2. شفاء النسيان
تذكر رواية التكوين وبدقة متعمَّدة شجرة معرفة الخير والشر، التي نُهيَ عنها آدمَ، وتروي أنها كانت في "وسط" الفردوس: "وجعل الله الشجرة في وسط الفردوس". وهذا يعني تماماً أن دورها كان "التذكير" بالوصية الإلهية والعهد الفردوسي. هكذا كانت الشجرة في "وسط" حياة آدم أينما التفت أو انتقل كانت تجرِّبه وتضعه في الخيار، أن ينظر بشهوة إليها أو أن يتذّكر بها الوصية والربّ. بهذا المعنى يمتلئ الكتاب المقدس بآيات وأحداث تريد أن تظهر رغبة الله أن يكون في "وسط الحياة": "أنا أكون في وسطهم وهم يكونون لي شعباً"ً. وتمتلئ قراءات الأسبوع لمرفع الجبن (الأسبوع قبل الصيام) بهذه المعاني. فالصوم هو أداة تجعل الله يتوسّط حياتنا. إن "الجوع" هو طعمُ المائدة التي نتعشّاها مع الربّ: "ها أنذا واقف على الباب على الباب أقرع فمن يسمع صوتي ويفتح لي أدخل إليه وأتعشّى معه" [32]. الجوع هو مذاق العشاء الإفخارستي مع الله. أو بكلمة أخرى إن اختبار الجوع، أو قليلاً من الجوع، يجعل كل طعام ذا مذاق إفخارستي ويتوسطه الربّ.أغلب الفضائل المسيحية كالصلاة والإحسان والسجدات تحتاج إلى زاوية خاصة وزمنٍ خاصٍ لممارستها، خاصة لدى المبتدئين؛ إلاّ الصوم، فيمكنه بدون كل ما سبق أن يكون وسط حياتنا. لا يمكننا مثلاً الدراسة والإحسان أو الصلاة في الوقت ذاته! لكننا نستطيع أن نقوم بأي عمل ونحن صائمون. إن الصوم هو صلاة في الجسد بل هو صلاة الجسد. الصوم هو منبّه دائم داخلنا خفي غير منظور يرافقنا كل لحظة ويقول "الله هنا"، أو بالأحرى: "الله معنا" يتعشّى وإيانا هذا الطعام بالطعم الجديد- بالصوم.وعندما يتوسط الله حياتنا بواسطة هذه الممارسة الرائعة، عندها نكون في يقظة! "اسهروا وتيقظّوا إبليس خصمكم كأسدٍ زائر يجول ملتمساً من يبتلعه" [33]، هذه اليقظة تنقذنا من "النسيان".أغلب المسيحيين يؤمنون بالله، وأيضاً يحبونه. ويحبون تطبيق الوصايا والصلاة وأعمال الفضيلة، لكن لو سألنا ذواتنا لماذا لا نقوم بكل ما نحبه ونخطط له؟ لوجدنا أن الجواب هو "نسينا". هذا هو عدو المؤمن "النسيان". يقول المثل الرهباني أن الشيطان لا يقول لأحد لا تعمل عملاً خيراً وفاضلاً لأن ذلك يُعادي الضمير، ولكنه يقول له "أجلّه للغد". لا يقول لنا: لا تصلي بل صلي بعد قليل. لا يقول لنا لا تساعد بل ساعد مرة أخرى...وهكذا! إن أسهل وأفتك سلاح يعمل يستغلّه الشيطان ليُبطِل فضيلة الإنسان هو "النسيان". لو قال لنا الشيطان لا تصلي لأوقظ فينا ضرورة الصلاة. ولكنه يقول لنا صلي غداً فيأخذنا بالنسيان وليس بالجهل، لأنه لا يوجد مؤمن يجهل أهمية الصلاة. لكن المؤمنين الذين يجهلون خدعة النسيان هم كثرٌ جداً. إن الكثير مما ينقصنا في جهادنا الروحي لم ينقص بسبب قناعاتنا السلبية تجاهه، ولكن غالباً بسبب مرور الوقت دون أن نخصص له حقَّه منه، إنه النسيان عدّو الإيمان اليوم. والنسيانُ عادة كلَّما كرّرناها تفاحشت، وهذه العادة يقتلها الصوم. الصوم ممارسة سهلة تضعنا في "اليقظة". يؤهِّلنا الصوم لكلمات داؤود النبي "جعلت الربَّ أمامي كل حين". وهذا ممكن أحياناً بالصلاة وممكن دائماً ما دام الصوم.لا شيء يحجب الله عنا ويخرجه من وسط حياتنا كالنسيان. وللنسيان أسبابه، أهمها تعلقنا بالدنيويات أولاً، "لأنه حيث كنـزك هناك يكون قلبك". وثانياً انشغالنا الزائد بالخبز غير الجوهري على حساب الجوهري، فيصير خبزُ كفايتِنا غايتَنا وننسى خبز الحياة. يعيدنا الصوم إلى هذه الحضرة أمام الله، أو يجعل حضرة الله في القليل من الجوع ترافقنا. "بمجرّد أن يبدأ الإنسان بالصوم، يتشوّق العقل لعشرة الله" (اسحق السرياني). ينصح اسحق السرياني بالصوم الدائم وضبط الذات في مكان واحد (عدم التشتت بالاهتمامات العديدة)، وينجم عن ذلك كما يقول الأمور التالية: إخضاع الحواس وضبطها، يقظة الذهن وتذكر الله، وداعة الأفكار واستئناس الأهواء الشرسة، استنارة حركات الذهن، التأملات السامية، الدموع المدرارة، ذكر الموت، والعفة. عكس النسيان، أي طرد الله من وسط الحياة، هو الصوم الذي يجعلنا "نعاين الله". ترتيب الأصوام بالأساس في الأديان كان استعداداً لملاقاة الإنسان بالله. وهذا ما تشدّد عليه حوادث الكتاب المقدس. لقد صعد موسى لملاقاة الله، ولهذا صام قبل ذلك، وهكذا إيليا. فالصوم مرتبط مباشرة بلقاء الله، كتهيئة له. "إن إيليا لما تنقّى بالصيام شاهد الله عياناً في طور حوريب، فلنطهّرنَّ ونحن أيضاً القلب بالصيام وسنعاين المسيح إلهنا". هكذا بالصوم ندخل إلى معاينة الله، أي إلى "حياتنا المستترة بالله". بحسب غريغوريوس اللاهوتي كانت الشجرة هي رؤية الله، أي أن الله هيأ لآدم في وسط الفردوس (وسط الحياة) أن يهتم في ذهنه بالبحث عن الله وتمجيده وهذا هو النعيم الحقيقي. تشدّد قراءات أسبوع مرفع الجبن (الأسبوع قبل الصوم) على رؤية الله وتربط ذلك بالصوم كطريقة (قراءة الساعة السادسة- يوم الجمعة): "ها أنذا أخلص شعبي... وأقتادهم وأسكن في وسطهم ويكونون لي شعباً وأكون لهم إلهاً..." [34]. ونبوءة مساء الجمعة: "هذه الأقوال يقولها الربّ الضابط الكل، الرابعُ صوم... فلننطلق سائرين لنطلب وجه الربّ الضابط الكل ونبتغي وجهه في أورشليم..." [35]. يقودنا إذن الصوم إلى الحضرة الإلهية وإلى المثول أمامه، فيغدو صلاةً. يرتبط الصوم بالصلاة، وهو بمثابة الجمر في المبخرة كما الصلاة بمثابة حبات البخور، فإذا ما اجتمعا رُفعتْ لله رائحةُ طيب زكية، عبادة تسبيح. يخلصنا هكذا الصوم من النسيان عندما تصير الحياة وقفة في حضرة الله، أي صلاةً.
3. شفاء الكسل
الصوم حطب لنار الروح، "أعطِ دماً وخذ روحاً". إن رياضة الصوم تجعلنا دائماً منتصبين وجاهزين. وإن هذه الأتعاب هي التي تحفظنا متقبِّلين لسكب النعمة الإلهية. إذا ما نظرنا إلى هذا الجهاد الروحي (الصوم) سلبياً قد يتراءى لنا كحرب ضد الجسد، وهكذا يفهمه البعض، ولكن إذا ما عرفنا معناه إيجابياً كسعي إلى النور ومحاولة لتلقّي النعمة، آنذاك يصير الصوم رياضة روحية محبوبة.يشدّد أدبنا الروحي الشرقي على ضرورة الأتعاب، وذلك التزاماً بوصية السيد "ملكوت الله يُغتصب اغتصاباً" و"ادخلوا من الباب الضيق". إن الكسل عكس التغصّب. الكسل هو مظهر للأنانية المتخفيّة، إن غصب الذات هو نوع من إنكار لراحتها. وهذا يتم عندما نعرف أن الراحة لا تأتي من الاستراحة. في جواب يسوع على إعلان اليهود أن الله استراح (توقف عن العمل) في اليوم السابع (يوم الراحة) قال: "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل". يقول اسحق السرياني "أحب التعب" و"رائحة عرق السجدات أطيب لدى الله من رائحة البخّور". إن الاستسلام لأية رغبة يحرمنا من قوة الإرادة، وغياب الجهاد يحرمنا من النعمة. بالطبع للصوم وجه هو تقوية الإرادة. ولقد مارس كثيرون الصوم لهذه الغاية، لكن الصوم مسيحياً لا يبتغي الإرادة القوية وحسب بل والصالحة. يهذّب إذن الصوم الإرادة فتغتصب ما تريد بدل أن تعمل ما لا تريده. إن ملكوت الله يُغتصبُ اغتصاباً" [36]. "حينما ينحّط الجسد بالصوم تتشدّد النفس روحياً في الصلاة" (اسحق السرياني). لهذا يقول بولس واصفاً جهاداته وأصوامه: "فإن كان إنساننا الخارجي (الجسد) يموت فإن إنساننا الداخلي (الروح) يتجدّد" [37]. لكن هذا "الغصب" للجسد ليس حرباً على الجسد بل تهذيب له. لأننا نقتل الأهواء وليس الأجساد [38].

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس

المفضلات