الأحد 15شباط2009

أحد الأبن الشاطر

يتميز تأريخ القديس لوقا الإنجيلي للبشارة الخلاصية عن باقي الإنجيليين بإراده لهذا المثل إضافة الى أشياء أخرى. كثيرون من المفسرين والشراح يعطون هذا النص طابع "سرّ التوبة" الذي هو من الأسرار الكنسية المحددة ويستندون في ذلك على صرخة الابن الضال أمام أبيه "لقد أخطأت الى السماء وإليك ولا أستحق بعد أن أدعى لك إبناً فعاملني كأحد أجرائك". ولكن النص هنا هو نص ليتورجي أيضاً يتكلم عن أسرار عديدة: عن سرّ التوبة أولاً، ثانياً عن سرّ المعمودية، ثالثاً عن سرّ الميرون، رابعاً عن سرّ الشكر، خامساً سرّ الكهنوت (أوامر الأب). وفي الكنيسة أيضاً القراءة الإنجيلية في صلاة الزواج إنما هي قراءة ليتورجية تخص سرّ الشكر. وفي الكنيسة قديماً فهم المؤمنون إرتباط سرّ الزواج بسرّ الشكر فاختاروا هذا النص وكانت الأعراس تتم في القداس الإلهي وليس كما في أيامنا هذه إذ يقيم المؤمنون زواجاتهم في غير رعاياهم.
النص إذاً مليء بغنى روحي وإنساني يمكن للإنسان الملتجئ الى كنف الله وحمايته أن يحافظ عليه فوجب التنبيه الى ذلك قبل الصوم الكبير ويخسر الإنسان هذا الغنى الروحي والهدوء النفسي والنعم المؤلِهة إذا ابتعد عن الله ومحبته وسماع كلمته. العيش مع الله وبحسب إرادته ورضاه يجعل هذه النعم والغنى في حال ازدياد مضطرد. وخاصة الحرية الشخصية التي هي هبة لنا من الله. وهذه الحريَّة كما تبيّن لنا من حالة الإبن الضال لها ثوابت وضوابط وليست مجرّدة فالله هو حريّتنا وحياتنا وطريقنا وقيامتنا والحق الذي ننشده دائماً.
العيش في كنف الله وعلى حسب دعة قلب الله يسمو بالإنسان الى عالم المحبّة ومنعطفاتها ويصبح رحيماً تواباً عطوفاً كسيده.
في تفاسير وترجمات عديدة يسمى هذا النص "إنجيل الإبن الشاطر" أي الذي شطر مال والده الى نصفين أو الذي شطر حياته عن حياة عائلته وغايرها نهائياً. وليس بالذكي الذي إستغلَّ طيبة قلب والده ومبادئه ليعيش على هواه حتى وصل الى درجة إشتهاء طعام الخنازير.
من لا يعيش مع الله لا يشطر فقط حياته عنه بل يشطر ذاته أيضاً ويقوي الصراع بين روحه الذي يطلب ما لله وجسده الذي يحارب روح

الله. ومع إمتداد مسيرة الخطيئة تتخلى الخطيئة عن الإنسان وتشمئزُّ منه وينزوي الروح جانباً ويقوى الجسد بشهواته وتقوى هذه عليه حتى تستهلكه إستهلاكاً شديداً ويخسر الإنسان كلَّ فرح حقيقي والمصيبة الكبرى إذا كان الإنسان عديم الإيمان ولا علاقة له بعالم الروح والوجود الإلهي وهنا الجحيم.
إن هذه القراءة تقودنا الى الحياة الكنسية وتقودنا الى التوبة بخطى ثابتة وتظهر لنا عظمة مفاعيلها، وتحررنا من قيود الهوان والعبوديّة وتطلقنا من جديد في عالم الفرح والسرور وقوّة الشخصيّة. تكلّم القديسون كثيراً عن التوبة ومفاعيلها وشروطها وعلومها. ليس هنا المجال أن نعدد ذلك. لكنها لازمة للجهاد الروحي. إذ للتوبة في الكنيسة الأرثوذكسية وجهان. وجه إيجابي يدفعنا دائماً لاكتساب المزيد ووجه سلبي يجعلنا نقرُّ بخطايانا وضعفاتنا. وبدون سرِّ التوبة والاعتراف لا يصحُّ الجهاد الروحي فلنخض أيها الإخوة بحارها فهي التي تبقي في ضمائرنا على الصوت النقي الطاهر.
والله القادر على كلِّ شيء يغفر لنا سيِّئاتنا ويقوي عزائمنا فلنصرخ نحوه مع بدء الصوم الكبير وخلاله قد أخطأنا إليك يا الله فاقبل توبتنا يا من قبلت توبة الإبن الضال. آمين.
باسيليوس
مطران عكار