أخي المحبوب بالرب
بعد التماس العذر من محبتك على مخالفتي لك في الرأي فيما تفضلت بطرحه في موضوعك , الذي أراه بالغ الأهميةً , لأنه يعبّر عن فكر يدور اليوم في الكنيسة , وحتى في معاهد اللاهوت الأرثوذكسية المحترمة.
فإذا كانت الظروف الصعبة التي مرّت بها الكنيسة الأرثوذكسية قد أجبرتها على التواضع , فتمسّكت بأمانة بالتقليد المسلم لها مرة من القديسين , فإنها اليوم وقد ارتاحت من الضربات الخارجية , بدأ المحارب يحاول مهاجمتها من الداخل.
فبتنا نسمع من بعض أهم الأساقفة اليوم, قولاً يريدون به الآباء القديسين ( ألسنا نحن رجال وهم رجال؟) وأيضاً (نحن لا نريد أن نكون كنيسة جثث) ( يقصد الآباء)!!
إن مثل هذه الأفكار, ولو بنية سليمة , هي التي قادت إلى الهرطقة . وهل الشيع البروتستانتية إلا نتاج لفكرة , مفادها أن تفسير الكتاب المقدس هو من حق كل مؤمن , وليس حكراً على الآباء ..
ولا يجب أن ننسى أن كل الشيع والهراطقة ومنهم شهود يهوه والمورمون , يدعون أنهم لم يتوصلوا إلى تفاسيرهم الضالة والمضللة , إلا بمعونة الروح القدس , وطلب استرشاده. فمن قال أن الروح قد توقف عن العمل ؟
وبتنا اليوم نقرأ في أحد المطبوعات الصادرة عن واحد من أهم المعاهد اللاهوتية , كالبلمند مثلاً , قولاً عن الكتاب المقدس بأنه ( لم ينزل من السماء , بل هو عمل بشري , وأنه نتاج فكر علمي نقدي)
وهل أفرغ الكنائس في بلاد الغرب الغني, إلا الكرازة بمثل هكذا لاهوت.
ولماذا تُقبل أعداد متزايدة في الغرب اليوم إلى الأرثوذكسية ؟
هم يقولون أنهم أخيراً اكتشفوا كنيسة العهد الجديد , كنيسة العصر الرسولي , كنيسة الآباء.
تصفح يا صديقي موقع معتمدية المملكة المتحدة وإيرلندا الأرثوذكسية الأنطاكية (http://www.antiochian-orthodox.co.uk/index.html ) , واقرأ خبرات يرويها كبار اللاهوتيين والمبشّرين الغربيين , كيف اكتشفوا أخيراً كنيسة المسيح الواحدة المقدسة الرسولية .
فقط لأنها تعيش في عبادتها وحياتها و ليتورجيتها, فكرَ المسيح من خلال تمسكها بتعليم الرسل والآباء .
لذلك عزيزي اسمح لي أن أعلق على بعض العبارات التي سقتها في موضوعك
اقتباس ......( أولاً إن الكتاب المقدس لا يحتاج إلى تفسير بمعنى أنه كلام غير مفهوم بحد ذاته،فأنا غير مستعد للاقتناع بأن الله أرسل لنا رسالة مشفرة غير قابلة للفهم وبعث بكلمةالسر لفك التشفير إلى بعض الأشخاص هؤلاء الذين ندعوهم آباء)
أعتقد أن الرسول بطرس يخالفك في الرأي عندما يقول في رسالته الثانية 3-16 وهو يتكلم عن رسائل القديس بولس ومن خلالها عن كل الكتابات ( والتي فيها أشياء صعبة الفهم, يحولها عن معانيها أناسٌ لا علم عندهم ولا رسوخ , كما يفعلون في سائر الكتابات , لهلاك نفوسهم)
اقتباس .......(وغير صحيح أن القديسين فقط يحق لهم تفسير الكتاب المقدس.)
أعتقد أن القديس غريغوريوس اللاهوتي يخالفك في الرأي عندما يقول (ليس للكل أن يتكلموا عن الله , ولا الأمر سهلاً بالنسبة للذين أتوا من التراب. بل فقط للذين امتُحنوا ووصلوا إلى الرؤيا ( الثيوريا) بعد أن طهروا النفس والجسد , لأنه ليس لغير الطاهر أن يلمس الطاهر ويظل بأمان, مثلما لا يستطيع النظر الضعيف أن يحدق في أشعة الشمس القوية)
فهو يتكلم عن الذين امتُحنوا , أي الذين صارعوا مع الله وقدروا, أي جاهدوا , وأحبوا الله من كل قلبهم وفكرهم وقدرتهم, وقريبهم كنفسهم ..... , فتطهروا, وتنقّت قلوبهم , فوصلوا إلى الرؤيا ( المعاينة) , (طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله), والرب يسوع يربط معرفة الله (وبالتالي تفسير كلمته) برؤيته , عندما يقول في يوحنا 14-6 ( ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه)
هؤلاء الذين رأوا الله , هم القديسون ( الآباء) الذين وحدهم ( وليس أي مؤمن) يستطيعون فهم كلمة الله .
لماذا؟
فقط لأنهم ممتلئون من الروح القدس , والروح هو الذي يفسر كما يشدد على ذلك الرسول بطرس في رسالته الثانية (1: 20) عندما يقول ( عالمين قبل كل شيء , أنه ما من نبوة في الكتاب تكون بتفسير فرد من الناس, لأنها لم تأت نبوة قط عن إرادة بشر, بل إنما بإلهام الروح القدس تكلم رجال الله القديسون)
لذلك نحن نعرف أن شرط التفسير والتكلم باللاهوت ليست المعرفة بالعلم العالمي ( الذي ينفخ) بل الامتلاء من الروح القدس (كما يقول أوريجنوس)
ولنتذكر أن الرب يسوع لم يرسل الرسل إلى الكرازة إلا بعد حصولهم على شهادة الماجستير في اللاهوت , وبعد أن ناقشوا رسالات الدكتوراه في اللاهوت المقارن, ونظرية دارون, وتشريح الجملة العصبية.
الحقيقة طبعاً أنه لم يرسلهم إلا عندما امتلأوا من الروح القدس...
أما كلامك عزيزي الذي تقول فيه ....
اقتباس...(يطلب المؤمنون اليوم إجابات دقيقة لا تنفعها تفاسير آباء القرون الأولى الذي كانوايتحدثون بلغة فلسفة أفلاطون وأرسطو، حتى اليوم عندما نقرأ هذه التفسيرات لا نفهمها لأنها مكتوبة بلغة غريبة عنا)
فأدعوك عزيزي لقراءة (تفسير انجيل متى للقديس يوحنا الذهبي الفم), وهو متوفر اليوم باللغة العربية , ولن تجده يتحدث بلغة أفلاطون وأرسطو, بل بلغة الروح القدس.
وأنا على يقين أنه سيلامس قلبك وعقلك, وسيدهشك بإجاباته عن ( معنى الحرية البشرية, والروح, والضمير, وألف جواب وجواب) وسيأخذك معه إلى التأمل في جمال الله ومحبته لنا, فيتخشع القلب ويتواضع ويدخل في الصلاة , فلا يرذله الله..
بعكس المفسرين الحديثين ( المتنورين !) من المدرسة الألمانية وغيرهم, الذين لم أشعر وأنا أقرأ تفاسيرهم إلا بجفافٍ روحي , وصقيعٍ داخلي, إذ تجدهم يتعاملون مع الكلمة الإلهية وكأنهم يكتبون في مجال الفلسفة أو الرياضيات أو الحقوق أو حتى القانون الدولي.
وأحب أن أذكّر محبتك بمقطع من خدمة المعمودية في الكنيسة الروسية يسأل فيه الكاهن من سيعمده ( أو العراب) قائلاً : ( أتعترف بأن الكتاب المقدس يجب أن يُقبل ويُفسّر بحسب الإيمان الذي كان يتمسك به الآباء القديسون , هذا الإيمان الذي كانت أمنا الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة تتمسك به ولا تزال تحفظه ؟)
واسلم للداعي لك بالسلام
طاناسي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس
المفضلات