الفصل الخامس - المجمع المسكوني الرابع
بعد قانون الوحدة -الذي وضعه لاهوتيّون من الإسكندرية وأنطاكية- حصل اختلاف حول بعض التعابير الواردة فيه، وذلك أن ثمة بعضا من الاسكندرانيين المتشددين رفضوا الاصطلاحات الأنطاكية، ولاسيما اصطلاح "طبيعتين" الذي كان يوازي عندهم (الاسكندرانيين) لفظة( "اقنومين, شخصين"). وكانوا يفضلون عليها تعابير أخرى وردت عند كيرللس مثل عبارة "طبيعة واحدة" في قولته الشهيرة: "طبيعة واحدة للإله الكلمة المتجسد"، غير أنهم، احتراما لكيرللس،لم يجهروا بآرائهم قبل رقاده (+444). أبرز القائلين بـ"الطبيعة الواحدة" كان أُوطيخا، وهو رئيس دير في القسطنطينية يضم أكثر من 300 راهب، يدعمه ديوسقوروس بطريركالإسكندرية.
أوطيخة
اهتم أوطيخة للجدل بين كيرللس ونسطوريوس. وكان يكره نسطوريوس فقال قول كيرللس. غير انه سقط في المصيدة التي نصبها أبوليناريوس، إذ انه كان يقرأ تعاليم أبوليناريوس المزوّرة -التي استعملها كيرللس- ويعتبرها من الآباء الأولين. آمن أوطيخة بوجود طبيعتين للمسيح قبل التجسد (ربمايكون قد شايع اوريجنس الإسكندري في نظرية الوجود الأزلي للأرواح)، غير انه لم يعترف سوى بطبيعة واحدة بعد التجسد معتقدا بأن اللاهوت قد امتص الناسوت الذي ذاب في اللاهوت كما تذوب نقطة عسل عندما تسقط في محيط من الماء. إذ فقال أن الطبيعة الإنسانية في المسيح امتزجت بالطبيعة الإلهية حتى تلاشت فيها "تلاشي نقطة خمر وقعتفي بحر ماء". فالمسيح والحالة هذه أقنوم واحد وطبيعة واحدة. وراجت هذه التعاليم في القسطنطينية وخارجها، نظراً لروابط الصداقة التي كانت تربط أوطيخة بأصدقاء كيرللس وأتباعه ونظراً لبراعة أوطيخة في وضع الخطط ونصب المكايد. فإنه تودد إلى بعض الأساقفة والرهبان ليكيد لمن لم يقبل بآرائه
وفي السابع عشر من أيار سنة 451 صدرت عن بلاط مركيانوس دعوة إلى مجمع مسكوني رابع يفتتح في اليوم الأول من أيلول. ولبى هذه الدعوة خمس مئة أسقف وتلاقوا في القسطنطينية ليقوموا منها إلى نيقية في الموعد المعين. وقضت ظروف عسكرية بتأخر مركيانوس عن الحضور فتأجل انعقاد المجمع مدة وجيزة. وانتهز ديوسقوروس هذه الفرصة للدس والتخريب فسعى سعياً حثيثاً لقطع لاون أسقف رومة. ولكنه لم يلقَ آذاناً صاغية خارج أوساط الأساقفة المصريين. واُعترِف في هذه الآونة نفسها بمكسيموس أسقفاً على أنطاكية.ثم رغب مركيانوس أن تعقد جلسات المجمع في خلقيدونية لقربها من العاصمة. وأمر بإخراج رهبانها منها لتأمين السلام والصفاء، فاخرجوا. وبدأ المجمع المسكوني الرابع أعماله في الثامن من تشرين الأول سنة 451 في خلقيدونية.وأُلِّفت تمثل جميع الآراء في المجمع لتعد صورة اعتراف يبت في قضية الطبيعة الواحدة التي أثارها أوطيخة. فقامت هذه اللجنة بالمهمة الموكولة إليها خير قيام وتقدمت من المجمع في جلسته الخامسة بمشروع اعتراف هذا نصه:
إننا نعلّم جميعنا تعليماً واحداً تابعين الآباء القديسين. ونعترف بابن واحد هو نفسه ربنا يسوع المسيح. وهونفسه كامل بحسب اللاهوت وهو نفسه كامل بحسب الناسوت. إله حقيقي وإنسان حقيقي. وهونفسه من نفس واحدة وجسد واحد. مساوٍ للآب في جوهر اللاهوت. وهو نفسه مساوٍ لنا فيجوهر الناسوت مماثل لنا في كل شيء ماعدا الخطيئة. مولود من الآب قبل الدهور بحسب اللاهوت. وهو نفسه في آخر الأيام مولود من مريم العذراء والدة الإله بحسب الناسوت لأجلنا ولأجل خلاصنا. ومعروف هو نفسه مسيحاً وابناً وربّاً ووحيداً واحداً بطبيعتين بلا اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال من غير أن يُنفى فرق الطبائع بسبب الاتحاد بل إن خاصة كل واحدة من الطبيعتين ما زالت محفوظة تؤلفان كلتاهما شخصاً واحداً واقنوماً واحداً لا مقسوماً ولا مجزّءاً إلى شخصين بل هو ابن ووحيد واحد هو نفسه الله الكلمة الرب يسوع المسيح كما تنبأ عنه الأنبياء منذ البدء وكما علّمناالرب يسوع المسيح نفسه وكما سلّمنا دستور الآباء.
أوضح المجمع المسكوني الرابع العقيدة المستقيمة عن طريق استعمال عبارة "الطبيعتين" في المسيح، غير أن الكنائس الشرقية لم تجتمع كلها حول هذا التحديد،وذلك أن بعضا منها (السريانية والقبطية والارمنية) رفضته، ورأت في العبارة عودة إلى النسطورية. غير أن ثمة آراء كثيرة إيجابية اليوم بين صفوف رافضي مجمع خليقدونية،ترى أن الخلافات حول المجمع لفظية، وتدعو إلى قبوله عن طريق فهم قراراته على أنهاإعادة تأكيد لمقررات المجمع المسكوني الثالث. وبالبحث نجد أن حرم ديوسقوروس كان تسرعاً كبيراً لأن الأخير عاد عن دعمه لأوطيخة وتم اثبات أن الخلاف شخصي لا عقائدي حيث تمت تصفية حسابات شخصية [1]


[1] للمزيد راجع كتاب سر التدبير الإلهي لاسبيرو جبور ص 37