مواهب الييروندا
لم تكن موهبة الييروندا الرئيسية في الرؤى المستقبلية، بل في الصلاة والدموع. وفي النهاية يبقى الله وحدُه هو الحاكم في شؤون الآباء الروحانيين الكبار. هناك عدة قصص تُروى عن رؤيوية الييروندا. حيناً ما كان الإخوة جالسين الى مائدة الطعام، مستضيفين أحد الرهبان الزوّار. إلتفت الييروندا نحو الراهب الضيف وقال له وهو يهزّ الرأس ملمّحاً: "عقبال الأعلى! عقبال الأعلى!" ثم راح يحرّك طرف كفّه الأيمن بشكل صليب على صدره قائلاً: "قدوس، قدوس، قدوس...". بعد وقت قصير، إعترف الراهب لبقية الإخوة أنه أتى لينال بركة الييروندا على سيامته شماساً، وقد أدرك الييروندا ذلك قبل أن يقول له. حيناً آخر زاره أحد الشباب من تلاميذ الجامعة. فاقتادَه الييروندا الى حيث يوجد ضريح لأحد الراقدين، خلف القلاية، وراح يكلّمه عن الموت والحياة بعد الموت. بعد يومين من هذا، عندما خرج الشاب من الجبل، علم أنّ والده قد توفّي.
لدى تحوّل دير اللافرا الى نظام شركة، كان اسم الييروندا إفرام على رأس قائمة المرشحين لاستلام رئاسة الدير. وعندما أخبروه برغبتهم طلب أن يُعطى فرصة للصلاة من أجل هذا الأمر، ثم تبيّن له أن ليس هذا من مشيئة الله، فاتصل هاتفياً بشيوخ الدير وأنهى المسألة.

الشيخوخة والرقاد
لم تُشفَ القروح في قدمَيْ الييروندا حتى العام ۱٩٩٢، لم يكن يتناول، بسبب التحسُّس منها، إلاّ الفاكهة والخضروات وقليل من الزيت. وكان الشفاء منها عجائبياً. إلاّ أنه أُصيب بمرض ثقيل آخر هو مرض الجفاف، حيث كان يضطر لشرب كميات كبيرة من الماء، بخاصة في الصيف، مما سبّب له نوبات من الدوار، كما أن عينيه تأثّرتا... وكان يتضرّع الى العذراء أن تهبه أن يخدم نفسه بنفسه حتى آخر أيام حياته.
بعد عام ۱٩٩٤ أصبح الييروندا شبه أعمى. إلاّ أنه لم يفقد عفويّته وحيويّة نفسه وظُرف معشره مع زوّاره والإخوة. وكانت صلاة يسوع بالمسبحة ترافقه دائماً. كان الإخوة الرهبان يتناوبون على خدمته باستمرار. وقد تمّ هذا الترتيب لأن كلاً منهم كان يتمنى أن يبقى هو بقربه لخدمته.
حتى يومه الأخير، لم يبدُ عليه أنه "ضيّع عقله"، أو أنه لا يدرك ما يقول أو ما يسمع. نعم ضعفت ذاكرتُه إلاّ أنه كان يسمع ويفهم كل ما يحدُث ويُقال، مهتمّاً بما يجري ومُتابعاً أمور الأخوية من بعيد.
في شهر تشرين الثاني ۱٩٩٦ أصابته وعكة صحيّة أَلقته طريح الفراش وفاقد الوعي، أقام لفترة صامتاً في سرّ عميق، فقط كان يتأوّه من الألم من حين لآخر، أو يبتسم. في الفترة الأخيرة كان يفضّل الجلوس في سريره وأرجله نازلة على الأرض، وهو منحنٍ، في وضعيّة صلاة، في هذه الوضعيّة أخذه الربُّ إليه بهدوء وسلام في ٢٧ شباط ۱٩٩٨.

إن قلبُه المفعم حُبّاً ما يزال يرافقنا، يصلّي من أجلنا. آمين.

عن موقع التراث الأرثوذكسي