[align=center]
الصوم في المسيحية
[/align]

الصوم عند آباء الكنيسة وفي التراث العربي المسيحي



د. جريس سعد خوري


[frame="1 95"] الجزء الثاني[/frame][frame="1 95"]
كما ذكرت سابقا لا نجد في العهد الجديد أية إشارة على ان الصوم "فريضة" بل كل الآيات التي ذكرته تؤكد على ضرورته وأهميته في حياة المسيحيين.

واذا نظرنا الى تاريخ الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى نجد ان الصوم الأربعيني لم يكن معروفا، والصوم الذي مورس دعي بالصوم الفصحي.

ولكن من كتابات عدد من مؤرخي الكنيسة، نفهم ان عادة الصوم كانت متبعة عند الموعوظين وهم الذين كانوا يستعدون للمعمودية المقدسة بسماع الوعظ والارشاد والتعلم عن العقائد المسيحية وكان يستمر تحضيرهم لمدة ثلاث سنوات ومن بعدها يقضون خمسين يوما عند الأسقف للتعلم وللاستعداد لعمادهم حتى يوم سبت النور. وهناك إجماع على ان هؤلاء الموعوظين هم الذين بدأوا بالصوم لينقطعوا عن خبز الأرض استعداداً لقبول خبز السماء الذي هو كلمة الله. وكان الموعوظون الذين تعمدوا من قبل، يتضامنون بالصوم مع الذين يتحضرون للعماد فرحاً وابتهاجاً لدخولهم كنيسة المسيح. وهكذا انتشرت عادة الصوم ورتبتها الكنيسة فيما بعد، علما أن تقاليد الصوم تختلف من كنيسة الى كنيسة، واختلفت من مكان لآخر، ويوجد هناك أكثر من صوم في المسيحية حسب ما سنرى لاحقاً.

ومن الأهمية بمكان التنويه أولا الى ما ذكره اسابيوس القيصري من مؤرخي القرن الرابع، في اختلاف المسيحيين في العصور الأولى حول اليوم الذي ينتهي به الصوم المقدس ويقول: "ان جميع أبرشيات آسيا اعتقدت - بناء على تقليد قديم – ان اليوم الرابع عشر القمري، وهو اليوم الذي أمر فيه اليهود ان يذبحوا خروف الفصح، هو الذي يجب ان يحفظ كعيد فصح مخلصنا. لذلك كان يجب ان ينتهي صومهم في ذلك اليوم، بغض النظر عن وقوعه في أي يوم من الاسبوع. ولكن لم تجر العادة في سائر كنائس العالم انهاء الصوم في ذلك الوقت، لانه جرت عادتهم، التي تسلموها من التقليد الرسولي، ان لا ينهوا صومهم في أي يوم آخر سوى يوم قيامة مخلصنا" (22) ويتابع أسابيوس قائلاً ان عددا من الاساقفة لم يقبل موقف رئيس كنيسة روما البابا فكتور الذي أراد ان يحرم كنائس آسيا بسبب موقفهم هذا، وكان من بينهم ايريناوس الذي بعث اليه برسالة يستشف منها ان الصوم كان يشمل الأيام الأخيرة من جمعة الآلام، ويقول: "ان النزاع ليس محصوراً في يوم الفصح فقط، بل يتعلق أيضاً بطريقة الصوم. فالبعض يظنون انهم يجب ان يصوموا يوماً واحداً وغيرهم يومين وغيرهم أكثر... وهذا الاختلاف في حفظ الصوم لم ينشأ في أيامنا، بل في أيام آبائنا... ومع ذلك فقد عاش جميع هؤلاء بسلام... وعدم الاتفاق في الصوم يؤيد الاتفاق في الإيمان." (23)

أما القديس ترتليانس يذكر انه لا يعرف صوما فرضته الكنيسة غير يوم عيد الفصح، والفصح هنا يعني الجمعة العظيمة: "كانت كنيسة روما تصوم الصوم الكامل يومي الجمعة والسبت العظيمين" (24)، وذلك تبعاً لأمر الرب "ستأتي أيام يرفع فيها العريس عنهم، فحينئذ يصومون في تلك الأيام." (25) وفي موقع آخر يذكر ترتليانوس: "كانوا يصومون بعض الصوم يوم الأربعاء والجمعة من كل أسبوع مكتفين بالخبز والماء فقط".(26)

والقديس ديونيسيوس الاسكندري (+264) يقول أن "الصوم كان في كل أيام أسبوع الآلام."(27) وفي كتاب "الديداسكالي" نقرأ: "الصوم هو من اليوم العاشر من القمر الذي هو الاثنين من الساعة التاسعة الى الخميس تصومون ولا تتناولون سوى الخبز والملح والماء، والجمعة والسبت تنقطعون بتاتاً عن الطعام ولا تتناولون شيئاً".(28) وفي مجلدات آباء الكنيسة نقرأ لديونيسيوس ايضا: "كان الصوم في الاسكندرية لا يتجاوز الاسبوع وهي عادة قديمة والاختلاف فيها كثير. فمنهم من صام يومين متواصلين ومنهم ثلاثة ومنهم أربعة ومنهم من اذا لم يصم الأربعة الأيام الأولى طوى يومي الجمعة والسبت العظيمين صائماً."(29)

نستنج مما سبق انه حتى النصف الثاني من القرن الثالث لم يكن يمتد الصوم إلاّ الي يومين أو الى ستة أيام. أما في القرن الرابع نرى ان القانون الخامس من المجمع النيقاوي يتكلم او يذكر "الأربعينية": "يعقد المجمع المحلي قبل الاربعينية والثاني إبان فصل الخريف." (30) وقد اختلف بعض المفسرين او المؤرخين ومنهم "سلا قيل" "لكلمة الاربعينية" وقالوا انها تشير الى عيد الصعود كما تدل كلمة "الخمسينية" على عيد العنصرة أي بعد خمسين يوماً من القيامة. كما واعتبرت "الاربعينية" من البعض وقت استعداد للعماد او لحل التائبين. ولكن من المؤكد أن "الصوم" ذكر في مجمع نيقيا بحيث نجد ذكراً للصوم بعد المجمع عند عدد من آباء الكنيسة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فان القديس يوحنا الذهبي الفم (387م) يشير في مواعظه الى الصوم الأربعيني. والقديس كيرلس الأورشليمي (348) يتكلم عن الصوم الأربعيني؛ والسائحة إيثريا (385 وَ 396) تتكلم عن الصوم الأربعيني أيضاً. أما في الاسكندرية فالقديس اثناسيوس ( 330) يخبرنا على انه في كنيسة الاسكندرية "لم يكن الاّ الصوم الفصحي، ثم أضيف اليه الصوم الأربعيني ولكن لم يلتزم به الكثيرون. ولكن بعد عام 340م أوعز اثناسيوس الى الأساقفة أن يأمروا الكنائس بالصوم الأربعيني، ولم تتجاوز مدة الصوم ستة أسابيع". (31) وفي روما نستنتج من روايات بعض الكتاب والمؤرخين انه كان الصوم الأربعيني بشكل مؤكد في العام 340م، وأنه كانت مدة الصوم في روما في القرن الخامس ستة أسابيع ولم يصوموا يوم الأحد فقط. لذا كان عدد أيام الصوم عندهم ستة وثلاثون يوماً. ومن المؤكد أنه كانت أكثر الكنائس تصوم منذ القرن الخامس ستة وثلاثون يوماً ولا تبيح إلا بأكل وجبة واحدة في النهار؛ وبعد القرن السابع جعلوا الصوم أربعين يوما اقتداء بصوم المسيح.
وتجدر بنا الإشارة هنا التنويه إلى نقطة مهمة ألا وهي انه إضافة إلى ما ذكر عن الصوم في كتب مؤرخي الكنيسة في القرون الأولى وما ذكرهآباء الكنيسة، هناك إشارات مهمة وتأكيد على الصوم في عدة مراجع لمؤرخين مسلمين في العصور الوسطى. وبما اننا في زمن الصوم المبارك، زمن التوبة والمحبة والاحترام المتبادل والمصالحة، اريد ان أؤكد على ان اهتمام المسلمين بالصوم وبتقاليده وبالعادات التي اتبعها المسيحيون في أعيادهم أمرا يساهم كثيرا في عيشنا المشترك كإخوة مؤمنين باله واحد وكعامل لتعميق الأخوة الإسلامية المسيحية في بلادنا وفي شرقنا. اذكر هنا بعضهم على سبيل المثال لا الحصر كابن خلدون الذي قال: "شرّع المسيح الشرائع من الصلاة والصوم وسائر القرُبات وحلل وحرّم وأُنزل عليه الإنجيل...".وقد ذكر القلقشندي: "الفصح وهو العيد الكبير عندهم يعملونه يوم الفطر من صومهم الأكبر...".وفي كتاب المسعودي "التنبيه والإشراف" نقرا : "وال***** تصوم الأربعاء لأن يشوع ولد فيها والجمعة لأنه صلب فيه عندهم تطوعا لا فريضة..." . ونجد تحديدا لصوم المسيحيين في تاريخ ابن الوردي بحيث يقول: "صوم ال***** تسعة وأربعون يوما أولها يوم الاثنين... وفطرهم يكون يوم الأحد الخمسين من هذا الصوم".(32) كما ونرى في بعض كتاباتهم تحديدا لصوم المسيحيين وعلى سبيل المثال يذكر الهاشمي (المسلم) الى الكندي (المسيحي) التالي: "ورأيت أيضا ما يتدبر به الرهبان في قلاليهم (معابدهم) أيام صياماتهم الستة أعني الأربعة الكبار والاثنين الصغيرين". (33)
[/frame]