الفصل الثاني - المجمع المسكوني الأول
عكر الاضطهاد سلام الكنيسة في الإسكندرية. ففي السنة 306 صنف بطرس أسقفها رسالة في كيفية قبول الجاحدين فعارضهملاتيوس أسقف أسيوط "وخطابه سفه الرأي إلى المنابذة والخلاف مع أنه داجى الوثنيينوسجد لأصنامهم فيما قبل". ثم اشتدت وطأة الاضطهاد فتخفى بطرس فانطلق ملاتيوس يحرك قضية التوبة واجترأ على سيامة الكهنة ورجال الاكليروس في غياب الأساقفة وفي أبرشيات غير أبرشيته. فعنفه على عمله هذا أساقفة أربعة كانوا معتقلين يتوقعون الشهادة. وقطعه بطرس وحرمه. قم نال بطرس اكليل الشهادة في خريف 311. فخلفه أخيلاس بضعة أشهر ثم ألكسندروس. وحاول الاثنان معالجة قضية ملاتيوس فلم يفلحا. وتجرأ كاهن يدعى كولوثوس على سيامة الكهنة والشمامسة. وحلَّ الشقاق كنيسة مصر وتراشق الأساقفة الحرمان. ثم تجرأ كاهن آخر يدعى آريوس على أسقف الاسكندرية، فكانت مشادة أدت إلى شقاق عظيم في كنائس الشرق دام مدة طويلة. نكاد لا نعلم شيئاً عن آريوس قبل خروجه على الكسندروس أسقف الإسكندرية. وجلّ ما نعلمه هو، أنه ليبي المولد والمنشأ وأنه أَمَّ الإسكندرية وتعلّم فيها وشايع ملاتيوس لدى خروجه على بطرس. ثم تراجع فسيم شماساً. ثم انتقد رئيسه في أمر توبة الجاحدين فقطع. فالتجأ على أخيلاس فسامه كاهناً. ثم وثق فيه الكسندروس فجعله خادم كنيسة بفالكس. وكان آريوس فيما يظهرعالماً زاهداً متقشفاً يجيد الوعظ والإرشاد فالتف حوله عدد كبير من المؤمنين ولاسيما عذارى الإسكندرية اللواتي نذرن أنفسهن للعمل الصالح، فأصبحن فخر كنيسة مصروانضم إلى هؤلاء عدد كبير من رجال الاكليروس الذين وجدوا في وعظه غذاء للنفوس فآثروا الاصغاء إليه على الرغم من التخالف في التعليم بينه وبين الأسقف رئيس الكنيسة.ووافق آريوس لوقيانوس المعلم الأنطاكي وأخذ عنه. ولعله درس عليه، ولانعلم بالضبط وتمام الوضوح ما علّمه لوقيانوس. كما أنه لم يبقَ من تعاليم آريوس إلامقتطفات يسيرة جاءت في بعض "الردود" عليه! ولا سيما ما كتبه القديس اثناسيوس الكبيروما أورده القديس امبروسيوس. وما يجوز قوله عن مذهب آريوس أنه كان محاولة جديدة لتأكيد وحدانية الآب وتخفيض منزلة الابن والروح القدس.فالآب وحده في نظر آريوس استحق لقب الإله. أما الابن فإنه لم يكن سوى إله ثانوي مخلوق من العدم بإرادة الآب. بيد أنه تميز عن سائر المخلوقات في أنه كان صورة الآب في الجوهر وإرادته وقدرته ومجده. والثالوث في نظر آريوس ثلاثة في الأقنوم ولكنهم ليسوا واحداً إلا باتفاق المشيئات.ومما أخذه سوزومينس المؤرخ على آريوس أنه كان لسانياً منطقياً متطرفاً، جرّه تطرفه هذا إلى الوقوع في الخطأ.


إذن سبب انعقاد المجمع المسكوني الأول هو آريوس وآريوس علَّم أن الابن ليس بإله ولكنه مولود قبل الدهور ولكن ليس منذ الأزل بل في زمن ما وهو ليس من جوهر الآب وإنما حسب إرادته فأراد آريوس أن يقول لنا أن الابن مخلوق ولا وجود للثالوث القدوس فنحن لم نخلص فسقط سر التجسد والفداء.

نحن نعلم أن الثالوث القدوس عبارة عن ثلاثة أقانيم وكلمة أقنوم في اللغة اليونانية مرادفة لكلمة شخص أي ثلاثة أشخاص على الترتيب التالي: الآب – الابن – الروح القدس وقد أخذنا هذا الترتيب من كلام الرب نفسه لنا في آخر إنجيل متى: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت 19:28)


الآباء في المجمع استخدموا كلمة "HOMO-OUSIOS"، وتعني مساو في الجوهر وبتعبير أدق من له ذات الجوهر. أما آريوس فقد أصر على استخدام كلمة "HOMOI-OUSIOS"،والتي تعني مشابه في الجوهر..نلاحظ هنا أن الفرق في اللغة اليونانية هو حرف واحد ولكن المعنى مختلف بالكلية قد ألغى سر التجسد والفداء والخلاص لأنه إن كان ابن الله الوحيد مخلوق فباطل هو خلاصنا ولفهم هذا الأمر لا بد لنا من إدراك غاية الخلق الأساسية يقول القديس مكسيموس المعترف: "إن الله ينزل إلى العالم ويصير إنساناً والإنسان يرتفع نحو الملء الإلهي ويصير إلهاً لأن وحدة هاتين الطبيعة الإلهية والبشرية قد تقررت في مشيئة الله الأزلية كونها الغاية الأبعد التي من أجلها خلق العالم".


إصطلاح "هومووسيوس" (مساوٍ للآب في الجوهر) سبب جدلا كبيرا داخل المجمع وخارجه، لأن أصحاب الرأي المشؤوم ومَنْ انقاد الى ريائهم قالوا بأن العبارةغير كتابية، واتّهموا الآباء بالوقوع ببدعة صاباليوس (الذي اعتقد بإله واحد ذات أشكال ثلاثة)، وذلك لأن عبارة "هومووسيوس" – في العالم اليوناني – كانت تفيد "الكيان الواحد". الافلاطونية الحديثة والغنوصية (العرفانية) في القرن الثالث استعملتا اللفظة للدلالة على الكائن العاقل او الشخص. بيد أن آباء المجمع الذين دحضوا "شكلانية" صاباليوس (اي الاعتقاد بإله واحد ذات أشكال ثلاثة)، والذين هم، كمايقول القديس غريغوريوس النزينزي، من أتباع طريق الصيادين – الرسل- وليس طريقةالفلاسفة، سَمَوا فوق الفلسفة البشرية وجميع مناهجها، فعمّدوا لفظة هومووسيوس اي أنهم أعطوها معنى مسيحيا مؤكدين أنها وإن لم توجد حرفيا في الكتاب المقدس الا أنها مستوحاة معنويا منه. وقد ورد في مجموعة الشرع الكنسي (ص 45) أن القدس إيريناوس أسقف ليون استعمله اربع مرات، كما أن الشهيد بمفيليوس روى أن اوريجانس المعلم استعملهايضا بالمعنى ذاته الذي اراده له المجمع النيقاوي. مما قاله آباء المجمع:"بما أن الابن هو من جوهر الآب، فالابن إله كما أن الآب إله، وتاليا يجب القول إن المسيح هومن الجوهر الواحد مع الآب.


خلق الله الإنسان ووضعه في الفردوس ولكنه نهاه عن الأكل من الشجرة التي في وسطه فهو كان قد منحهما (آدم وحواء) شيئاً واحداً هو معرفة الخير وبالأكل من الشجرة سقطا وصار الشر يعُم الأرض ولكن الحاجة كانت إلى بار واحد ليفتدي الإنسانية بأسرها وباعتبار أنه ليس من إنسان لم يرث خطيئة الجدَّين فوجب على الإله لفائض محبته لخليقته التي ابتدعها أن يتنازل ويتجسد فآدم الجديد (المسيح) أتى ليحقق ما عجز عنه آدم القديم فحرَّرنا من خطيئة آدم القديم لنصير سائرين نحو هدف الخلق وهو أن نصير آلهة أي أن نمتلك الخلود.


انعقد المجمع في مدينة نيقية بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الكبير وحضره 318 أسقفاً يمثلون الكنيسة بأسرها وحكموا على ضلالة آريوس وقطعوه من الكنيسة وكتبوا الجزء الأول من دستور الإيمان إلى "المساوي للآب في الجوهر..."





مشكلة عيد الفصح
ثم نظر المجمع في أمر عيد الفصح. فإن كنيسة أنطاكية كانت تجاري اليهود في حسابهم لتعيين الرابع عشر من نيسان وبالتالي اليوم الذي يقع فيه عيدالفصح. وكانت السنة اليهودية تتألف من اثني عشر شهراً قمرياً في السنين البسيطة ومنثلاثة عشر شهراً في السنين الإضافية. وكانت سنتهم الإضافية تعود سبع مرات في مدة تسعة عشر عاماً. وكانوا يزيدون في هذه السنوات الإضافية "أمبوليسمية" شهراً آخرمؤلفاً من تسعة وعشرين يوماً يسمونه "وآذار" أي آذار الثاني لتقريب السنة القمريةمن السنة الشمسية. وكانت كنيسة الإسكندرية قد غضت النظر عن حساب اليهود واتخذت لنفسها قاعدة خاصة جعلت عيد الفصح يقع بعد أول بدر بعد اعتدال الربيع في الحاديوالعشرين من آذار. ونتج عن تشبث كل من الكنيستين الشرقيتين بطريقتها الخاصة فرق في موعد عيد الفصح. فقد يسبق عيد الفصح الأنطاكي العيد الاسكندري بشهر كامل. وبعد أن أصغى الجميع إلى حجج الفريقين أقروا بوجوب الاحتفال بهذا العيد العظيم في يوم واحد في جميع الكنائس وأوجبوا اتباع قاعدة الاسكندرية ورومة. وتم تعيين بطريرك الإسكندرية ليكون مسؤولا عن تحديد التاريخ وإعلانه لبقية البطاركة.

هنا يرى بعض المؤرخون أن تكليف كنيسة الإسكندرية بتحديد موعد عيد الفصح عائد إلى علو مرتبتها وتسلطها على باقي الكنائس. فيما يرى الآخرون "الموضوعيون" أن هذا الأمر كان عائد إلى أن الإسكندرية كانت عاصمة علم الفلك ولذلك تم تكليف كنيستها بهذا العمل وليس هونوعاً من التميز عن باقي الكراسي.


اولما يَلفت نظر الباحثين هو أن علامات الاضطهادات – التي هدأت – كانت ظاهرة جليا علىأجساد معظم الآباء الذين أتو من كنائس العالم ليشهدوا للمسيح الحي والغالب على الدوام. فأعضاؤهم المشوّهة او المبتورة وآثار الجروح والضرب والجلدات شهادة على أن الإيمان الحي الذي دونوه في نيقية كان محفوظا في قلوبهم وعقولهم ومكتوبا على صبرأجسادهم. ولا يخفى على احد أن هذه الآلام بقيت – وسوف تبقى – رفيقة القدّيسين الشاهدين، ولعل أبرز شهادة عليها هي أن الشماس اثناسيوس، الذي رافق الاسقفألكسندروس الاسكندري الى المجمع فكان بطل نيقية، نُفي بعد تَرأسه سدة البطريركية في الاسكندرية خمس مرات، وبقي خارج كنيسته ما يزيد على العشرين سنة.


وفي تعليقه على الآريوسية يقول القديس الصربي الكبير المعاصر يوستينيوس بوبوفيتش: "الآريوسية جهد يهدف إلى فرض طرائق الفلسفة ووسائلها بحسب الناس ظطرائق ووسائل لمعرفة المسيح والله وتهدف إلى طرح الفكر الساقط للإنسان كمعيار للعمل الإلهي الإنساني للمسيح يسوع الفاعل بالنعمة والاستعاضة عن شرائع الروح القدس بالمعايير العقلانية للفكر الأرسطوي. إن أرسطو كان أسقف الآريوسيين" وقال أيضاً: "إن الآريوسيين بعدما أنكروا الإله الكلمة صاروا هم بلا كلمة (كلمة alogon باليونانية أي الحيوانات غير الناطقة) وهم يدافعون عن كفر إبليس بما أنه أبوهم". [1]


ولن نتحدث بعد هذا السرد الطويل عن الحوادث والاضطرابات التاريخية التي تلت المجمع الأول ونفي الأساقفة الأرثوذكس والآريوسيين وإضطهاد الأرثوذكسيين منهم لئلا نطيل فنصير مجرد ذاكرين لتاريخ نرجو أن تمحيه الذاكرة.


[fieldset=المراجع]
[1] للإستزادة حول الموضوع راجع كتاب: الإنسانئيات الغربية وعصمة البابا, السقوط الكبير, للقديس يوستينيوس بوبوفيتش الصربي, ترجمة قدس الأرشمندريت توما (بيطار), منشورات عائلة الثالوث القدوس, ص8-9 ويتحدث القديس في ص 11 عن أن الآريوسية لا زالت موجودة حتى الآن فهي منتشرة في أوروبا المعاصرة أي ان آريوس ينجز عمله "الديانة في حدود العقل المحض" وحتى العلم الحديث لا يختلف عن نظرة الآريوسية للمسيح ومختلف شيع وفرق البروتستانتية وأتباعها هم حلفاء آريوس والبابوية وأخلاقياتها تنزع إلى الآريوسية من جهات عدة
[/fieldset]