[align=justify]
3- وهكذا فإن الإنسان العاقل لن يفكر بعظمة حكمته أو بالأشياء الأخرى الذي ذكرناها سابقاً، لكنه سيقتدي بالنصيحة المثلى للمغبوطة حنة، والنبي ارميا الذين قالا: "هكذا قال الرب. لا يفتخرن الحكيم بحكمته ولا يفتخر الجبار بجبروته ولا يفتخر الغني بغناه" (1صمو3:2)، (ارميا23:9). ولكن ماهو الافتخار الحقيقي وبماذا تكون للإنسان قيمة " بل بهذا ليفتخرن المفتخر، بأنه يفهم ويعرف أني أنا الرب" (ار24:9). هذه هي قيمة الإنسان ومجده وعظمته، أن يعرف ما هو عظيم حقاً ويجعله هدفاً له، وأن ينشد مجداً من المجد الإلهي كما يقول الرسول بولس " من افتخر فليفتخر بالرب" (1كو31:1)، وكما قال أيضاً: "ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمةً من الله وبراً وقداسةً وفداءً " ( 1كو30:1). فمن رام أن يفتخر فليكن افتخاره بالرب كما كتب. لأن مجدنا الكامل في الحقيقة هو في الله فبدلاً من أن يفتخر أحدٌ بمزاياه فليقر بضآلة قيمته وعجزه، ويعترف أنه قد نال البر فقط بالإيمان بالمسيح.
لقد جعل القديس بولس افتخاره في احتقاره لمزاياه الخاصة ليطلب البر الذي بالمسيح يسوع "البر الذي من الله بالإيمان. لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته. لعلي أبلغ إلى قيامة الأموات" ( فيل10:3-11). أمام هذا يزول كل داعٍ إلى الكبرياء ولا يبقى لديك ما تستطيع أن تفتخر به أيها الإنسان، لأن فخرك ورجاءك هما في أن تضحي بإماتة أنانيتك، وتطلب الحياة مع المسيح التي نلنا بواكيرها من الآن، إذ إننا نحيا في نعمة الله وعطيته "لأن الله هو العامل فينا أن نريد وأن نعمل بحسب مشيئته" ( فيل 13:2).
إن الله يكشف بواسطة روحه حكمته التي سبق فعينها قبل الدهور لمجدنا (1كو7:2-10). وهو أيضاً يشددنا في الأتعاب كما يقول بولس الرسول: "أنا تعبت أكثر منهم جميعاً ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي" ( 1كو10:15). كما أن الله ينتشلنا من الأخطار بالرغم خلافاً لكل رجاء بشري كما يقول بولس الرسول أيضاً "لكن كان لنا في أنفسنا حكم الموت لكي لا نكون متكلين على أنفسنا بل على الله الذي يقيم الأموات. الذي نجانا من موت مثل هذا وهو ينجي. الذي لنا رجاءٌ فيه أن سينجي أيضاً فيما بعد" (2كو9:1-10).


4- قل لي إذاً، لماذا تفتخر بالأشياء الحسنة بدلاً من أن تشكر الواهب على هباته؟ لأنه "أي شيء لك لم تأخذه. وإن كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ" (1كو7:4). إنك لم تعرف الله بأعمال برّك لكن الله هو الذي عرفك بعلّة صلاحه "الآن إذ عرفتم الله بل بالحري عرفتم من الله" (غلا9:4). أنت لم تدرك المسيح بفضيلتك لكنه هو الذي أدركك بحضوره، والرسول بولس يقول: "ولكني أسعى لعلي أدرك الذي لأجله أدركني أيضاً المسيح يسوع" (في12:3). والسيد نفسه يقول: "ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم" (يو16:15).
فهل تتكبّر بنيلك الإكرام، وظنّك أن النعمة عذر لكبريائك هذا؟ عندئذ ستعرف بنفسك من تكون، كما حصل لآدم عندما طُرد من الفردوس (تك24:3)، وشاول عندما بارحه روح الله (1صمو14:16)، وكذلك الشعب الإسرائيلي حينما قُطع من الجذر المقدس.وبولس الرسول يقول: "وأنت بالإيمان ثبتَّ. لا تستكبر بل خف" (رو20:11).
إن الدينونة مرتبطة بالنعمة، والديّان سيدينك بحسب طريقة استعمالك للعطايا الإلهية. فإذا لم تدرك أنك قد وُهبت النعمة. وظننت، بعدم حس مفرط، أن هذه النعمة المعطاة لك هي إحدى مآثرك فلن تكون أكثر شرفاً من القديس بطرس الرسول. إذ إنك لن تتمكن، حتى بمحبة الرب، أن تتخطى هذا الذي أحب الرب بشكل لا يوصف حتى أنه ابتغى الموت من أجله.لكنه رغم ذلك وقع في الكبرياء بقوله: "وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك أبداً " (متى33:26). لقد أُسلم للخوف البشري، وسقط في الإنكار حتى يعود إلى التقوى متأدباً بخطيئته، ويتعلم الندم على ضعفات إيمانه بأن يعرف علته جيداً، ويعلم بوضوح أنه كما أمسك فوق الأمواج في عرض البحر بواسطة يمين الرب، هكذا عي أيضاً عاصفة الزلات. فبعد أن تعرض لخطر الضلال بسبب قلة إيمانه حُفظ بقوة الرب يسوع الذي سبق فأعلن ما عرف مسبقاً بحدوثه قائلاً: "سمعان، سمعان هوذا الشيطان طلبكم ليغربلكم كالحنطة. ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك. وأنت متى رجعت ثبتّ إخوتك" (لو31:22-32). وهكذا ساعدت التجربةُ بطرس بأن يتدرّب على نزع الكبرياء، وعلى مشاطرة المخطئين إيمانياً حزنهم.
أمّا ذلك الفريسي الكثير الجدية،والمعجب بذاته بلا حدود فهو لم يكتفِ بأن يتباهى بنفسه فقط، لكنه أدان العشار أيضاً، وبهذا فقد حق الافتخار بسبب خطيئة الكبرياء "ونزل العشار إلى بيته مبرراً دون ذاك" لأنه مجّد الله، ولم يتجاسر أن يرفع عينيه نحو السماء. بل طلب الرحمة فقط، مديناً نفسه بوقفتهِ وقرعِ صدره وعدم طلب أي شيء سوى الرحمة (لو11:18-14). فاحذر الآن واحترس من مثال الفقدان المهلك بسبب الكبرياء، لأنه هذا الذي تكبّر قد أضاع برّه، وفقد أجره عندما ترفع على ذاك، ولم ينتظر حكم الله بل أبدى حكمه الشخصي، فأصبح بذلك أقل مرتبة من الخاطئ المتضع.
أما أنت فلا تتكبر أبداً على حساب الآخرين أو الخطأة، فمرات كثيرة يخلص التواضع من اقترف خطايا كثيرة وعظيمة. لا تعتبر نفسك أكثر براً من الآخر، حتى لاتدان بحكم الله بعد أن تبرر ذاتك، كما يقول بولس الرسول: "لست أحكم في نفسي أيضاً، فإني لست أشعر بشيء في ذاتي لكنني لست مبرراً. ولكن الذي يحكم فيّ هو الرب" (1كو3:4-4).



يتبع...
[/align]