ثانيًا: المسيح هو موضوع الإكرام والتمجيد في الأرض وفي السماء:
عندما تحدثت المرأة السامرية مع الرب يسوع عن السجود، حدثها عن السجود الحقيقي للآب بالروح والحق. فماذا عن الابن؟ هل يقدم المؤمنون السجود له أيضًا؟ الإجابة نجدها في الأصحاح التالي، عندما قال المسيح لليهود: «لكي يُكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب. من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله» (يوحنا5: 23).
ولذلك فلا عجب أن نجد سجود المفديين في السماء موجه إلى الآب والابن، أو بلغة الكتاب للجالس على العرش وللحمل (رؤيا5: 13). وسوف نعود بعد قليل لهذه النقطة.
وبعد القيامة ظهر الرب للتلاميذ وهم مجتمعين، على نحو ما يخبرنا به البشير يوحنا. ظهر لهم في المرة الأولى، ولم يكن توما الرسول معهم. فلما أخبره زملاؤه الرسل بأن المسيح قام من الأموات، وأنهم رأوه، قَالَ لَهُمْ: «إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ لاَ أُومِنْ» (يوحنا20: 25). ويستطرد البشير قائلا: «وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تلاَمِيذُهُ أَيْضاً دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: «سلاَمٌ لَكُمْ». واتجه الرب فورًا إلى توما بالقول: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِناً». أَجَابَ تُومَا وقال له: ”رَبِّي وَإِلَهِي“. قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا».
بعض المزوِّرين، ليتحاشوا هذا الكلام الصريح الذي فيه قال واحد من التلاميذ للمسيح إنه ربه وإلهه، قالوا إن توما وقد أخذ بالمفاجأة، كيف عرف المسيح ما قاله، رغم عدم وجود المسيح معهم عندما نطق بهذه الكلمات، فإنه هتف قائلا: ”يا إلهي“، كما تفعل نحن أحيانا عندما نقابل شيئًا مدهشًا وعجيبًا!
وللرد على ذلك نقول أولاً إن معرفة المسيح لما حصل، رغم عدم وجوده مع التلاميذ، يؤكد لنا أنه هو الحاضر الغائب، الذي لا تراه عيوننا لكنه هو يرانا ويسمعنا. وهذه واحدة من صفات اللاهوت لا يشاركه فيه سواه.
وثانيًا: كان اليهود يتحاشون تمامًا استخدام اسم الجلالة في نطقهم العادي، فهم ليسوا نظيرنا الآن ينطقون باسم الله في كل مناسبة وفي غير مناسبة، بل إذ كانوا يوقرون اسم الله كانوا يستبدلونه ما أمكنهم بغيره من المسميات، مثل تعبير ”ملكوت السماوات“ بدلاً من التعبير ”ملكوت الله“، والقول ”أخطأت إلى السماء“ بدلاً من ”أخطأت إلى الله“ (لوقا15: 18)، وأيضًا قولهم للمسيح: ”هل أنت ابن المبارك“؟ بدلاً من قولهم: ”هل أنت ابن الله؟“، وهكذا. ومع أننا كثيرًا ما نستعمل التعبير يا إلهي اليوم للتعبير عن الدهشة، لكن لا يوجد أدنى دليل تاريخي على الإطلاق في أن اليهود كانوا معتادين على استخدام هذا اللفظ كتعبير عن التعجب.
وثالثًا: النص لا يدعنا نذهب إلى هذا الاستنتاج مطلقًا، فالنص يقول: «أجاب توما وقال له: ربي وإلهي». فليس أن توما قال ربي وإلهي، بل ”قال له“، أي قال هذا للمسيح.
وليس توما وحده الذي اعتبر أن الرب يسوع ربه وأنه هو عبده، بل جميع الرسل، فيقول بولس: «بولس عبد ليسوع المسيح» (رومية 1: 1)، ويقول أيضًا: «بولس وتموثاوس عبدا يسوع المسيح» (فيلبي1: 1). والرسول يعقوب يكتب قائلاً: يعقوب عبد الله والرب يسوع المسيح» (يعقوب1: 1). وكذلك فعل الرسول بطرس إذ كتب يقول: «سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله» (2بطرس1: 1). وكذلك أيضًا يهوذا إذ كتب قائلاً: «يهوذا عبد يسوع المسيح» (يهوذا 1). وكما فعل الرسل هكذا فعل باقي المؤمنين، فنقرأ عن أبفراس: «يسلم عليكم أبفراس الذي هو منكم، عبد للمسيح، مجاهد كل حين لأجلكم بالصلوات» (كولوسي4: 12). وقيل عن باقي المؤمنين: «لأن من دعي في الرب وهو عبد فهو عتيق الرب، كذلك أيضًا الحر المدعو هو عبد للمسيح. قد اشتريتم بثمن، فلا تصيروا عبيدًا للناس» (1كورنثوس7: 22، 23). والعبارة الأخيرة تؤكد لنا أن المسيح ليس واحدًا من الناس.
المسيح موضوع الحب والتسبيح:
إن كل المؤمنين يحبون المسيح. كيف لا وهو قد أحبنا أولاً (1يوحنا4: 19). ولهذا الأمر، الذي قد لا يفكر فيه الكثيرون، أهمية قصوى. وتَرِد في الوحي آيتان في منتهى الأهمية، إذا وضعناهما جنبًا إلى جنب، يتضح لنا المعنى الهام المتضمن فيهما. يقول الرسول: «النعمة مع جميع الذين يحبون ربنا يسوع المسيح في عدم فساد» (أفسس6: 24)؛ بينما يقول «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا (وهي كلمة أرامية تعني محرومًا من البركة وملعونًا)» (1كورنثوس 16: 22). هكذا إلى هذا الحد! المحبة له تجلب كل البركات، وعدم المحبة له (ولا يقول البغضة له)، تحرم من كل بركة، بل وتجلب اللعنة!

المسيح موضوع تمجيد شعبه
وعن تمجيد الرب يسوع نقرأ قول الرسول: «لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ فِيهِ، بِنِعْمَةِ إِلَهِنَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (2تسالونيكي 1: 12).
وفي سفر الرؤيا نقرأ عن مناسبات كثيرة فيها يقدم التمجيد للمسيح.
فيقول الرائي عن المسيح: «له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين» (رؤيا1: 6).
ويقول أيضًا: «وَلَمَّا أَخَذَ السِّفْرَ خَرَّتِ الأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخاً أَمَامَ الْحَمَلِ، وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُوراً هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ. وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: «مُسْتَحِقٌّ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا لِلَّهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لِإِلَهِنَا مُلُوكاً وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ» (رؤيا 5: 8-10).
وليس المفديين وحدهم بل الملائكة جميعهم أيضًا، وكذلك كل الخليقة ستتحد في تسبيح المسيح فيقول الرائي: «وَنَظَرْتُ وَسَمِعْتُ صَوْتَ مَلاَئِكَةٍ كَثِيرِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ رَبَوَاتِ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفَ أُلُوفٍ، قَائِلِينَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْحَمَلُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ». وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَمَا عَلَى الْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً: «لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْحَمَلِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ» (رؤيا5: 11-13). والعبارة الأخيرة تعني أن التسبيح ذاته الذي يُقدَّم للجالس على العرش (أي الله) هو الذي يقدم للحمل (أي المسيح). فكيف يمكن أن يكون هذا إن لم يكن المسيح هو الله؟
ومرة أخرى نقرأ في رؤيا 7: 10 -17 «وَهُمْ يَصْرُخُونَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلِينَ: «الْخَلاَصُ لإِلَهِنَا الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْحَمَلِ». وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ كَانُوا وَاقِفِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالشُّيُوخِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَخَرُّوا أَمَامَ الْعَرْشِ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا لِلَّهِ قَائِلِينَ: «آمِينَ! الْبَرَكَةُ وَالْمَجْدُ وَالْحِكْمَةُ وَالشُّكْرُ وَالْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ لإِلَهِنَا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ» وَسَأَلَنِي وَاحِدٌ مِنَ الشُّيُوخِ: «هَؤُلاَءِ الْمُتَسَرْبِلُونَ بِالثِّيَابِ الْبِيضِ، مَنْ هُمْ وَمِنْ أَيْنَ أَتُوا؟» فَقُلْتُ لَهُ: «يَا سَيِّدُ أَنْتَ تَعْلَمُ». فَقَالَ لِي: «هَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ أَتُوا مِنَ الضِّيقَةِ الْعَظِيمَةِ، وَقَدْ غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوهَا فِي دَمِ الْحَمَلِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ هُمْ أَمَامَ عَرْشِ اللهِ وَيَخْدِمُونَهُ نَهَاراً وَلَيْلاً فِي هَيْكَلِهِ، وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ. لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ وَلاَ تَقَعُ عَلَيْهِمِ الشَّمْسُ وَلاَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرِّ، لأَنَّ الْحَمَلَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ».
نلاحظ في النص السابق أن العدد العاشر يذكر أن العرش هو عرش الله، إذ يقول في ع10 ”إلهنا الجالس على العرش“، لكن في ع17 يذكر أن الحمل هو الذي ”في وسط العرش“. مما يدل على أن المسيح (الحمل) ليس شخصًا آخر بخلاف الله.
وعن هذا الأمر أيضًا، نقرأ قول الرائي: «وَأَرَانِي نَهْراً صَافِياً مِنْ مَاءِ حَيَاةٍ لاَمِعاً كَبَلُّورٍ خَارِجاً مِنْ عَرْشِ اللهِ وَالْحَمَلِ» (رؤ22: 1). لاحظ أنه لا يوجد في السماء عرشان، بل عرش واحد، وهذا أمر مفهوم جيدا لكل إنسان عاقل يؤمن بوجود الله. وطبعًا لا يجلس على العرش الواحد شخصان مختلفان، بل شخص واحد، لأن الله واحد. وهو ما قاله المسيح لليهود «أنا والآب واحد» (يوحنا10: 30).
ونقرأ أيضًا: «وَعَرْشُ اللهِ وَالْحَمَلِ يَكُونُ فِيهَا، وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ» (رؤيا22: 3). ونلاحظ في الآية الأخيرة أنه لا يقول يخدمونهما، بل يخدمونه. قواعد اللغة ترجع الضمير إلى آخر اسم في الجملة، فإذا اتبعنا قواعد اللغة، فإن الخدمة تكون منسوبة للحمل، وفي هذه الحالة يكون ”الحمل“، أي الرب يسوع المسيح هو هدف العبادة، مما يدل على أنه الله، لأنه «للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد (أي تخدم)» (متى4: 6). ولكن الفهم الروحي يعيد الضمير في الجملة إلى ”الله والحمل“، وذلك لسبب بسيط قاله المسيح وذكرناه قبلا: «أنا والآب واحد». وفي الحالتين نصل إلى النتيجة نفسها أن المسيح هو الله؟
وأيضا نقرأ: «وَلَمْ أَرَ فِيهَا (أي في المدينة السماوية) هَيْكَلاً، لأَنَّ الرَّبَّ اللهَ الْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ هُوَ وَالْحَمَلُ هَيْكَلُهَا» (رؤيا21: 22)، ولا يقول إنهما هيكلاها، ومرة أخرى نقول إن هذا يدل على وحدة الجوهر بين الآب والابن، لأن الآب والابن واحد (يوحنا10: 30).