(3)
ماذا قالت أعمال المسيح؟
«صدقوني, وإلا فصدقوني بسبب الأعمال نفسها» (يوحنا 10: 37و38).
,,
رأينا في الفصلين السابقين أن المسيح قال مرات عديدة ما يفيد أنه الله الظاهر في الجسد. وسنرى في هذا الفصل أنه لم يقل ذلك فقط، بل قدم أيضًا الدليل الساطع والبرهان القاطع عليه. ونحن نعرف أن الأفعال لها صوت أعلى من الأقوال، فما أسهل أن يدعي شخص بأنه إله، أو أنه رسول من عند الله ، أو أنه أحد أنبيائه. لقد تقابلت أنا شخصيًا مع أشخاص فقدوا قواهم العقلية فادعوا مثل هذه الادعاءات. لكن المسيح – له كل المجد – كما قال بأساليب مختلفة إنه الله، فقد برهن على ذلك أيضًا بما لا يحصى من أعمال.
في ختام حياته مع التلاميذ وهو يحدثهم حديث الوداع في العلية، قال له المجد للتلاميذ: «لو لم أكن قد جئت وكلمتهم (يقصد اليهود) لم تكن لهم خطية، وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم. لو لم أكن قد عملت بينهم أعمالاً لم يعملها أحد غيري لم تكن لهم خطية، وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبي» (يوحنا15: 22-24). والمقصود بعبارة ”خطيتهم“ هو خطية رفضه، وعدم الإيمان به أنه هو الله الذي ظهر في الجسد، وأنه المسيا.
والآن، دعنا نمر على ثمانية أنواع من المعجزات التي عملها المسيح له المجد كعينات:
1- تطهير الأبرص:
لقد اخترت هذه المعجزة لأتحدث عنها في البداية، لأنها كانت أول معجزة مسجلة للمسيح في البشائر الأربع. وهي معجزة عظيمة في نظر اليهود الذين عملت المعجزة بينهم، والذين كتب متى البشير إنجيله إليهم، وذلك لجملة أسباب:
أولاً: لأن مرض البرص هو مرض بشع للغاية، يجعل صاحبه كالميت الذي أكل لحمه (عدد12: 12). وهذا يعطينا فكرة عن مقدار بشاعة هذا المرض.
ثانيًا: كان هذا المرض - بحسب شريعة موسى – يعتبر نجاسة، تحرم صاحبها ليس فقط من ممارسة العبادة في هيكل الله، بل حتى من الاختلاط مع شعب الله، فكان يتم عزله خارج أماكن إقامة الشعب. وعن هذا المرض اللعين أفرد الناموس أصحاحين كاملين لشرحه وشرح كيفية التعامل مع المصابين به (لاويين 13؛ 14).
ثالثًا: إنه كان يستحيل الشفاء من هذا المرض. ولهذا فإنه عندما أرسل ملك أرام إلى ملك إسرائيل رئيسَ جيشه نعمان السرياني ليشفيه من برصه، مزق الملك ثيابه، وقال: «هل أنا الله لكي أميت وأحيي، حتى أن هذا يرسل إليَّ أن أشفي رجلاً من برصه؟» (2ملوك5: 7). مما يوضح لنا نظرة الناس إلى خطورة هذا المرض، واستحالة الشفاء منه.
لكن المسيح في هذه المعجزة بلمسة واحدة مصحوبة بأمر منه، طهَّر الأبرص!
نلاحظ أن الرب يسوع لم يكن دائمًا يلمس من يقوم بشفائهم، فكثيرًا ما اكتفى بالكلمة وحدها، لكنه في حالتنا هذه لمس الأبرص. ولقد كان – بحسب الشريعة - من يلمس الأبرص يتنجس، لكننا هنا نرى شخصًا يلمس الأبرص فلا يتنجس هو، بل الأبرص هو الذي يطُهر. فمن يكون هذا الشخص العجيب؟
وعندما أتي ذلك الأبرص فقد قال للمسيح: «يا سيد: إن أردت تقدر أن تطهرني»، فقال له يسوع: «أريد فاطهر». لاحظ أن المسيح لم يقل له: ”كل شيء بإذن الله“، بل قال: ”أريد“. ونقرأ: ”ففي الحال طهر برصه“!
ترى من الذي له سلطان أن يقول ”أريد“. ولا يقولها فقط، بل يفعل أيضًا. حقًا لقد أثبت المسيح بهذا أنه هو الله الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته» (أفسس1: 11).
والمسيح هنا نراه بحنانه يلمس الأبرص المنبوذ، وبقوته يطهره من برصه. مجدًا له فإنه صاحب أرق قلب، وأقوى ذراع!
2- شفاء المرضى:
لقد قام بعض الأنبياء والرسل بعمل معجزات شفاء، لكنهم عملوا تلك المعجزات بقوة استمدوها من الله عن طريق الصلاة، أو بسلطان أخذوه من الرب يسوع المسيح نفسه، أما المسيح - بخلاف كل من سبقه وكل من لحقه - فعل تلك المعجزات بقوته هو وسلطانه الشخصي. وليس ذلك فقط بل إنه أعطى هذا السلطان لآخرين (متى 10: 5-8). وواضح أن من يعطي السلطان لغيره، يملك هو شخصيًا هذا السلطان.
ثم لاحظ أنه لم تكن هناك أنواع من الأمراض متخصص فيها الرب يسوع، بل يقول عنه متى البشير إنه «كان يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب , فأحضروا إليه جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع مختلفة والمجانين والمصروعين والمفلوجين فشفاهم» (متى 4: 23و24). ومرة ثانية يقول: «وكان يسوع يطوف المدن كلها والقرى يعلم في مجامعهم,. ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب» (متى9: 35). ارجع أيضًا إلى متى 14: 35و36؛ 15: 30و31؛ مرقس1: 32-34؛ 3: 10؛ 6: 55و56؛ لوقا4: 40؛ 6: 19
وأما كيف كان الرب يشفي المرضى، فإن المسيح أحيانًا كان يشفي بكلمة، مجرد كلمة يقولها، وكانت كلمته تحمل معها السلطان، فيهرب المرض من المريض الذي أمامه. ومرات كان المسيح يشفي بكلمة، لكن من على بعد، دون أن يقابل المريض شخصيًا، لكن كلمته وأمره كانا يحملان معهما السلطان؛ وأحيانًا كان الذين يلمسونه ينالون الشفاء.
لقد شفى المسيح بكلمة. فهو مثلاً قال للمفلوج الذي قُدِم إليه يحمله أربعة: «قم واحمل سريرك، واذهب إلى بيتك. فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل» (مرقس2: 11، 12). ولمريض بركة بيت حسدا الذي ظل مقعدًا لمدة ثماني وثلاثين سنة، يرجو الحصول على الشفاء عن طريق نزوله في البركة متى تحرك الماء، كلمة واحدة من فم المسيح جعلت ذلك الرجل صاحب أقدم مرض، يحمل سريره ويمشي» (يوحنا5: 5-9). ولحماة بطرس نقرأ أنه انتهر الحمى فتركتها، بل نقرأ إنها في الحال قامت وصارت تخدمهم (لوقا4: 38، 39). ومع الرجل ذي اليد اليابسة قال المسيح له مد يدك فعادت صحيحة كالأخرى (متى12: 13).
في هذا يقف المسيح في موقف المباينة مع كل رجال الله والأنبياء، ففي العهد القديم نقرأ عن ملك يبس الله يده، ردعًا له عن شره، هو الملك يربعام، الذي مد يده ليمسك رجل الله الذي تنبأ ضده في ذلك اليوم. لقد يبست يده في الحال، ولم يستطيع أن يردها. ولما تضرع رجل الله إلى وجه الرب من أجل الملك، رجعت يد الملك إليه، وكانت كما في الأول (1مل 13). أما الرب يسوع فعندما شفي الرجل ذا اليد اليابسة، لم يكن محتاجًا إلى أن يتضرع إلى وجه الرب، لأنه هو الرب. ففارق كبير بين ”رجل الله“ الذي يعمل معجزة، وبين الله نفسه الذي تنازل وقَبِلَ أن يصير رجلاً. وأما بالنسبة للحُمى التي شفى حماة بطرس منها، فمعروف اليوم أن العلاج من الحمى، برغم تقدم الطب الهائل، يحتاج علاج يستمر لأيام كثيرة، فيها تبدأ الحمى في الاختفاء بالتدريج تاركة المريض منهكًا. أما المسيح فلا يلزمه سوى أن يأمر، فتهرب الحمى هروبًا من أمام وجهه! قال النبي عن الرب: «قدامه ذهب الوبأ، وعند رجليه خرجت الحمى» (حبقوق 3: 5).
وبالنسبة لمريض بركة بيت حسدا، فنحن نتذكر ما عمل الله في الخليقة الأولى، عندما «قال ليكن نور فكان نور» (تكوين 1: 3). ويقول المرنم: «قال فكان، هو أمر فصار» (مزمور33: 9). هكذا المسيح هنا، كلمة واحدة حملت معها القوة للمريض، فقام طاعة لكلمات المسيح (يوحنا5: 8، 9). إنه الرب الذي قال عنه المرنم: «أرسل كلمته فشفاهم» (مزمور107: 20).
ومرات كان المسيح يشفي بكلمة، ولكن من على بعد، فمرة أتى قائد مئة إلى يسوع يطلب إليه من أجل غلامه المفلوج، ولما قال المسيح: «أنا آتي وأشفيه. فأجاب قائد المئة وقال: يا سيد لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي». ولقد تعجب يسوع من إيمان ذلك القائد، لأنه كان أمميًا، وقال له: «اذهب، وكما آمنت ليكن لك، فبرأ غلامه في تلك الساعة» (متى 8: 5-13). ومرة ثانية مع ضابط من الحرس الملكي في كفرناحوم، أتى إلى يسوع وهو في قانا الجليل وطلب إليه أن ينزل معه، ليشفي ابنه قبل أن يموت، لأنه كان مصابًا بحمى شديدة، «قال له يسوع: اذهب، ابنك حي» (يوحنا5: 46-54). إن قانا الجليل حيث التقى الرب ذلك الضابط، تبعد عن كفر ناحوم نحو أربعين كيلو مترًا. لكن الأمر لم يستلزم أكثر من قول الرب «اذهب، ابنك حي»!
يفتخر الإنسان اليوم في القرن الواحد والعشرين بقدرته على التحكم من بعد. فمن الأرض يمكنه أن يصلح الأعطال التي تحدث في الأقمار الصناعية ومركبات الفضاء. لكن إن كان الإنسان يقدر أن يصحح من بُعد أخطاء في أشياء صنعها، فإن الله يستطيع أن يشفي من بُعد أمراضًا في أشخاص خلقهم. هذا ما عمله الرب يسوع في معجزة شفاء ابن خادم الملك في كفرناحوم، وشفاء غلام قائد الئة في كفرناحوم أيضًا. لقد شفى المرض المستعصي من بُعد، وأقام المشرف على الموت بكلمة قدرته. يا لروعة المعجزة!! وما ذلك إلا لأنه بلاهوته يملأ كل مكان.
ونحن نتذكر كيف في بداية المسيحية كان ظل بطرس يشفي المرضى. فبمجرد أن يخيم ولو ظله على أحد المرضى كان يبرأ في الحال (أعمال5: 15). وأما بولس فقد صنع الله على يده قوات غير المعتادة، حتى إنه كان يُؤتى عن جسده بمناديل أو مآزر إلى المرضى فتزول عنهم الأمراض (أعمال19: 11و12). لكن رب بطرس وبولس لم يكن بحاجة لا إلى أن يخيم بظله، ولا أن يؤتى عن جسده بمناديل. بل إن كلمة تخرج من فمه، وهو في مكانه، كانت تحمل معها الأمر، وهذا يكفي!
ومرات كان المسيح يشفي بدون كلمة يقولها هو، ولا كلمة يقولها المريض، كل ما في المسألة أن يأتي المريض ويلمس هدب ثوب المسيح فينال المريض الشفاء في الحال. ويخبرنا الوحي عن امرأة نازفة دم منذ اثنتي عشرة سنة، تألمت كثيرًا من أطباء كثيرين، وأنفقت كل ما عندها، ولم تنتفع شيئًا بل صارت إلى حال أردأ. ما أن سمعت عن يسوع حتى أتت إليه لأنها قالت إن مسست ولو هدب ثوبه شفيت، وقد كان. ولقد صارت هذه المرأة رائدة، اقتدى بها الكثيرون. ففي مرقس 5: 28 يذكر لنا لمسة هذه المرأة للمسيح وشفائها، وفي مرقس 6: 56 يذكر كيف أن مرضى كثيرين طلبوا أن يلمسوا ولو هدب ثوبه، وكل من لمسه شفي!
وبالنسبة للمرأة نازفة الدم تذكر البشائر أن الرب توقف ليسأل هذا السؤال، الذي بدا على المسامع غريبًا: ”من لمسني؟“. قال له تلاميذه أنت ترى الجمع يزحمك، وتقول من لمسني؟ لكن الرب أصر على أن يرى الذي فعل ذلك. وكان له في هذا حكمة، فلقد أراد الرب أن تذهب هذه المرأة نازفة الدم إلى بيتها، ليست متمتعة بالشفاء الجسدي فقط، بل بما هو أفضل وأهم، ببركة السلام لنفسها وروحها، فما أن اعترفت أمامه بالحق كله، حتى قال لها: «اذهبي بسلام». لقد خرجت من بيتها مريضة وها هي تعود إلى البيت صحيحة؛ وجاءت إلى الرب «وهي خائفة ومرتعدة» وها هو يقول لها «اذهبي بسلام»!
فإيمان هذه المرأة شفاها، ولكن كلمة الرب ملأت قلبها بالثقة.
وبالإضافة إلى ذلك أراد الرب أن يعلمنا درسًا هامًا، وهو أنه العليم بكل شيء. فلا شيء يمكن أن يختفي عنه على الإطلاق، ولا حتى لمسات أصابعنا! وذاك الذي رأى إيمان هذه المرأة وانتعش به، أ لم يكن يرى أيضًا عدم إيمان الجموع؟!
قارئي العزيز إنه أيضا يراك ويعرفك، فهل لديك إيمان؟ «إيمان مختاري الله»؟ (تيطس 1: 1). مكتوب: «ولكن بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه (أي إرضاء الله). لأنه يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود، وأنه يجازي الذين يطلبونه» (عبرانيين 11: 6
المفضلات