قضيّة فوتيوس ظلّت البابوية حتى بعد القطيعة السياسيّة مع القسطنطينيّة تحظى بقدر كبير من التجليّة في الشرق حتى أواسط القرن التاسع. وقد وجد فيها الرهبان وأنصار الأيقونات عوناً كبيراً في وجه الاضطهاد الذي أثاره الأباطرة البيزنطيّون محاربو الأيقونات، ولكن مشكلة فوتيوس من جهة والانحطاط الذي اجتاح البابويّة في العصر الحديدي من جهة أخرى قد أوهن نفوذ الكرسي الروماني في الشرق.
كان فوتيوس يجسّم ما آلت إليه الحضارة البيزنطيّة من دقة ورهافة في القسم الثاني من القرن التاسع وقد جابهه في روما البابا نيقولاوس الأول أشد الباباوات حزماً وأعنفهم تمسّكاً بحقوق الكرسي الروماني وسيادته. كان فوتيوس علمانيّاً عندما استدعي سنة 858 برغبة من الإمبراطور ميخائيل الثالث ليخلف البطريرك أغناطيوس على الكرسي القسطنطيني وكان أغناطيوس محافظاً ومتزمتاً ونُحّي لجفاء قام بينه وبين الحكم القائم. وأبى أغناطيوس أن يستقيل من تلقاء نفسه فعقد مجمع في القسطنطينيّة حكم بخلعه عن البطريركيّة. وبعث البطريرك الجديد فوتيوس برسائل إلى بطاركة الشرق الملكيّين وإلى بابا روما يطلب فيها اعترافهم به وشركتهم على عادة كلّ بطريرك جديد. فأوفد البابا نيقولاوس مندوبين إلى القسطنطينيّة لتقصي الحقائق فاستمالهم فوتيوس إليه واشتركوا في الحكم على أغناطيوس في المجمع المنعقد في القسطنطينيّة عام 861. إلاّ أنّ البابا تنصّل من مبعوثيه ورفض الاعتراف بفوتيوس وكان أغناطيوس وأنصاره رفعوا شكواهم إلى روما. فانعقد سينودس روماني عام 863 جرّد فوتيوس من الكهنوت هو وجميع الذين رسمهم. وتسفر هذه القرارات عن جهل عميق للأوضاع السائدة في القسطنطينيّة وبقي فوتيوس في منصبه في العاصمة البيزنطيّة.
كانت هذه الأزمة على وشك التصفية عندما أثيرت قضية أخرى عملت على توتير العلاقات ثانية بين الكنيستين وهي القضية البلغاريّة. ففي تلك الحقبة كان البلغار ينتحلون النصرانيّة على يد المرسلين البيزنطيّين وتقبل الملك بوريس المعموديّة في القسطنطينيّة عام 864 وكان عرّابه الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثالث. وأرسل فوتيوس عدداً غفيراً من الكهنة إلى بلغاريا لينجزوا تثقيف الشعب في أمور الدين ولكنه لم يمنح بوريس الاستقلال الكنسي الذي طالب به. ولمّا خاب أمل ملك البلغار أرسل وفداً إلى روما مستحصلاً من البابا نبقولاوس الأول ما أمسكه عنه البطريرك فوتيوس. ففرح البابا بهذه السانحة التي تعيد له استعادة ولايته على منطقة كانت خاضعة تواً لروما (قبل عام 732) فأرسل إلى بلغاريا جماعة من المرسلين انطلقوا يحظرون العوائد والطقوس البيزنطيّة ويطردون المرسلين اليونانيّين ويعيدون تثبيت من تقبلوا المعموديّة من يد كاهن شرقي.
كان فوتيوس قد لازم الصمت بعد عام 863 ولكنه لم يطق احتمال الإهانة اللاحقة بكنيسته. فثار ثأره وأرسل عام 867 رسالة عنيفة إلى البطاركة الشرقيّين يدعوهم فيها إلى القسطنطينيّة للحكم على البابا نيقولاوس الأول ويشجب "البدعة الغربيّة" في انبثاق الروح القدس من الآب والابن. ووجّه أيضاً في الوقت نفسه إلى إمبراطور الغرب لويس الثاني رسالة يطلب إليه فيها أن يعزل نيقولاوس عن الكرسي البابوي. وعقد مجمعاً في القسطنطينيّة عام 867 فحرم البابا وأعلن عزله. وبعث وفداً إلى الإمبراطور الغربي وإلى البابا نيقولاوس يبلغهما الحكم. ولكن البابا توفي قبل وصول الوفد البيزنطي وفقد فوتيوس منصبه البطريركي في أثر الانقلاب الذي أطاح بمناصره الإمبراطور ميخائيل الثالث. وأمر الإمبراطور الجديد باسيليوس الأول بإعادة أغناطيوس إلى الكرسي البطريركي وسعى إلى إقامة الصلح مع روما. وعقد مجمع في القسطنطينيّة عام 869 حضره ممثلو البابا (وهو في نظر الغرب المجمع المسكوني الثامن) فحكم بخلع فوتيوس عن الكرسي البطريركي.
وحدثت في الجلسة العاشرة مفاجأة إذ حضر أمام المجمع وفد بلغاري يعرض إلحاق الكنيسة البلغاريّة ثانية بالكرسي القسطنطيني. وعارض ذلك موفدو البابا. فلجأ أغناطيوس إلى تحكيم البطاركة الملكيّين فأقرّوا حقوق القسطنطينيّة على البلغار. ورسم أغناطيوس تواً رئيس أساقفة البلغار وبعد فترة عشرة أساقفة آخرين وطرد المرسلين اللاتين من بلغاريا وظلّ أغناطيوس على موقفه بالرغم من تهديدات روما بالحرم. وأوشكت العلاقات أن تنقطع ثانية بين الكرسيّين القسطنطيني والروماني فحال دون ذلك وفاة أغناطيوس عام 877.
انتدب فوتيوس ثانية ليخلفه. وعقد مجمع آخر في القسطنطينيّة (879-880) حضره موفدو البابا يوحنا الثامن وأعلن فوتيوس الشركة الكنسيّة مع الكرسي الروماني. وكان قد أعترف به بطريركاً على القسطنطينيّة. ومات فوتيوس متّحداً بروما. هذه التدابير السليمة قام بها البابا يوحنا الثامن وكان بحاجة إلى مساعدة الإمبراطور باسيليوس وحمايته لصدّ هجمات العرب على السواحل الإيطاليّة (وكانت الإمبراطوريّة الكارولانجيّة إذ ذاك في حالة ضعف وتفكّك).
هذه القضية أضعفت هيبة الكرسي الروماني في الشرق. واجتازت البابويّة في القرن العاشر أسوأ عهودها بينما بلغت بيزنطية أوج عزّها واعتلى الكرسي القسطنطيني بطاركة عظام. وقامت في تلك الفترة بين الكرسيّين خصومات كانت القسطنطينيّة تحجم أثنائها عن ذكر البابا في ذبيحة القدّاس من غير أن تأبه كثيراً لذلك. إحدى تلك الخصومات حدثت عام 1054 وظلّ أثرها ناشباً حتى اليوم.
مأخوذ عن الأرشمندريت اغناطيوس ديك (جزء من المقال عن الإنشقاق الكبير)