آيتان مصاحبتان لحياته
رأينا أنه عند ولادة المسيح حدثت آيتان عظيمتان، واحدة في السماء الأولى (عندما ظهر للرعاة جمهور من الجند السماوي مسبحين الله)، والأخرى في السماء الثانية (عندما ظهر للمجوس نجم خاص به، قادهم إلى حيث كان المسيح الملك)، ولكن في حياة المسيح حدثت آيتان في السماء الثالثة، فالله لم يكتف بملائكته يرسلهم، ولا بنجم يُظهِره، بل في بداية خروج المسيح للخدمة، ثم قرب نهايتها، أعلن الله بنفسه من سماواته أنه وجد سروره بهذا الشخص الكامل الفريد. حدث ذلك في مياه نهر الأردن، ثم مرة ثانية من فوق جبل التجلي.
أولاً: معمودية المسيح
لقد قصد المسيح أن يبدأ خدمته الجهارية بالمعمودية من يوحنا المعمدان المرسل من الله ليهيء الطريق قدامه. وفي المعمودية جاءت شهادتان سماويتان: شهادة منظورة وأخرى مسموعة، الأولى هي شهادة الروح القدس النازل من السماء المستقر على المسيح، والثانية هي شهادة الآب يتكلم من سماواته المفتوحة فوق المسيح!
ونلاحظ أن الوحي لا يقول إن السماوات ”انفتحت“، بل ”انفتحت له“. ولقد سُر الله، بدخول المسيح إلى الخدمة، أن يعلن في معمودية المسيح أول إعلان واضح عن حقيقة الثالوث في المسيحية. فالمسيح خرج من المعمودية (هنا نرى الابن)، والروح القدس نزل بهيئة جسمية مثل حمامة (هنا نرى الروح القدس)، والآب من السماء يشهد عن المسيح قائلاً: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» (متى 3: 17).
ثانيًا: حادثة التجلي
لقد كانت المعمودية في بداية خدمة المسيح، بينما التجلي كان قرب نهاية خدمته له المجد. لقد خرجت السماء عن صمتها عند مشهد المعمودية لأن المسيح القدوس البار نزل إلى مياه الأردن، واتحد نفسه مع الخطاة التائبين. ولكي لا يحدث خلط بينه وبين الخطاة، فإن الآب ميزه في الحال، قائلاً: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» (متى3: 17). ومن فوق جبل التجلي كرر الآب على مسامع تلاميذه الإعلان عينه، لا ليميزه عن الخطاة التائبين، بل ليمزه عن القديسين!
لقد أخطأ بطرس عندما قال للمسيح: «يا رب، جيد أن نكون ههنا! فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال: لك واحدة، ولموسى واحدة، ولإيليا واحدة». نعم أخطأ بطرس حينما ساوى الخالق بالمخلوق، والابن بالعبد، والسيد بالخادم. لذلك نقرأ: «وفيما هو يتكلم إذ سحابة نيرة ظللتهم، وصوت من السحابة قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا. ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدًا. فجاء يسوع ولمسهم وقال: قوموا، ولا تخافوا. فرفعوا أعينهم ولم يروا إلا يسوع وحده»
ولقد انتهى مشهد التجلي الجميل بسقوط التلاميذ على وجوههم وخوفهم الشديد. ولعل النور الفائق، وصوت الآب من المجد الأسنى، سببا لهم هذا الخوف الشديد، فلقد كانوا ما زالوا في أجسادهم الترابية التي لا تتحمل بهاء النور وعظمة المشاهد السمائية، لكن المسيح جاء ولمسهم. والمسيح في هذا يقف موقف المباينة ليس فقط من التلاميذ، بل أيضًا من موسى وإيليا العظيمين، فموسى قال يوم أن رأى مشهد جبل سيناء وقد وقف الرب عليه: «أنا مرتعب ومرتعد» (عب12: 21)؛ وإيليا أيضًا لف وجهه بردائه يوم أن استشعر عبور الرب أمامه وهو في المغارة (1ملوك19: 13). وأما المسيح فقد أتى لتلاميذه وشجعهم، ويقول لنا البشير متى: «فرفعوا أعينهم ولم يروا إلا يسوع وحده» (متى 17: 8).
لقد عاد كل من موسى وإيليا إلى راحتهما، وظل المسيح في صورة العبد، ليواصل مسيرة الطاعة والتواضع حتى يختمها بالصليب. فماذا كان سيفعل لنا موسى وإيليا لو أنهما تُركا، وأخذ المسيح؟ لكن حمدًا لله «الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين» (رومية 8: 32).
ويلذ لنا أن نلحظ كيف في كل المواقف التي وصل فيها اتضاع المسيح العجيب إلى بعد كبير، أرادت السماء فورًا أن تأكد على عظمته:
فعندما ولد في مذود للبهائم، ظهر جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين: «المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة».
وعندما اتحد نفسه مع الخطاة التائبين «السماء انفتحت له».
وبعد الإعلان الأول عن رفض اليهود له وقتله (متى16: 21)، تبع ذلك مباشرة حادثة التجلي (متى 17: 1-8)، حيث جاءت شهادة الآب ثانية من السماء بأنه ”الابن الحبيب“ الذي فيه وجد الآب سروره.
وأخيرًا في موته فوق الصليب حدثت أعاجيب الجلجثة المذكورة في متى 27، كما سنرى بعد قليل.
المفضلات