انا من النوع اللي مابحب يعمم الحوارات لأنو بتضيع الطاسة.. فخلونا أول شي نقول من له الحق في تفسير الكتاب المقدس؟
لنقرأ ما يقوله القديس هيلاريون أسقف بواتيه - من الآباء الذين شاركوا في المجمع المسكوني الأول:
"إن شر الهراطقة والمجدّفين يرغمنا على القيام بأمور محرمة: أن نتسلّق القمم المحظور تسلقها، أن نتكلم في مواضيع لا يُنطق بها، وأن نقدّم تفاسير ممنوعة، كان علينا أن نكتفي بأن نتمم بالإيمان وحده ما أُمرنا به، أعني أن نسجد للآب وأن نكرم الابن معه وأن نمتلئ من الروح القدس. ولكننا مرغمون على أن نطبق كلماتنا المتواضعة على الاسرار الأبعد من الوصف.
إن خطيئة الآخرين تقودنا إلى خطيئة أعظم: التعبير عن الأسرار التي كان يجب أن نحويها في ديانة قلوبنا بقصور اللغة البشرية."
المرجع:
سلسلة تعرف إلى كنيستك (9)
اسم الكتاب: الرؤية الأرثوذكسية لوالدة الإله
اسم المؤلف: مجموعة من المؤلفين
دار النشر: النور للمنشورات الأرثوذكسية
سنة النشر: 1997.
الصفحة: 112-113

والآن بعد أن سمعنا من هذا القديس العظيم والحامي للإيمان، بكونه احد آباء مجمع نيقية الأول، يقول بأن التفسير هو شيء أكبر منّا نحن البشر. ويعتبر أن هذا الامر من المحرمات..
لا يجب أن نفهم كلامه على أنه يرفض تفسير الكتاب المقدس والشروحات العقائدية..
بل نفهم من كلامه بأن كل شخص يقول بأنه قادر مثله مثل الآباء على التفسير والشرح الكتابي والعقائدي فهو بهذه الكلمة ايّ يكن قد فصله نفسه عن الآباء.. إذ أنه بكبرياءه قد وضع نفسه.

نعم الروح القدس يحل على الجميع ولكنه لكبرياء عظيم أن أقول "مو حدا أحسن من حدا"..
فكل الآباء لم يقصدوا أن يفسروا العقائد بل دافعوا عنها... ولذلك لا نرى الكثير من الشروحات والتفاسير كتابية كانت ام عقائدية ما قبل ظهور الهراطقة.. إلا ما اقتضت الحاجة له.. واول القديسين الذين بدأوا بشرح وتفسير الايمان الأرثوذكس هو القديس الشهيد يوستينوس.. عندما وجد نفسه امام حرب من الشيطان جعلته يتكلم بما لا يُنطق به كما قال القديس هيلاريون.

إذاً كل من يعتقد أنه يملك الحق والقدرة أن يفسر الكتاب من اجل تفسيره، مشبهاً نفسه بالقديسين، لعرض العضلات امام المؤمنين فإنه أخر شخص يحق هذا الأمر.
وهذا ما قال عنه السيد له المجد في إنجيل لوقا:
لو12: 12-11: وَمَتَى قَدَّمُوكُمْ إِلَى الْمَجَامِعِ وَالرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَحْتَجُّونَ أَوْ بِمَا تَقُولُونَ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يُعَلِّمُكُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا يَجِبُ أَنْ تَقُولُوهُ.

ولنقرأ أيضاً ما يقوله القديس دوروثاوس الغزاوي في كتابه "التعاليم الروحية":
[caution]
أذكر أننا فيما كنا نتكلم يوماً عن التواضع، سَمِعَنا واحدٌ من أعيان مدينة غزة نقول أننا كلما اقتربنا من الله عرفنا أنفسنا خطأة، فتعجب وقال: "وكيف يمكن أن يكون لك؟".
لم يفهم، وكان يطلب تفسيراً، فقلتُ له:

"أيها السيد الشريف من تراك تظن نفسك في بلدك؟"، فقال: "من أعيان البلد"، فقلتُ: "وإن ذهبت إلى قيصرية فمن تكون هناك؟"، قال: "طبعاً أقل مستوى من كبا المدينة هناك"، قلتُ: "وإن ذهبت إلى أنطاكية؟"، قال: "أحسب نفسي كالقروي"، قلتُ: "وفي القسطنطينية قرب الأمبراطور؟"، قال "كالذليل"..،
قلتُ: "وهكذا القديسون كلما اقتربوا من الله رأوا أنفسهم خطأة".
[/caution]

فلذلك كل ما امتلأ الشخص "اسقف، كاهن، شماس او علماني" من الروح القدس له المجد كلما شعر بأنه أقل الناس وأكثرهم خطيئة وبالتالي لا يجرؤ على القول: إني لا أختلف عن الآباء القديسين..

فالآباء لم يفسروا لعرض العضلات.. ولكن من أجل التعليم وحفظ الرعية الذين اختاروا أن يكونوا مؤتمنين عليها..

إذاً من يحق له التفسير هو ذلك الشخص الذي يرى في نفسه أنه لا يستحق "أن يلفظ اسم القديسين"... حتى يجعل من نفسه ندّاً لهم... فأعظم اللاهوتيين هم المصليين... وهؤلاء هم الذين تكلم عنهم قال الاخ طاناثي إذ قال:
الأمر سهلاً بالنسبة للذين أتوا من التراب. بل فقط للذين امتُحنوا ووصلوا إلى الرؤيا ( الثيوريا) بعد أن طهروا النفس والجسد
وهنا نطرح سؤال الرسل على السيد (متى 19: 25-26):
فَلَمَّا سَمِعَ تَلاَمِيذُهُ بُهِتُوا جِدّاً قَائِلِينَ: ((إِذاً مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُفسِّر؟)).
تم وضع كلمة "يُفسِّر" من قبلي، والكلمة الأصلية هنا هي "يَخْلُصَ". من اجل المقارنة.
فكان جواب السيد عليهم:
فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ : ((هَذَا عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ ، وَلَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ)).
وسننتقل إلى نقطة أخرى من الحوار بعد أن نقرأ تعليقاتكم..