النزاع الخريستولوجي بعد المجمع المسكوني الرابع
وفي السابع من شباط سنة 452 شرع مركيانوس بالتنفيذ. فأمر بتطبيق جميع مقررات المجمع الخلقيدوني ونهى عن التردد في قبولها وتطبيقها. ثم عاد فكرر هذه الأوامر في الثالث عشر من آذار من السنة نفسها. وفي الثامن والعشرين من تموز أعلن عدم الرضى الإمبراطوري على أوطيخة وأتباعه.
بلبلة في فلسطين:وكانت افذوكية أرملة ثيودوسيوس الثاني قد استقرت في فلسطين منذ سنة 442. بعد أن دب الخلاف بينها وبين بولخارية شقية زوجها زوجها أيضاً. وأنفقت بسخاء في سبيل الدين في فلسطين فاكتسبت عطف الرهبان وجمهور المؤمنين. وقالت افذوكية بالطبيعة الواحدة لأنها توهمت أن الإيمان الصحيح يقضي بذلك. ولأن بطانتها أكدت لها أن القول بالطبيعة الواحدة هو قول كيرلس الإسكندري. وارتاحت نفس الأمبراطورة
الأرملة إلى القول بالطبيعة الواحدة لأن بولخارية وزوجها مركيانوس قالا بالطبيعتين.
وكان قد أَمَّ فلسطين عدد كبير من النساك والرهبان الذين قالوا بالطبيعة الواحدة لأنهم توهموا أن في ذلك مجاراةلاعتقاد الآباء الأطهار وأن في القول بالطبيعتين خروجاً عن التقليد. وكثر عدد هؤلاءحتى أصبحوا في السنة 451 أكثرية ساحقة بين الرهبان وغدا معظم رؤساء الرهبان أمثال البذيوس وجيرونتيوس ورومانوس ومركيانوس من أقحاح الأوطيخيين. وجارى الرهبان فيقولهم هذا نصف الأحبار الأساقفة. واضطر يوبيناليوس أسقف أورشليم أن يصرح قبل قيامه إلى خلقيدونية في سنة 451: "إن من يؤيد طومس لاون أسقف رومة فليتبوأ مقعده بالقرب من سمعان الساحر ويهوذا الخائن وليختتن اختتان اليهود أنفسهم"!
ثيودوسيوس الراهب:وقدر لثيودوسيوس أحد هؤلاء الرهبان الفلسطينيين والموجودين في فلسطين أن يتزعم القول بالطبيعة الواحدة ويدافع عنه. ويستدل من بعض المراجع الأوليةأن ثيودوسيوس هذا كان مشاغباً من الطراز الأول وأنه كان يجمع في شخصه صفتين قلمااجتمعا في شخص واحد: الممالقة والوقاحة. وإن صلابة وجهه كانت قد دفعته للتواقح على ديوسقوروس في الإسكندرية فأمر به فجلد!. وتجسس على آباء خلقيدونية وعاد إلى أورشليم قبل أسقفه مدعياً أنهم خانوا كيرللس ووقفوا مع نسطوريوس وعاد يوبيناليوس إلى أورشليم فخيَّره الرهبان المعارضون بين الموافقة على موقفهم من المجمع الخلقيدوني وبين الاستقالة والعزل. فرفض يوبيناليوس فأحاط الرهبان به من كل جانب وهددوه بالقتل واغتالوا سويريانوس أسقف بيسان. وفرّ يوبيناليوس إلى القسطنطينية فسام بعض الأساقفةالمعارضين ثيودوسيوس أسقفاً على أورشليم. ورأى ثيودوسيوس وأعوانه أن لا بد من الاستغناء عن خدمات الأساقفة الأرثوذكسيين واستبدالهم بغيرهم ممن يقول بالطبيعةالواحدة. فأقاموا بطرس الكرجي أسقفاً على مايومة وثيودوتوس أسقفاً على يافة.
واهتم الإمبراطور مركيانوس للأمر فأنفذ القائد دوروثيوس إلى فلسطين على رأس قوة عسكرية للقضاء على المعارضة وإيصال يوبيناليوس إلى كرسيه في أورشليم. فقاوم ثيودوسيوس والرهبان ولجأوا إلى العنف فكانت معركة بالقرب من نابلس سقط فيها عدد كبير من الرهبان. وفرَّ ثيودوسيوس إلى سيناء،وكذلك بطرس الكرجي. ووقع ثيودوسيوس في أيد الشرطة ونقل إلى القسطنطينية وأكره على الإقامة في أحد أديارها. وما فتئ حتى توفي فيها في الثلاثين من كانون الأول سنة 457. ونقل رفاته إلى جزيرة قبرص.وظلت أفذوكية في أورشليم وتابعت نشاطها في المعارضة. وظل جمهور الرهبان ناقماً ساخطاً. فلجأ الإمبراطور إلى الطرقالسلمية وحرر هو والإمبراطورة إلى رهبان سيناء ورهبان أورشليم وإلى الراهبات في أورشليم والمجمع المقدس ناشدين السلم للكنيسة. وحذا حذوهما أسقف رومة لاون الكبيرفكتب إلى افذوكية يحضها على إنقاذ الرهبان من الضلال.
اضطراب في مصروأوعز مركيانوس بانتخاب خلف لديوسقوروس وأوصى ببروتيريوس وكيل ديوسقوروس في الإسكندرية فتم انتخابه وسلم العكاز واعتبر خليفة أرثوذكسياً لمرقصالإنجيلي. فثارت فتنة فتدخل الجند فأحرقوا أحياء. فمنعت الحكومة توزيع الحنطة وأقفلت الحمامات والملاهي.
وتوفي ديوسقوروس في الرابع منأيلول سنة 454 ولم تقع حوادث هامة. ولكن لما توفي مركيانوس في السادس والعشرين من كانون الثاني سنة 457 اعتبر تيموثاوس الهر نفسه مرسلاً من السماء ودعا إلى خلع بروتيريوس. وسيم أسقفاً وهجم مع عصاباته على بروتيريوس وقتله وعرض جثته ومثّل بها في الشوارع وأمر بجرها إلى محل سباق الخيل حيث أحرقت. وبعد ثبوته في الكرسي جمع مجمعاً وحرم المجمع المسكوني الرابع وقطع أساقفة رومة والقسطنطينية وأنطاكية.
في أنطاكيةوفي أنطاكية خلع مكسيموس في سنة 455 وخلفه باسيليوس الأول ثم أكاكيوس فمرتيريوس (458-471)وانتشر القول بالطبيعة الواحدة في وادي الفراتوسار على أفواه النساك والرهبان وملأ الأسماع وتولى زينون الأسوري قيادة الجيش في الشرق. فجاء أنطاكية يجر وراءه أخلاطاً من الناس بينهم راهب خلقيدوني قال بالطبيعةالواحدة وأبطل النذر يدعى بطرس القصار. وما كاد هذا القصار يستقر في أنطاكية حتى ألف عصبة من بقايا الأبوليناريين وهاجم مرتيريوس. فانطلق هذا إلى القسطنطينية يشكو زينون وصديقه القصار. فضغط زينون على بعض الأساقفة فساموا بطرس أسقفاً على أنطاكية وسلّموه عكاز الرعاية في سلفكية الساحلية. ولدى عودة مرتيريوس فائزاً بعطف الإمبراطور توارى القصار وبات ينتظر فرصة ثانية. ثم عاد إلى المشاغبة فيئس مرتيريوس واستقال فجلس القصار مرة ثانية على سدة الرسولين في أنطاكية. فغضب الإمبراطور لكرامته وكرامة القانون. فأصدر أمراً بإبعاد بطرس فابتعد فتبوأ يوليانوس الكرسي الرسولي.
وفي مطلع السنة 475 تغلب باسيليسكوس القائد على زينون واستوى على عرش القسطنطينية. وأصغى لأقوال الرهبان في مصر وآسية فأعاد تيموثاوس إلى سدة الإسكندرية وبطرس القصار إلى رئاسة أنطاكية. ثم أصدر برأيهما منشوره الشهير وأكره حمس مئة أسقف على تأييده. فأصبح القول بالطبيعة الواحدة قول الدولة والقول بالمجمع الخلقيدوني وطومس لاون قولاً منبوذاً. ولم يدم حكم باسيليسكوس أكثر من عشرين شهراً. وعاد زينون إلى سابق عزه 477 بمعونة الخلقيدونيين فاضطر أن يرضيهم فألغى شرائع باسيليسكوس وخلع بطرس القصار من كرسي أنطاكية وأجلس صديقه يوحنا الثاني. وكان هذا لا يزال قائماً في أنطاكية منذ سيامته لأن أبرشيته أبت أن تعترف برئاسته. وهو الذي قطع في سنة 478 بقرار مجمع روماني عقد برئاسة سيمبليكوس أسقف رومة. وفي هذه السنة نفسها عادت السلطة الزمنية فأقصت يوحناوأجلست اسطفانوس الثاني في كرسي الرئاسة (477-481). ولم يرضَ أتباع أوطيخة عنأرثوذكسية اسطفانوس فأوقعوا به وهو في طريقه إلى كنيسة الأربعين وذلك بشكه بالقصب الحاد الذرِب. فتدخلت العاصمة وانتقت كذلانذيون وسامته أسقفاً على أنطاكية وأرسلتهإليها (481-485)
بطرس القصاروعاد بطرس القصار إلى الكرسي للمرة الرابعة والأخيرة. وكان قد تولى الرئاسة في أثناء غياب مرتيريوس ثم بعد استقالته ثم في أثناء حكم باسيليكوس. ووقع بطرس كتاب الإتحاد ودعا المجمع الأنطاكي فأرسل رسائل سلامية ولاسيما إلى بطرس أسقف الإسكندرية. وحاول أن يرجع كنيسة قبرص إلى طاعة أنطاكية ولكنهلم يفلح.
وهو أول من أوجب تلاوة قانون الإيمان أثناء القداس الإلهي وأنشأ رتبة تكريس الماء ليلة عيد الظهور فضلاً عن تبريكه يوم العيد نفسه وأضاف إلى التريصاجيون العبارة: "يا من صلبت لأجلنا" كأن يقال: قدوس الله قدوس القوي قدوس الذي لا يموت الذي صلب من أجلناارحمنا.
ودخلت الكنيسة في دور من الفوضى كثرت فيه سيامة الأساقفة زوجاً زوجاً أرثوذكسيين ومونوفيسيين في وقت واحد. ومدت الأيدي إلى الكراسي لخلع هذا وتنصيب ذاك. وكان من أهم أسباب هذه الفوضى سعي الأباطرة لاسترضاء من قال بالطبيعة الواحدة في مصر وسورية لكثرة عددهم ولضعف هيبة السلطة إذ أحرجتها مشاغل أخرى. وظلت الحال على هذا المنوال حتى ظهرت كنائس مونوفيسية مستقلة في مصر وسورية وأرمينية.
ونتيجة للسياسات المتناقصة التي اتبعها أباطرة بيزنطية لمعالجة هذا النزاع ونتيجة للعوامل القومية تأسست الكنائس اللا خلقيدونية وهم:
1. الكنيسة السريانية: في سوريا وانشقوا عن الكنيسة الأرثوذكسية وسموا بالسريانية لأن غالبيتهم كانوا من السريان فصارت الكنيسة الأنطاكية كنيستين (خلقيدونية وغير خلقيدونية) وانشق عنها في عام 1662 م كنيسة السريان الكاثوليك التي تبعت البابوية
2. الكنيسة القبطية: انقسمت كنيسة الإسكندرية إلى كنيستين : خلقيدونية (ضئيلة العدد لأن غالبيتها من الأقلية اليونانية التي استوطنت مصر) و غير خلقيدونية (قبطية لأن معظم أعضاءها من الأقباط – أحفاد الفراعنة – الذين يشكلون غالبية سكان مصر) ونجح الكاثوليك في إعلان بطريركية للأقباط الكاثوليك سنة 1947م
3. الكنيسة الأرمنية: لم يرسل الأرمن مندوبين عنهم إلى مجمع خلقيدونية ولكن انتشرت الدعاية في أرمينيا ضد هذا المجمع مما ساهم في نبذه وتشكيل كنيسة أرمنية لهم حالياً بطريركان في القدس وأسطنبول وكاثوليكوس في أنطلياس – لبنان وآخر في اتشميازين – روسيا وسموا بالكنائس المونوفيزية أي أصحاب الطبيعة الواحدة

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس
المفضلات