2 - عند الآباء


أ - القديس أنبا مقار (القديس مكاريوس الكبير):
معروف أن القديس أنبا مقار من أكثر الآباء الذين عبّروا عن اتحادنا بالمسيح في صورة عُرس روحي بين النفس و العريس السماوي . و فيما يلي نُقد بعض مقتطفات من عظة نطق بها هذا القديس في عيد الميلاد ، و هو يعمم فيها هذه النظرية على سر التجسد كله فيقدمه في صورة عُرس روحي فائق اتحد فيه الله بالبشرية . ((( النص الكامل لهذه العظة قد نُشر في مجلة مرقس عدد يناير 1971 . و هي ليست من الخمسين عظة المعروفة و لكنها من مجموعة سبع عظات نشرها العالم Marriot باليونانية لأول مرة سنة 1918 . )))


من عظة للقديس أنبا مقار عن الميلاد

<<< - اليوم وُلد الرب الذي هو حياة و خلاص كل بشر .

- اليوم تم الصلح بين اللاهوت و الناسوت و بين الله و الإنسان .

- اليوم انفتح الطريق للإنسان نحو الله ، و طريق الله انفتح نحو اانفس البشرية .

- فالطبيعة البشرية التي كانت قد ماتت بالتمام بالبعد عن الله ، و لم تعد تأتي بثمر بعد ، و نفسنا التي صارت يابسة و قفرة ، اليوم قبلت الزرع السماوي لتثمر ثمار الروح .

- لقد ظل آدم وحده ، و لو لم تتحد به المرأة التي جُبلت منه لما انتجت نسلاً .. و هكذا النفس أيضا ، إن لم تتحد بالمسيح و تدخل في شركة معه لا تستطيع أن تُثمر ثمار الروح .

- فالزرع الإلهي هو الكلمة الذي حلّ في بطن والدة الإله مريم ، و هو يحل في كل النفوس المؤمنة فتولد منه ميلادا روحيا هو الخلاص >>> (( قارن 1 بط 1 : 23 ( مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحية الباقية الى الأبد ) ))


فالزرع الإلهي هو الكلمة ... هو اللوغوس الحي و المحيي الذي يخصب نفوسنا حتى تأتي بثمر الروح . و لذلك يستطرد القديس انبا مقار قائلا في نفس العظة :
<< إن العريس السماوي ، أي المسيح يتحد بعروسه ، اي النفس ، فيملأها بالتعزية و ينقيها من الآلام .
و كما أن حواء ان لم تتحدبآدم لبقيت عاقرا و غير مثمرة ، هكذا أيضا النفس ان لم تتحد بالعريس السماوي أي المسيح ، بواسطة الروح ، فأنها تبقى كأرملة عاقر و غير مثمرة لملكوت السموات . >>





ب - القديس كيرلس الكبير :
و نفس هذه النظرة نجدها عند القديس كيرلس الكبير فكما قال أنبا مقار إن الزرع الإلهي هو كلمة الله و أن البشرية بدونه تبقى عاقرا و قاصرة عن أن تثمر ثمار الروح ، هكذا نجد القديس كيرلس أيضا يعتبر ان غاية مجيء المخلص الى العالم هي ان يتحد بهذه الطبيعة العاقر و يخصبها لكي تأتي بثمار الروح :

<< لقد نزل كلمة الله من السماء - كما يقول هو نفسه - لكي يتحد بصفته العريس بطبيعة الانسان ، فيجعلها بذلك تُثمر الثمار الروحية . و لأجل ذلك تُدعى البشرية عروساً كما يُدعي المخلص العريس >> ( تفسير يو 2 : 11 / ب . ج 73 : 228 )

لقد كتب القديس كيرلس هذه السطور في تفسيره لعُرس قانا الجليل . فهو يعتبر أن حضور المخلص الى هذا العُرس كان له مدلول روحي و سري عميق كإشارة الى مجيء المخلص الى العالم ، بل إلى سر التجسد كله المعتبر عُرسا روحيا فائقا بين المسيح و نفوسنا .

و القديس كيرلس يكرر نفس هذا المعنى في تفسيره لإنجيل لوقا بخصوص الآية 5 : 34 (( أتقدرون أن تجعلوا بني العُرس يصومون مادام العريس معهم )) :
<< لقد كان مجيء مخلصنا إلى العالم بمثابة عيد عظيم اتحد فيه روحيا بطبيعة الإنسان كمثل عروس له حتى إن هذه الطبيعة التي بقيت عاقرا زمانا طويلاً تصير مثمرة و يزداد ثمرها جداً >> ( ب . ج 72 : 573 ) .

حقا إن هذه هي غاية مجيء المخلص الى العالم و غاية التجسد كله : أن يتحد بنا كلمة الله فيدخل فينا كزرع إلهي لكي نُثمر به . و لقد عبّر هو نفسه عن غاية مجيئه الى الأرض قائلا : (( جئت لألقي نارا على الأرض )) لو 12 : 49 ،،،،، فقد جاء حقا ليدخل هو نفسه كنار إلهية (( إلهنا نار آكلة )) داخل قلوبنا العواقر حتى تشتعل به فتثمر له ثمر الروح .





ج - الثيئوتوكيات :
من الأمور المسلّم بها أن الثيئوتوكيات من وضع القديس كيرلس الكبير أو على الاقل انها امتداد للتراث الروحي الذي خلّده . فكثيرا ما نجد فيها تعبيرات لاهوتية و تشبيهات و تصويرات كتابية متكررة أيضا في عدة مواضع من كتابات القديس كيرلس .

و بخصوص تشبيه التجسد بالعُرس الروحي نجد في ثيئوتوكية الأربعاء امتداداً لفكر القديس كيرلس . فهي تحيِّي القديسة العذراء مريم بصفتها (( الخدر )) أي موضع العُرس الذي تم بين البشرية و العريس الإلهي :

السلام للخدر
المزيَّن بكل نوع
الذي للختن الحقيقي
الذي اتحد بالبشرية


و (( الخدر )) هو حجرة العُرس أو (( موضع العُرس )) بحسب اللفظ القبطي و بهذا المعنى فإن أحشاء العذراء هي الموضع الذي اتحد فيه اللاهوت بالناسوت اي اتحد فيه الله بالبشرية اتحادا سرياً في عُرس روحي من نوع فريد .

و نفس هذا المعنى يتكرر في ربع آخر من نفس الثيئوتوكية ، اذ يقول إن العذراء هي :

الخدر الطاهر
الذي للختن النقي

و أيضا في ثيئوتوكية السبت ( القطعة الثالثة ) نجد لفظ (( الخدر )) يطلق على العذراء . و يُلاحظ في كافة هذه المواضع أن العذراء لا تُعتبر هي العروس بل الخدر ، أي موضع العُرس ، على اعتبار ان العرس الإلهي قد تم داخل احشائها بين المسيح الختن الحقيقي و بين البشرية كلها ، و ذلك على اعتبار ان اتحادنا بالله قد بدأ سرا منذ أول لحظة اتحد فيها الكلمة بالناسوت المقدس الذي اخذه من العذراء .



+ توضيح لاهوتي : إن تشبيه اتحادنا نحن بالله بالعرس الروحي لا تقابله أية صعوبة من الوجهة اللاهوتية . اما تشبيه اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص المسيح بالعرس الروحي فهو يحتاج الى بعض الحذر في استخدامه . فهو كمثل كافة التشبيهات يصف الحقيقة الروحية من احدى نواحيها فقط ، و لكنه يقصر عن التعبير عن كمالها . و القديس كيرلس يقول في ذلك : (( ينبغي ان نعتبر في الصور و الامثلة وجه المشابهة المناسب فيها . فإنها قاصرة عن التعبير عن الحقائق ، و غاليا ما تقدم لنا فقط جانبا جزئيا من الامور التي تُشير اليها )) < تفسير لو 5 : 14 ، ب . ج 72 : 561 > ... فتشبيه اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص المسيح بالعرس الروحي و لو انه يعبّر تعبيرا بليغا عن مقدار الحب الكائن في هذا الاتحاد ، الا انه قاصر تماما عن التعبير عن الوحدة المطلقة التي نتجت من هذا الاتحاد . و لهذا السبب حرص آباء مجمع افسس ان بحددو نوعية هذا الاتحاد قائلين انه اتحاد (( اقنومي )) أي اتحاد كامل مطلق قد تم داخل الاقنوم الواحد الذي لكلمة الله المتجسد .



يتبع