- قال المسيح إنه هو الأول والآخر. البداية والنهاية. الألف والياء.
فلقد قال لعبده يوحنا في سفر الرؤيا:
«لا تخف أنا هو الأول والآخر» (رؤيا1: 17)؛

وقال لملاك كنيسة سميرنا:
«هذا يقوله الأول والآخر. الذي كان ميتًا فعاش» (رؤيا2: 8)؛

ومرة أخرى:
«قال لي قد تم. أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية. أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجانًا» (رؤيا21: 5و6)
كما قال أيضًا:
«وها أنا آتي سريعا وأجرتي معي لأجازي كل واحد كما يكون عمله. أنا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر» (رؤيا22: 12و13)

لقد قال الرب هذا ليوحنا «أنا هو الأول والآخر»، عندما سقط يوحنا عند رجليه كميت. ونحن نجد في العهد القديم تأثيرًا مشابهًا لهذا حدث في ظهورات إلهية سابقة، مع إبراهيم (تكوين17: 3)، ومنوح (قضاة13: 20)؛ وحزقيال (حزقيال3: 23؛ 43: 3؛ 44: 4)، ودانيآل (دانيال8: 17؛ 10: 8، 9، 15-17).
لكن، إن كان - من جانب يوحنا – حدث الخوف والفزع، فمن جانب المسيح أتت تلك الإعلانات السامية عن شخصه، مستخدمًا التعبيرات الخاصة بالله دون سواه. فمن سوى الله يمكن أن يكون «الأول والآخر، البداية والنهاية، الألف والياء». هذا التعبير لا يرد في كل الكتاب سوى في نبوة إشعياء، ويرد فيها ثلاث مرات (في ص41: 4؛ 44: 6؛ 48: 12) كلها عن الرب (يهوه) مما يدل على أن هذا التعبير إلهي. فالله هو وحده – كما عبَّر إشعياء في الآية الأولى (41: 4) الذي يقف خارج التاريخ، خارج تاريخ الفداء (إشعياء 44: 6)، وخارج تاريخ الخليقة (إشعياء48: 12). إن الزمان ضيف عليه! هو الأول ولا شيء قبله. هو علة كل شيء وليس له علة. ثم إنه هو الآخر، وليس بعده شيء، هو المآل لكل خليقته. وعندما يكرر الوحي هذا الفكر ثلاث مرات: الأول والآخر، البداية والنهاية، الألف والياء، فإن هذا لا يمكن أن ينطبق إلا على الله وحده.
لقد قيل أيضًا عن المسيح بحسب كولوسي 1: 17 «إنه قبل كل شي، وفيه يقوم الكل». كل شيء يستمد الأصل منه، وكل شيء يستمد الوجود منه. وإليه يؤول كل شيء. إنه الأول في كل مجال، وهو الآخر لكل مدى. هو يحتوي الكل، وخارجه لا يوجد سوى العدم. إنه تعبير يدل على الأولوية الكاملة والتفوق المطلق.
وعليه فإنه في ضوء الإعلان الصريح عن الله باعتباره ”الأول والآخر“، وعن المسيح باعتباره ”الأول والآخر“، يتضح على الفور أن المسيح قال عن نفسه صراحة أنه هو الله.
من جهة الزمان هو الأول، ومن جهة الأبدية هو الآخر. بكلمات أخرى هو أزلي أبدي. أو بكلمات أخرى هو الكائن بذاته والواجب الوجود.
15- قال المسيح إنه هو الحي إلى أبد الآبدين.
قال المسيح عن نفسه ليوحنا في جزيرة بطمس إنه
«الحي. وكنت ميتًا، وها أنا حي إلى أبد الآبدين» (رؤيا1: 18)

في الآية السابقة كان الرب قد قال ليوحنا: «أنا هو الأول والآخر». والآن يضيف له أنا ”الحي“، وأيضا ”أنا حي إلى أبد الآبدين“. فالله يسمى في الكتاب المقدس بأنه الحي. بينما الكل عداه أموات. قال اليهود للمسيح عن إبراهيم وعن باقي الأنبياء: «ألعلك أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات، والأنبياء ماتوا جميعًا». نعم كل الأنبياء ماتوا لأنهم بشر، أما الله فلا يموت. وهنا يقول المسيح عن نفسه إنه هو الحي. بل هو الذي قيل عنه: «فيه كانت الحياة» (يوحنا1: 4).
ويرد التعبير ”الله الحي“ في الكتاب المقدس 28 مرة. 14 مرة في العهد القديم و14 مرة في العهد الجديد، منها ست مرات في سفر الرؤيا (1: 18؛ 4: 9، 10؛ 5: 14؛ 10: 6؛ 15: 7). ويقول الكتاب المقدس عن الله إنه «وحده له عدم الموت». لكن ها إنسان مات، ولكنه قام أيضًا، لأنه بلغة الرسول بطرس هو ”رئيس الحياة“ (أعمال3: 15). وعندما مات لم يمت لأن هذا كان حقًا عليه كما على كل إنسان، بل كان موته اختياريًا، كما كان موتًا كفاريًا عن الجنس البشري كله. وهذا الشخص يقول عن نفسه إنه «حي إلى أبد الآبدين». وتعبير ”أبد ألابدين“ كما ورد في اللغة اليونانية، هو أقوى تعبير في اللغة للدلالة على عدم نهاية الزمن. فكيف يكون هذا؟ أ ليس ببساطة لأنه ليس مجرد إنسان، بل هو الله وإنسان في آن واحد معًا؟
16- قال المسيح إن له مفاتيح الموت والهاوية
ففي الآية السابقة استطرد المسيح متحدثًا إلى يوحنا فقال له:
«ولي مفاتيح الهاوية والموت» (رؤيا1: 18).
يستطرد المسيح مع يوحنا في جزيرة بطمس، بعد كلامع السابق له، قائلاً: «ولي مفاتيح الهاوية والموت». وهذا التعبير يدل على أن المسيح هو المهيمن المطلق على أجساد وأنفس الجميع. السلطان الذي كان الشيطان به يرعب الإنسان، بسبب خطيته، ولكن ها قد أتى الفادي الذي أمكنه أن يعتق الإنسان من تلك العبودية القاسية.
ونحن نتساءل من ذا الذي يملك مفاتيح الحياة والموت؟ أ ليس هو بعينه الذي قال عن نفسه: «دفع إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض» (متى28: 18). وإن لم يكن صاحب هذا السطان هو الله، فمن يكون؟
17- قال المسيح أنا فاحص القلوب
فهو قال لملاك كنيسة ثياتيرا: «فستعرف جميع الكنائس أني أنا هو الفاحص الكلى والقلوب، وسأعطي كل واحد منكم بحسب أعماله» (رؤيا2: 23).


يقال هذا التعبر عن الرب يهوه أكثر من مرة في نبوة إرميا. فلقد قال: «القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس من يعرفه؟» ويجيب: «أنا الرب فاحص القلوب ومختبر الكلى» (إرميا17: 10 انظر أيضا ص11: 20؛ 20: 12)، بمعنى أنه لا يوجد من يعرف قلوب البشر إلا الله. وهو عين ما قاله سليمان الحكيم: «لأنك أنت وحدك عرفت أفكار جميع بني البشر» (1ملوك8: 39). ولا يوجد مطلقًا من يعلم ما في صدور الناس سوى الله «لأنه هو يعرف خفيات القلب» (مزمور44: 21). هذا مجد يخص الرب (يهوه) وحده دون سواه.
لكن المسيح هنا يقول إنه هو «فاحص الكلى والقلوب»، بمعنى إنه يعرف الأفكار والنيات، ويعلم أعماق الإنسان. يدرك الدوافع والأفكار، ويفحص العواطف الداخلية والرغبات في الأعماق. بكلمات أخرى هو الكلي العلم. كيف لا وهو الديان!
فعندما يؤكد المسيح إنه يعرف قلوب البشر جميعًا، مستخدما العبارة عينها التي استخدمها الرب يهوه عن نفسه في نبوة إرميا، أ فلا يكون المسيح بهذا قد قال عن نفسه إنه هو الله؟