الفصل الرابع - المجمع المسكوني الثالث
توفي اتيكوس أسقف القسطنطينية في خريف سنة 425. فأراد الإمبراطور أن يترشح لخلافته الراهب نسطوريوس رئيس أحد الأديار في أنطاكية, ولد نسطوريوس في ضواحي مرعش في الربع الأخيرمن القرن الرابع من أبوين سوريين وفارسيين. وهو ابن عم ثيودوريتس المؤرخ أسقف قورشدرس اليونانية ومبادئ العلوم في مرعش ثم انتقل إلى أنطاكية حيث أخذ العلوم الدينية عن ثيودوروس الموبسوستي. وقدم النذر في دير افبريبيوس في ضواحي أنطاكية. ثمسيم كاهناً على مذابح كنيسة أنطاكية وكلّف بتفسير الأسفار المقدسة لتفوقه في اللغةوالأسلوب ولجمال صوته. وشغر الكرسي القسطنطيني واشتد نشاط المرشحين وأصحاب المصالحفوقع اختيار السلطات على نسطوريوس، فقام إلى القسطنطينية في أوائل سنة428م
والدةالإله
كان الشقاق لا يزال مستحكماً في العاصمة بين أتباع آريوس وأتباعأبوليناريوس. وكان من الطبيعي أن يشترك في الجدل بين هذين المعسكرين بعض الكهنةوالشمامسة الأرثوذكسيين. ويستدل مما جاء في بعض المراجع الأولية، أن كاهنا أنطاكياًمن ناحية نسطوريوس يدعى انستاسيوس تدخل في الجدل القائم وقال أن مريم بشر وكبشر لايمكنها أن تلد إلهاً ولذا فإنه لا يجوز القول عنها أنها والدة الإله Theotokos. وتضيف هذه المراجع نفسها أن نسطوريوس أبى أن يلومانستاسيوس وأنه تحاشى هو بدوره استعمال التعبير "والدة الإله". وجاء في مخلفاتالمجمع المسكوني الثالث أن دوروثيوس أسقف مركيانوبوليس حرم استعمال الاصطلاح "والدةالإله" وأن نسطوريوس سكت عن هذا التحريم ولم يقطع دوروثيوس من الشركة.ورأى نسطوريوس أن هذا الاصطلاح لميرد في الأسفار المقدسة وأن الآباء لم يستعملوه في نيقية. وذكر القول النيقاوي "ابنالله تجسد من الروح القدس ومريم العذراء" فرأى في هذا اعترافاً بطبيعتين، طبيعة ابنالله المساوي للآب في الجوهر وطبيعة الإنسان المولود من العذراء. فرأى في الاصطلاح "والدة الإله" خلطاً بين اللاهوت والناسوت. واقترح القول "والدةالمسيح".
تعلم الكنيسة أن يسوع المسيح شخص واحد له طبيعيتين ومشيئتين وفعلين
يعلم نسطوريوس أن يسوع المسيح شخصين لهما طبيعتين وفعلين ومشيئتين
اللاهوتوالناسوت
علَّمت الكنيسة منذ البدء أن مخلصنا الوحيد إله كامل وإنسانكامل رب واحد لمجد الله الآب. فقام آريوس وأنكر على الكنيسة الاعتقاد بطبيعة لاهوتالكلمة المتأنس فعقدالمجمع المسكوني الأولوحكمت عليه وعلى تعليمه وقررت حقيقة كمال لاهوت المخلص. ثم قام أبوليناريوس وقال بنقص في طبيعة المسيح البشرية فعلَّم أن اللاهوت في المسيحقام مقام العقل في الإنسان. فعقدت الكنيسة المجمع المسكوني الثاني وحكمت علىأبوليناريوس وقررت حقيقة كمال ناسوت المخلص. ولكن الكنيسة لم تعيّن بعبارات محدودةمضبوطة وجه العلاقة بين الطبيعتين الإلهية والبشرية ووجه الإتحاد بين اللاهوتوالناسوت. فأدى هذا إلى تفاوت في فهم التعبير ونشأ عنه اختلاف في العليم وخصامونزاع أفضى إلى الانشقاق النسطوري والأوطيخي.رفض نسطوريوس تطبيق خصائص الطبيعتين على شخص واحد لانه – فيزعمه –يؤدي إلى القول بأن المسيح تألم ومات في الطبيعة الإلهية. يرى بعض مؤرخياللاهوت اليوم أن افكار نسطوريوس لم تكن خاطئة، وان خلافه مع كيرللس هو خلاف لفظي, وان ما رفضه مجمع افسس في البدعة النسطورية ليس تعاليم نسطوريوس شخصيا, بل التفسيرالذي أعطاه كيرللس لتلك التعاليم. من دون أن نهمل هذه النظرة نقول أن الأزمةالنسطورية أرغمت الكنيسة على حسم النزاع وتوضيح إيمانها بوحدة الشخص فيالمسيح[1]
نسطوريوسواكليروس القسطنطينية
ومع أن نسطوريوس كان أنطاكي المذهب فإن رهبانالكرسي القسطنطيني واكليروسه كانوا اسكندريين يعملون ضد آريوس والآريوسية. فلماقاوم نسطوريوس القول باتحاد الطبيعتين اتحاداً طبيعياً وجوهرياً ونهى عن تسميةالسيدة العذراء والدة الإله وقع تعليمه موقع الاستغراب في جميع الأوساط الأرثوذكسيةفي العاصمة. ثم وصمه المحامي افسابيوس بأتباع بولس السميساطي. واحتج الرهبان لديهفأمر بضربهم وحبسهم. فاضطر الشعب أن يلجأ إلى الإمبراطور. فعقد الأسقف مجمعاً 329وحرم جميع الذين لم يقبلوا تعليمه.

كيرللسونسطوريوس
ولم يلبث خبر نسطوريوس أن ظهر وشاع فانتشر بريده في الأنحاءووصل إلى الإسكندرية. وكان كيرللس قد خلف خاله ثيوفيلوس -ألد أعداء الذهبي الفم- فيكرسي الأسقفية (412). وورث عنه شيئاً من الحسد والمنافسة بين الإسكندريةوالقسطنطينية التي كانت قد دبت إلى الصدور بعد المجمع المسكوني الثاني عندما أصبحأسقف القسطنطينية الثاني بعد أسقف رومة في الكرامة. وإذا كان الحاسد يغتاظ على منلا ذنب له -الذهبي الفم- فكيف به والذنب -نسطوريوس- خرج على الدين القويم. وهكذافإن كيرللس تلكم في منشوره الفصحي سنة 429 في تعليم الكنيسة عن الطبيعتين وحاربتعليم نسطوريوس دون أن يذكر اسمه. ثم كتب إلى نسطوريوس يوضح الاصطلاح والدة الإلهويفسر أن هذا الاصطلاح لا يعني أن مبدأ اللاهوت منها وإنما أن المولود منها كانإلهاً كاملاً وإنساناً كاملاً. فأجابه نسطوريوس بعبارات مبهمة غامضة ولامه على جفافالعبارة وقلة المودة الأخوية. وعقد كيرللس مجمعاً محلياً وعرض عليه الرسائلالمتبادلة فاستصوب المجمع رأيه -القديس كيرللس- وحكم بصحته.
البنودالاثني عشر
وكان أسقف رومة قد أوجب على نسطوريوس إظهار إيمانه كتابة. فكتب كيرللس رسالة لنسطوريوس "يعلمه فيها كيف يجب أن يؤمن". وأضاف إليها اثني عشربنداً يشمل كل واحد منها على قضية وحرم ضد من يعلم غير ذلك وكلفه أن يوقع هذهالبنود! ووصل الوفد الإسكندري إلى العاصمة في السابع من كانون الأول وأمّوا دارالأسقفية في أثناء خدمة القداس الإلهي وطلبوا مواجهة نسطوريوس فأرجأ الأسقفالمقابلة إلى الغد. ولما اطلع على الرسالة والبنود رفض مقابلة الوفد الإسكندري ولكنه أخبر يوحنا أسقف أنطاكية بالبنود الاثنيعشر. وما أن اطلع هذا على نص البنود حتى وصمها بالأبولينارية وشجع علماء الكرسيالأنطاكي على دراستها والرد عليها. فكتب ثيودوريتس أسقف قورش اثني عشر فصلاً كماصنف مؤلفاً آخر في تجسد الكلمة. ووضع إيبا أسقف الرها دافع بها بها عن نسطوريوس. وألَّف اندراوس أسقف سميساط أيضاً كتاباً ضد كيرللس وبنوده. وهكذا فإن الاختلاف فيالاصطلاح واندفاع كل من نسطوريوس وكيرللس و"انتفاخهما" وتسرعهما قسم الكنيسة في ظرفسنوات ثلاث إلى شطرين رومة وآسية وأورشليم والإسكندرية من الجهة الواحدة وأنطاكيةونسطوريوس من الجهة الأخرى.
الدعوةإلى مجمع أفسس
واتصل نسطوريوس بالإمبراطور ثيودوسيوس الثانيوأطلعه على واقع الحال ورجاه أن يأمر بدعوة الأساقفةإلى مجمع مسكوني للنظر فيالقضية القائمة بينه وبين كيرللس. وكان ثيودوسيوس يعطف على أسقف عاصمته، فأمر في 19تشرين الثاني سنة 430 بدعوة جميع "مطارنة" الإمبراطورية إلى مجمع مسكوني يعقد يومعيد العنصرة في السابع من حزيران سنة 431. وشملت هذه الدعوة كيليستينوس أسقف رومةوكبار أساقفة الغرب.
في الثاني والعشرين من حزيران سنة 431 اجتمع في كنيسة السيدةفي أفسس مئة وخمسون أسقفاً برئاسة كيرللس أسقف الإسكندرية. فهرع ممثل الإمبراطور إلى هذه الكنيسة يؤكد أن الإمبراطور لا يرضى عن مجامع ناقصة ويرجو الانتظار ريثما يصلوفد أنطاكية. فامتنع الآباء عن الإصغاء وكادوا يطردون ممثل الإمبراطور من الكنيسة. فاضطر هذا الممثل أن يدون احتجاجه ويعلنه للجمهور.
ثم دُعي نسطوريوس إلى الحضور فلميحضر. فدعي ثانية وثالثة لم يحضر، فحكم عليه بالقطع ثم تليت رسائل كيرللس وبنودهالاثنا عشر ورسالة البابا كيليستينوس إلى نسطوريوس وأساقفة الشرق وقرار مجمع رومةالمحلي. فصدَّق المجمع على هذه كلها واعتبرها أرثوذكسية. وكتب كيرللس باسم المجمعإلى الإمبراطور وإلى إكليروس العاصمة وشعبها منبئاً بما تمَّ في أفسس. واحتجنسطوريوس وسبعة عشر من مؤيديه على خروج كيرللس ومجمعه على النظام ورفعوااحتجاجهم إلى الإمبراطور.
وفي الرابع والعشرين من حزيرانوصل يوحنا أسقف أنطاكية ووفد كنيسته. فأرسل المجمع من أفاد بقطع نسطوريوس. فأسفيوحنا واعتبر عمل المجمع ظاهرة من ظواهر الرعونة والاستبداد. ثم عقد يوحنا مجمعاًمؤلفاً من ثلاثة وأربعين أسقفاً حكم فيه بالقطع على كيرللس وممنون لظلمهما ولكونهماتصرفا خلافا للشرع الكنسي. وحكم أيضاً بمثل ذلك على سائر الأساقفة الذين قبلوا قرارالمجمع بدون فحص ولا تروٍ، إلى أن يجتمعوا ثانية ويلغوا ما قرروه ويحرموا بنودكيرللس الاثني عشر. وكتب يوحنا بهذا كله إلى الإمبراطور والمجلس الأعلى والإمبراطورةوالاكليروس والشعب..
البيلاجية
أدان المجمع أيضا البيلاجية التي انتشرت كرد على التعاليم الأوغسطينية.اغسطين كان قد اقتنع من حوادث حياته بأن قوى الإنسانالخاصة لا أهمية لها في الخلاص وأن نعمة الله وحدها توجهه إلى طريق الحقوتخلصه. بيلاجيوس أعطى كل الأهمية لقوى الإنسان وقال إن عمل النعمة المباشر علىقوى الإنسان هو بمثابة اغتصاب لحريته. الإنسان يولد بدون خطيئة وبالتالي لا داعيللمعمودية. إن تعليم اغسطين بالرغم من عدم صحته إلا أنه لا يقود إلى إنكارحقائق إيمانية كبيرة. أما تعليم بلاجيوس فيقود إلى إنكار الحاجة للفداء وبالتاليإنكار الحاجة للتجسد. فأدانه المجمع وحرم تعاليمه.
قال نسطوريوس بوجود اقنومين وطبيعتين وشخصين واقنوم اتحاد ورفض القول أن مريم هي والدة الإله (أم الله) وقال بالمشيئة الواحدة والفعل الواحد وحرص على تبرئة لاهوت الإبن من الأوصاف البشرية لدرجة أضعف معها الإتحاد جداً وبالمقابل قال المتصالحون( يوحنا أنطاكية وكيرللس الإسكندرية وجميع صحبهما) بأن يسوع واحد وأن الإتحاد صار من طبيعتين ويستعمل اللاهوتيون ثلاث طرق:
1- ينسبون اللاهوتيات إلى اللاهوت
2- ينسبون البشريات إلى الناسوت
3- ينسبونها جميعاً إلى شخص يسوع المسيح. لذلك فمريم هي أم الله بفضل وحدة يسوع [2]
هذا وإن بعض أساقفة أنطاكية أنشئوا حزباً نسطورياً وكان من أشهر من عزز النسطورية هو الأسقف توما برصوم أسقف مدينة نصيبين (في تركيا حالياً) الذي أنشأ مدرسة لاهوتية وتأسست الكنيسة الفارسية النسطورية سنة 499م ثم صارت تعرف باسم الكنيسة الآشورية وانشق عنها في القرن السابع عشر الكنيسة الكلدانية التي تبعت بابا روما ونبذت هرطقة نسطوريوس.


[1] عن نشرة رعيتي

[2] للمزيد راجع كتاب: سر التدبير الإلهي, اسبيرو جبور. ص 32-36