عزيزي شربل

الموضوع الذي نسخته ولصقته حضرتك للدفاع عن قضية (الانبثاق من الابن), التي تعتبرها الكنيسة الأرثوذكسية هرطقة ( لأنها تخالف تعليم الكنيسة الذي يقول قول الرب يسوع أن الروح القدس من الآب ينبثق)

وكما تعرف فإن إضافة أو حذف كلمة واحدة على كلام الرب الواضح والمحدد,تعرّض للهرطقة والهلاك كما يقول الكتاب :

لأني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب, إن كان احد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب, و إن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة و من المدينة المقدسة و من المكتوب في هذا الكتاب.
( رؤيا 22 : 18)

والكنيسة تعتبر أن هذا الكلام يسري على كل الكتاب المقدس.

ولا نقبل التبريرات الفلسفية لهذه الهرطقة, لأن العقيدة المسيحية هي كشف إلهي كشفه الرب لتلاميذه عندما قال ( من الآب ينبثق), وليست نتاج الفلسفة البشرية.

تاريخياً, لم تقبل كنيسة روما هذه الإضافة (والابن) واعتبرها البابا القديس لاون الثالث أنها هرطقة ومنع المؤمنين من إضافتها على دستور الإيمان.

وعندما احتل الملك الجرماني شارلمان روما, فرض هذه الإضافة على دستور الإيمان.

والمفارقة المضحكة أن البابويين صاروا يقولون أن الروم هراطقة لأنهم حذفوا كلمة (والابن) من قانون الإيمان!

ثم حاولوا بعد أن تبيّن لهم خطأهم أن يدافعوا عن هذه العقيدة الهرطوقية, فوقعوا في مشكلة أكبر, فقد خلطوا بين انبثاق الروح الأزلي من الآب, وبين إرسال الروح إلى العالم بواسطة الابن يوم العنصرة.

وكل ما ورد في المقال الذي أوردته يؤكد بوضوح هذا الخلط, وهنا لن أناقش هذه الآراء لأن المشاركة الأولى للأخ أرميا تفي بالغرض, ولكن سأسوق لك تعليم الكنيسة حول هذا الموضوع كما ألهم الروح القدس قديسنا العظيم يوحنا الدمشقي أن يقول:

" نقول أن الروح القدس من الآب ونسميه روح الآب, ولكن لا نقول أن الروح القدس من الابن, مع أننا نسميه روح الابن"
المقالة الثامنة في الإيمان الأرثوذكسي.

والمفارقة المستغربة أن الكنيسة البابوية تسمي القديس يوحنا الدمشقي ب( معلّم الكنيسة) ومع ذلك فهي تخالف تعليمه.

أما ما نسخته ولصقته حضرتك من كلام تحت عنوان (أزمة فوتيوس وانشقاق الشرق) فهو كلام مرفوض جملةً وتفصيلاً, ليس فقط بسبب وقاحته في التعرّض لأعظم قديسي الكنيسة الأرثوذكسية وهو القديس فوطيوس الكبير, ولكن لأنه مليء بالأخطاء التاريخية المُغرضة, ولسنا نحن فقط من نرفضه ولكن حتى علماء الكاثوليك ومؤرخيهم الحديثين يرفضونه تماماً, ولك أن تراجع مجلّد تاريخ الكنيسة ( للآباء اليسوعيين).

وهنا أسوق لك ما كتبه أحد أكبر المؤرخين المعاصرين حول هذا الموضوع, وهو ليس أرثوذكسياً, لكنه مسلماً محايداً.

وهو الدكتور نبيه عاقل, رئيس قسم التاريخ في جامعة دمشق, إقرأ ما يقوله في كتابه تاريخ الامبراطورية البيزنطية: (سأضع تعليقاتي باللون الأحمر بين قوسين):

" لقد كان فوتيوس أبرز مفكر وأقدر ديبلوماسي وأشهر سياسي يستلم منصب البطريركية في القسطنطينية, فقد سار في سياسة الكنيسة على نفس نهج طاراسيوس ونيكيفورس و ميتوديوس.

(وهؤلاء كلهم قديسون تعترف روما أيضاً بقداستهم)

وكما قام المتزمتون بمعارضة هؤلاء البطاركة, كذلك قاموا ضد فوطيوس, وادّعوا أن تعيينه ليس شرعياً.

ورغم أن العرف جرى منذ زمن الإمبراطور نقفور الذي حدثت في زمنه القطيعة بين روما والقسطنطينية, بسبب التقارب بين روما والمملكة الفرنجية (الجرمانية), بأن لا يرسل بطريرك القسطنطينية إعلاماً بتعيينه لهذا المنصب إلى بابا روما.

فإن فوطيوس أرسل هذا الإعلام إلى البابا رغبةً منه بتجنب المشاكل.

وصادف أنه كان يجلس على العرش البابوي في هذه الأثناء البابا الطموح نيقولا الأول, الذي كان قد صمم منذ اللحظة الأولى لتسلمه هذا المنصب على تعميم سيادة روما على كل العالم المسيحي.

لذا استفاد من هذه المشاكل الجارية في القسطنطينية, وأخذ يعد العدة ليحتل مكانة الحكم في هذه المشاكل.

لكنه ما لبث أن تخلى عن صفة الحياد, وانضم إلى أعداء فوطيوس واعتبر تنصيب فوطيوس غير شرعي.

ولعل السبب في موقف البابا نيقولا الأول هذا, هو رغبته في تثبيت دعائم السيادة البابوية, وإظهار الذي يشغل هذا المنصب بمظهر السيد الأعلى.

لهذا الغرض عقد مجمعاً دينياً في اللاتيران وأعلن خلع فوطيوس من البطريركية وذلك سنة 863 م.

فأرسل الامبراطور للبابا إنذار شديد اللهجة يطلب فيه من البابا أن يسحب قراره, ويرفض فيه كل سيادة لروما على القسطنطينية.

أما فوطيوس فلم يكتف بهذا, بل سار خطوة أوسع, وأخذ يكيل الاتهامات للكنيسة البابوية, ويظهر كل مخالفاتها للتقليد الكنسي الأصيل, وعدم انضباطها, ووصل به الحد إلى اتهام روما بالهرطقة الدينية.

وفعلاً عُقد في عام 867 م مجمع ديني في القسطنطينية, طردَ البابا نيقولا من الجماعة المسيحية, واعتبر تدخّل روما في شؤون الكنيسة الرومية عملاً غير مشروع"


هذا ما قررته الكنيسة في مجمع القسطنطينية, وليس ما نسخته حضرتك ولصقته قائلاً:

جعل الكنيسة تعقد المجمع القسطنطيني الثامن ستة 867م وفيه حرم فوتيوس وتعاليمه الفاسدة.
لعمري كيف يقرأ إخوتنا الكاثوليك التاريخ بالمقلوب!

أما ما نسخته حضرتك ولصقته بخصوص المجمع الفلورنتيني, فالصحيح أن هذا المجمع كان تضحية من الامبراطور بالعقيدة الأرثوذكسية, مقابل طمعه في مساعدة عسكرية يقدمها له البابا في صراعه مع الأتراك الذين كانوا يهددون وجود الامبراطورية الرومية.

وهنا أعيدك لكلام الدكتور عاقل:

"وقد أدى تقرّب الامبراطور من روما على حساب العقيدة الأرثوذكسية, إلى قيام معارضة شديدة له في القسطنطينية, كان بطلها( القديس) مرقس الأفسسي, الذي رفض التوقيع على مقررات المجمع الفلورنتيني , وأعلن في المجمع أن اللاتين هراطقة.

كما قامت هذه المعارضة حتى في خارج الامبراطورية (في بلغاريا مثلاً) وأعلن الرعايا الأرثوذكس أنهم يفضلون الخضوع للكفار( المسلمين) على ترك عقيدتهم الدينية وعبادتهم الأرثوذكسية."


لعمري كيف تقرأون التاريخ بالمقلوب.


طاناسي