خاتمة

يشير الكاتب أندرو دلبانكو في كتابه "موت الشيطان"[28] إلى اختفاء الكلام عن الشر إذ لا أحد يسمّيه. حتى الماضي القريب كان لدى المجتمعات أفكار واضحة عن الشر الأخلاقي أما اليوم فقد استبدلت العبارات التي تشير إلى الشر بأخرى من نوع "مشكلة في التصرف" (behavioral problem) أو "اضطراب في الشخصية" (personality disorder)وكل هذه العبارات امّحى منها مفهوم المسؤولية وكل حس باللوم. لقد تم استبعاد مفاهيم الحق والباطل والمسؤولية الشخصية حتى لم يعد الأفراد قادرين على تقييم تصرفهم. "لم يكن مخزون البشرية من القواعد والأصول والقوانين أغنى مما هو عليه اليوم ومع هذا صار إصدار حكم أصعب من أي وقت مضى"[29].
إن تبرير الشذوذ أو الاكتفاء بفهم أسبابه دون العمل على إصلاحه وتنوير المصابين به هو حالة دهرية تتعاطى الحياة الداخلية للإنسان باعتبارها حياة نفسانية أي مشاعر وأفكاراً وتصورات وقناعات وخيالات وإدراكات[30]. إن هذه الحالة الدهرية التي تتوسع هيمنتها في المجتمعات كافةً تذكّر بكلام الرسول يهوذا الذي وصفها مسبقاً دالاً إيانا على الموقف الصحيح: "وأما أنتم أيها الأحباء فاذكروا الأقوال التي قالها سابقاً رسل ربنا يسوع المسيح. فإنهم قالوا لكم أنه في الزمان الأخير سيكون قوم مستهزئون سالكين بحسب شهوات فجورهم. هؤلاء هم المعتزلون بأنفسهم نفسانيون لا روح لهم. وأما انتم ايها الأحباء فابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس مصلين في الروح القدس. واحفظوا أنفسكم في محبة الله منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية. وارحموا البعض مميزين. وخلصوا البعض بالخوف مختطفين من النار مبغضين حتى الثوب المدنَّس من الجسد" (17-23).