الحلقة الثانية
ماذا تريد أن أفعل بك
وجاءوا إلى أريحا. وفيما هو خارج من أريحا مع تلاميذه وجمع غفير كان بارتيماوس الأعمى ابن تيماوس جالسا على الطريق يستعطي. فلما سمع أنه يسوع الناصري ابتدأ يصرخ ويقول: «يا يسوع ابن داود ارحمني!» فانتهره كثيرون ليسكت فصرخ أكثر كثيرا: «يا ابن داود ارحمني». فوقف يسوع وأمر أن ينادى. فنادوا الأعمى قائلين له: «ثق. قم. هوذا يناديك». فطرح رداءه وقام وجاء إلى يسوع. فسأله يسوع: «ماذا تريد أن أفعل بك؟» فقال له الأعمى: «يا سيدي أن أبصر». فقال له يسوع: «اذهب. إيمانك قد شفاك». فللوقت أبصر وتبع يسوع في الطريق
لهذا العمل الإلهي أهميته الخاصة، فقد تم في الطريق حيث كان السيد سائراً نحو الصليب والآلام، كأنه يراد أن يعلن أن غاية آلامه تفتيح عيني البشرية الداخليتين، أي بصيرتها القلبية.
كان الأعمى جالسًا على الطريق يستعطى. فطريق العالم كان سهلاً وأما طريق الرب فصعبٌ، لكن الأول يفقد النفس بصيرتها وحيويتها فيجعلها خاملة بلا عمل، تجلس في خيبة أمل تستعطي الآخرين.
كانت صرخات الأعمى: "يا يسوع ابن داود" تعلن إيمانه به أنه المسيا المنتظر الموعود الذي تترقبه الأجيال. يقول القديس كيرلس الكبير: [إذ تربى في اليهودية، وكان بحسب الميلاد من هذا الجنس لم تهرب من معرفته النبوات الواردة في الناموس والأنبياء بخصوص المسيح. لقد سمعهم يسبحون هذه العبارة من المزامير "أقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه، من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك" (مز 132: 11).وعرف أيضًا أن إشعياء النبي قال: "ويخرج قضيب من جزع يسى وينبت (يزهر) غصن من أصوله" (إش 11: 1)، وأيضًا قال "ها العذراء تحبل وتلد ابنًا، وتدعو اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا" (إش 7: 14؛ مت 1: 23).فإنه إذ آمن أن الكلمة بكونه الله تنازل بإرادته ليولد حسب الجسد من عذراء مقدسة، اقترب منه كما من الله، وقال له "ارحمني يا ابن داود"... لقد شهد أيضًا لمجده بسؤاله عملاً لا يقوم به غير الله وحده]
كانت الجموع تحيط بالسيد وتزحمه جسديًا، وعندما أراد الأعمى أن يلتقي به لم يجد من الجموع إلا المقاومة، إذ قيل: "فانتهره كثيرون ليسكت"، وأمام هذه المقاومة: "صرخ أكثر فأكثر"، من واعز إيمانه الذي لا يُغلب. فكم من البشر اليوم ينتهرون الصارخ إلى الرب لكي يسكت، ينتهرون العطشان إلى الرب لكي يصمت ويتهمونه بالتزمت والتعصب أو بالتخلف والحماقة.حتى في داخل الكنيسة حينما يود إنسان أن يلتقي بالسيد خلال الروح قد يجد مقاومة وروح النقد تثبط الهمم، لكن النفس التي تتمسك بالإيمان الحيّ تشعر باحتياجها للمخلص، فتزيدها المقاومة صلابة، ويزداد صراخها الداخلي أكثر فأكثر، فيكرمها السيد بدعوتها أن تقترب منه وتتمتع بحضرته كما بعمله الداخلي فيها. يقول القديس كيرلس الكبير:[لتفهموا من هذا يا أحبائي أن الإيمان يدخل بنا إلى حضرة المسيح، ويقدمنا إلى الله (الآب) فنُحسب مستحقين لكلماته]
ومع أمر السيد أن يُنادى، تحولت القوى المقاومة إلى قوة عاملة، إذ نادوه قائلين: ثق، قم، هوذا يناديك.
إن كانت هذه الجموع تشير أيضًا بطريقة ما إلى الجسد الذي كثيرًا ما يقاوم النفس حين تود الالتقاء مع مخلصها ببث روح الخمول والتراخي، لكن النفس المثابرة تستعطف المخلص فيحول الجسد إلى آلات برّ تعين النفس في لقائها مع الرب. لهذا يقول القديس يوحنا سابا: [يتنعم الجسد والنفس معًا في الرب بالمحبة والفرح]
طرح الأعمى رداءه وقام وجاء إلى يسوع. إنه عمل يومي فيه يطرح المؤمن أعمال الإنسان القديم كالرداء، ويتمتع بالقيامة مع السيد ليكون دومًا معه وفي حضرته.
سأله السيد: ماذا تريد أن أفعل بك؟ ليس من عدم معرفة بما يريد بارتيماوس، إنما لكي يعلن إيمانه أمام الجميع، وليؤكد أنه يعطي من يسألونه.وكما يقول القديس جيروم [أنتم أيضًا تستردون بصيرتكم أن صرختم إليه وطرحتم رداءكم القذر عنكم عند دعوته لكم... دعوه يلمس جراحكم ويمر بيديه على أعينكم، فإن كنتم قد وُلدتم عميان من البطن، وإن كانت أمهاتكم قد حبلت بكم بالخطية فهو يغسلكم بالزوفا فتطهرون، يغسلكم فتصيرون أبيض من الثلج (مز 51: 5، 7).]
سؤال السيد لكل واحد منا : ماذا تريد أن افعل لك ؟
قبل هذه الحادثة ذكر الإنجيلي مرقس كيف طلب يوحنا ويعقوب من السيد أن يجلس واحد عن يمينه والآخر عن يساره، والشاب الغني الذي آلمه كثيراً أن يوزع ما يملكه على الفقراء ويأتي ليتبع يسوع ويعيش حياة الفقر التي يحياها.
الرب لا يخترق حياة أحد عنوة ولا رغماً عنه، أما أنك تعرف ما يمكنه أن يفعل وهو القادر على أيّ شيء فالمهم هو سؤالك له عما تريد أن يفعل لك. كثيرون لا زالوا يسألون الرب عن التوفيق في أعمالهم، النجاح في امتحاناتهم وصفوفهم، الربح في صفقاتهم أو تجارتهم، الصحة والعافية والعمر الطويل !! وأما الحاجة فهي لسؤاله عن أمر واحد " يا ابن داود ارحمني ".
الرب عالم بما تحتاجه ، وهو الذي يرعى كل الكائنات ويقدم لكل حيّ ما يحتاجه " أفلستم أنتم بالحريّ أفضل منها " . فأطرح عنك كل الاهتمامات الدنيوية كونك مزمعاً أن تستقبل ملك الكل ...
يتبع ...

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس
المفضلات