*الكذبة العظيمة، وما أغفله (القدس زحلاوي) في كتابه الصوفانية؟! (2)
*فكيف للكنيسة إذن أن تنتقل من موقف إلى موقف؟ من الموقف السلبي (بالمفهوم المدني) المدافع عن الذات والحافظ لعقائد الإيمان القويم إلى موقف المساهم في البناء الاجتماعي، بناء الأسر والحفاظ عليها وعلى أفرادها من كل سوء وعطش وتهجير وجوع، إلى موقف المساهم في رقي أبنائها المدني لتحقيق حياة أمينة دون عوز، إلى موقف المساهم بطمأنينة أبنائها وفرحهم، كيف لها أن تنتقل إلى الموقف الإيجابي هذا (بالمفهوم المدني) ليعيش إنسانها - بما يقدم من بر وبما يخدم إخوته بكل عمل صالح- في جسد المسيح بالمسرة؟ إن كان أمامها كل هذه العقبات وتواجه ما تواجهه من مظالم؟ إذن ليس لها في مواجهة هذا العالم بما أعطي لها كواحد كجسد للمسيح مقدس على الأرض مصانة ومحمية من كل سوء، سوى إعلان ذاتها الدائم بأنها نور العالم الذي لا يدركه الظلام، وليس لأبنائها كأعضاء مجتمعين متحدين في جسد المسيح سوى البرهان والتأكيد الدائم دون خوف على أنهم واحد في جسد المسيح حتى يتهاوى الشيطان ويسقط أعوانه جميعا أمام أقدام الكنيسة.
وللأمانة الواجبة يجدر التنويه هنا إلى أن الكنيسة على تعاقب حقباتها التاريخية، كانت مفتوحة الصدر لأبنائها، ترعاهم بكل محبة لتوصلهم إلى بر الأمان، لأنها جسدهم الواحد ومجتمعهم الصالح وهو بلا عيب، ومع ذلك فهي لا تستطيع أن تتجاوز بقدراتها بأكثر مما هو عليه وضعها ومما هم عليه أبنائها لأن الكنيسة تعمل بأبنائها، إذ أن الشرور تسقط عمل الصالحين، ولكن لها أن تتجاوز ما هي عليه باتحاد أبنائها بالمسيح بما يستمدونه من قوة بالمسيح فله المجد يقويهم، بما ينيره الروح القدوس، فالروح القدوس يفتح أذهانهم وينطقهم ويرشدهم، فالله العلي القدير إن كان يسمح بحصول الشدائد، فإنما هذا لتتقوى عزيمة المؤمنين لتتعمق تجاربهم في مواجهة الأشرار ويقطعوا أصل من لا يثمر، فليس عمل الإيمان نزهة، وليست البشارة والحياة في المسيح حفلة طرب، فله المجد يقودهم إليه (إلى الياء) إلى الإتحاد به في مجده أقوياء مقدامون وليسوا جبناء، هم خميرة الأرض الصالحة المعدة لأن تعمل إلى أن يصير الكل أنقياء، أنقياء متحدين إلى أن يصير الكل في المجد السماوي، فأبواب الجحيم لن تقوى عليهم وهم كنيسة الله، لذا فليس من يسعى إلى الشرور بلا دينونة، وفي الأزمنة الأخيرة انطلاقا من كونها مدركة للمخاطر المحيطة الساعية إلى شرذمة أبنائها واستنزافهم ليضعفوا أمام كل قوة، وسّعت من فضاءاتها لاحتضانهم، وسَعت إلى وضع الأطفال والشبيبة والرجال والنساء من أبنائها في أجوائها لتبعدهم عن السقوط في مسالك الشيطان، الذي يأتيهم بكل صور الإغواء، كما فتحت أبوابها لرعاية المحتاجين والأرامل والأيتام والمرضى والعجز، كي لا يسقط أيضا ذويهم أمام ضغوط الفاقة والحاجة في أفخاخ الخطيئة، ولن تستطيع في وضعها الحالي وإمكاناتها المحدودة المترافقة مع هجمات البرابرة الجدد عليها أن تفعل أكثر مما هو مقدر لها، أكثر مما يقدر لها الله أن تفعله؟
* مؤخرا التقيت بشاب أورثوذكسي يقارب الأربعين من العمر، مهندسا يدعي المعرفة كان يحدثني في كل الأمور، وعندما سأله أحدهم من أصحاب الديانات الأخرى عن آية في إنجيل لوقا 12 – 50 – (أتظنون أنني جئت لألقي سلاما على الأرض؟ كلا أقول لكم: بل انقساما) حار جوابا وأتى يسألني هل حقا هذا مكتوب في الإنجيل؟ قلت له: نعم، قال مستغربا كيف ؟! قلت له:هذا الانقسام هو بين الحق والباطل وهنالك آيات أكثر عنفا حول هذا الموضوع؟! فلماذا الاستغراب؟ لم يجب .. كان يحمل كومبيوترا محمولا متطورا فنصحته في البحث عن هذا الموضوع في المواقع المسيحية وهذا سهل، في اليوم التالي أتاني وقال: اطلعت على الموضوع في عدة مواقع واستوفيت منهم الجواب، عندها قلت له أن يبحث في موقع منتدى الشبيبة الأورثوذكسية مع الاحترام لبقية المواقع حيث الجواب الأصح؟ ربما خاف أن يفعل هذا أمامي؟ – لم يبحث ؟! لكنه آثر أن يطلع أصدقائه على المواقع الجنسية؟ ربما للإيحاء لهم بأنه من العصر، بأنه متحرر.
هذا نموذج عن الشبيبة المسيحية ليس فقط الأورثوذكسية، لكن بالطبع ليس كلها، فالأمر المسيحي الإيماني تطرق إليه هذا الشاب حينما أحس بالحرج والخوف عندما الآخر المقابل تعرض للجماعة (كتجمع إنساني) التي ينتمي إليها في ما هو مقدس من معتقداتها ؟
فرغم كل ما بذلته وتبذله الكنيسة المقدسة من جهود من أجل شعبها، إننا لنتساءل إن كانت قد استطاعت أن تقدم لهذا الشاب ما يروم في عالم الفوضى الذي يضع القيم والأعراف والشرائع جانبا، ويتسابق إلى المجد الشخصي؟ طبعا لم تستطع؟! لأن ما يرومه هذا الشاب عالما آخر، عالما وثنيا، عالما يلعب فيه الشيطان، وهذا لن يلقاه في كنيسة المسيح بأي حال، أيا كان وضعها أو كيف ارتآه؟ وإنما في عالم الصوفانيةوأمثاله، حيث العودة إلى الوثتية، حيث يجد فيه أن كل أباطيل العالم مقدسات وأن كل ما يرومه من مجد شخصي على حساب بنيان المجتمع وبناء الكنيسة المقدسة مباح وداخل في التقديس؟! فبالرغم أننا نستطيع بالمسيح أن نفعل كل شيء إلا أن هذا مشروط بأن نكون متحدين في جسد المسيح الذي هو الكنيسة، كي يقودنا الله في موكب نصرته في المسيح كل حين، كي ننهض ككل ونتقدم كجماعة في مخافة الله لندخل في المجد الذي ينتظرنا، وليس كأفراد ننهش بعضنا حتى نفنى، ونرمي بأنفسنا إلى الشرير.
إذن ما علاقة هذا الشاب وأمثاله بكنيسة المسيح؟ وما الذي يربطه بها؟ الجواب: لا شيء، هذا إن أصر على تغييب العقل، إن أصر على اعتبار أن الحياة تنحصر في الفهلوة والشطارة والتكسب النفعي المادي الشخصي على حساب الغير، وكأنما ما عداه هم أغبياء؛ ذلك لأن الكنيسة بالمقابل هي مجتمع حكمة، مجتمع سلام وترتيب وتدبير وبناء وخير، يتضاد بالطبيعة مع عالم الفوضى، فمجتمع الفوضى مجتمع عماء، ومجتمع خراب، ولا يخفى عن كل ذي بصيرة أن عالم الفوضى له وجهان يتضادان ويتنافيان، قاتل أو مقتول، والقاتل مدان، خاسر أو رابح، والرابح سارق والسارق مدان، لكن ليس فيه بالحقيقة من كاسب، لأن الكل في عالم الفوضى يخسر، لأن الكل يدمر، الكل في عالم الفوضى يخرج من مجتمع العمران إلى الخراب، ولا صلة لهذا كله بمن يقوده النور ولا بكنيسة الله ؟
إن شعب الله في العهد الجديد هو كنيسة المسيح على الأرض، هم المنضوون بالإيمان في طاعة كنيسة المسيح، وكنيسة المسيح لا تخطيء معصومة لأن رأسها المسيح، فشعبها إذن يفهم وشعبها يعرف، لأنه ليس قاصرا وليس عبدا بل بالفداء نال التبني، لكن كيف نحكم على من ابتعد عنها من أفرادها ولبس الضلال بعد أن افتدي بدم ثمين، هل نتجاوز لأن نجعله قاصرا في كنيسة المسيح التي لا عيب فيها؟، هل نجعله قاصرا في كنيسة المسيح كمن كان قبل الفداء، فلا يُعد وارثا حرا، ولا يصح الحكم عليه؟، لأن لا مسؤولية عليه، وتكون الكنيسة وصيا عليه إلى أن يبلغ الرشد ويعود عن الضلال، إن مثل هؤلاء يصح فيهم القول أنهم لا يعرفون، وبأنهم لا يفهمون، لأنهم مخدوعون وفي كل درب خديعة يسيرون، ولكن بما أن الكنيسة في هذه الحالة هي المسؤول عنهم فكيف لها أن تتلبس أفعال من عاد إلى الضلال وهي الطاهرة دون أن تنتقص من كمالها؟، وكيف لها أن تحكم في سلوك القاصر (مدنيا) وهي مقيدة من السلطات الزمنية؟ كيف لها أن ترشده حتى يبلغ الرشد من جديد، حتى لا يسيء هذا إلى ذاته وإلى الآخرين في مجتمعه؟
وعليه فكيف يمكن أن تعتبر الكنيسة مثل هذا الشاب وأمثاله، ممن قد ابتعدوا عن كنيسة المسيح؟ هل تعتبره جاحدا أم مخطئا أم ضالا أو مخدوعا؟ أم هو قاصر غير مسؤول؟ وكل هذه الأمور (تجاوزا) تعد واحدة، " لأن من حفظ كل الناموس، وإنما عثر في واحدة، فقد صار مجرما في الكل" يعقوب2 – 10 ، فكيف يكون الحكم على هؤلاء وقد عثروا حتى في ناموس الحرية وفي الكل؟
فإذا كان المسيحيون هم أبناء الله بالمسيح يسوع، والكنيسة هي جسد المسيح على الأرض، والمسيحيون أعضاء متحدين في جسد المسيح كي ينالوا النعم الصالحة من العلاء، فكيف يكون ضلال فيهم؟، إذ أن من ضل هو من ابتعد حكما، فليس له الفهم والمعرفة، لأن أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع محكومون لأن يجدّوا في كنيسة الله إلى الكمال ليكون لهم المجد السماوي وفي الحياة يُسرّون، فإنهم إذ يبنون في كنيسة الله في جماعة المسيح فلا ضعفا ولا خللا يعتريهم وقوة المسيح معهم، إذ أنهم في العهد الجديد لم يعودوا عبيدا بل ورثة كأبناء، كما لم يعودوا مستعبدين تحت أركان العالم لأنهم قصّرا؟ إذ صاروا هم أنفسهم لهم الكمال بالمسيح، وصار لهم أن يحكموا أيضا، ومن له حق الحكم له الرشد أيضا، ذلك أنه بعد أن أرسل الله ابنه مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لينالوا التبني، ويكونوا وارثين الله بالمسيح، فكيف يرجع أبناء كمثل هذا الشاب بعد أن عرفوا الله وعَرفهم إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي يريدون أن يستعبدوا لها من جديد،بل كيف يعودوا أيضا إلى الوثنية حيث ترى الطهارة في العهر بأنواعه وليس في العفة ؟
هل يصح أن تعود الكنيسة بما أنها هي جسد المسيح على الأرض ولها سر الفداء المتجدد، ولها مفاتيح الأرض والسماء إلى اعتبار مثل هؤلاء في الزمن الأخير قصّرا، يفتدون مجددا بالذبيحة الإلهية المتجددة، ليعودوا بعد أن يتوبوا إلى أبناء وورثة لله، إلى أعضاء في جسد المسيح كي ينالوا الخلاص؟ ليس لنا كأفراد معرضين لأن نحكم خطأ، أن نجتهد في الحلول، وإنما للكنيسة المقدسة بالنعم المعطاة لها والناطقة بالهام الروح القدوس، مثل هذه الحلول، أم الأفضل أن نعود إلى ترديد ما أورده القديس بولس الرسول" أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثا" بولس/ غل/ 4 - 11 .
(فالجميع أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع، وحسب الموعد ورثة)بولس/غل - 3 - 26)،
(ولكن ما دام الوارث قاصرا لا يفرق شيئا عن العبد مع كونه صاحب الجميع، بل هو تحت أوصياء ووكلاء إلى الوقت المؤجل، ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودا من امرأة، مولودا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني، ثم بما أنكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخا "يا أبا الآب" إذا لستَ بعد عبدا بل ابنا، وإن كنت ابنا فوارث الله بالمسيح،
لكن حينئذ إذ كنتم لا تعرفون الله، استعبدتم للذين ليسوا بالطبيعة آلهة. وأما الآن إذ عرفتم الله، بل بالحري عُرفتم مِن الله، فكيف ترجعون أيضا إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تستعبدوا لها من جديد، أخاف عليكم أن أكون قد فد تعبت فيكم عبثا! بولس غل - 4 - )
soffani