ، التي عقدت بمبادرة أباطرتها وعلى نفقتهم، سمي " رومانياً أورومياً " تمييزاً له عن أبناء الكنائس المذكورة.

ومن المعلوم أن المراجع القديمة بما فيها العربية كانت تسمي رومان القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية روم ( ρωμηοι , ρωμαιοι ) تميزاً لهم عن رومان القسم الغربي من الإمبراطورية، في حين سماهم الغربيون منذ القرن التاسع Greek وفيما بعد بيزنطيين لكي يبعدوا عنهم الإنتماء إلى الإمبراطورية الرومانية ويحنفظوا به الأنفسهم . والواقع أن الغربيين هم الذين تغرّبوا عن هذه الصفة بعد احتلال القبائل الجرمانية ( الغوت والفرنك واللومبارديين والأنكلوساكسونيين ... ) للغرب واندثارالحضارة الرومانية فيه وفصله عن القسم الشرقي وبالتالي إبعاده عن منابع التقليد اللاهوتي الرسولي.

ما يهمنا نحن هو التشديد على أن كلمة " روم " لاتعني انتماءً قومي اًبل هي بالنسبة إلينا الآن انتماء حضاري وختم أصالة ، كون " الرومانية " بشكل خاص هيالبيئة التي أخذت فيها الكنيسة طابعها الثقافي والحضاري الأول ، إذ استعمل الرسل والآباء والشعراء الملهمون والمصورون المبدعون التعابير اللغوية والاصطلاحات الفلسفية والأصول الشعرية والموسيقية والتصويرية التي كانت شائعة في تلك البيئة. والتي جمعت تأثيرات من مختلف الحضارات المنضوية تحت لواء الإمبراطورية الرومانية كاليونانية والرومانية والآرامية والمصرية ... الخ. وهكذا مع الزمن صار للكنيسة أدبها المميز باصطلاحاته المسيحية الخاصة ، وأيقوناتها بأسلوبها الفني الروحاني،وطقوسها بأصولها الشعرية وموسيقاها الموحية، والتي تشكل جميعها تقليدها الرسولي الكنسي وتعبّر عن حياتها المتجددة ، أو عمل الروح القدس فيها عبر التاريخ من خلال هذه الأطر الحضارية.

[read]
الأهم في صفة " روم " إذن ليس مجرد غنى وروعة التراث الحضاري الرومي الذي ننتمي إليه، بل الحياة الإلهية التي تحملها تعابير تساعد المؤمنين على التخشّع وتضعهم في تيار روح الله الذي عاشه مؤلفوها القديسون الملهمون.

[/frame]
[/frame]
[/read]