الجزء الثاني
الكنيسة الأرثوذكسية لا تقبل بعقيدة المطهر التي أعلنها الفاتيكان عبر مجامعه التالية للإنشقاق بين روما والبطريركيات الشرقية عام 1054 ، وترفض بشكل قاطع اعتمادها " كعقيدة مُلزٍمة " ، حيث أنها لا تجد الأدلة الكافية والواضحة عليها في التقليد الرسولي والآبائي، وهي من أسرار الله الغامضة عن البشر والتي لا يجوز تصورها وتصويرها بالشكل المادي الذي هي عليه هذه العقيدة.
ترى الكنيسة الأرثوذكسية أن موضوع " المطهر " هو من إفرازات - نتائج - اللاهوت السكولاستيكي، الذي يسعى لإيجاد معانٍ لأسرار الإيمان عبر المنطق والعقل، وهذا ما يعترف به الأب الدكتور أغسطينوس موريس من الكنيسة القبطية الكاثوليكية.
في المنشور العقائدي للبابا بنديكتوس الثاني عشر 1336 جاء " إن نفوس الأبرار الطاهرة تماماً تذهب إلى السماء فوراً بعد موتها وذلك قبل قيامة الجسد والدينونة العامة ... بينما النفوس التي هي في حالة الخطيئة المميتة تذهب حالاً بعد موتها إلى الجحيم حيث تقاسي عذاباً أبدياً " ، وجاء في نصوص مجمع تريدنت " إن الذين يخرجون من هذه الحياة وهم نادمون حقاً وفي محبة الله، ولكن قبل أن يكفّروا عن خطاياهم في أعمال توبة كاملة، تتطهّر نفوسهم بعد الموت بعقوبات مطهّرة ". وجاء في مجمعي ليون وفلورنسا " إن التائبين الذين ماتوا بعد أن غُفِرت خطاياهم يجب عليهم أن يؤدّوا في الحياة الأخرى ما تبقى عليهم من التعويض المفروض ".
لا سبيل لمعرفة مدة التكفير هذه، فلكلّ نفسِ حسب ما ارتكبت، ويرى مجمع تريدنت أنه " في المطهر تُغاث النفوس السجينة بإسعافات المؤمنين ولا سيما ذبيحة المذبح الطاهرة والصلوات والصدقات وسائر أعمال التقوى التي درج المؤمنون على تقديمها بعضهم لأجل بعض وفق قوانين الكنيسة ".
نرى فيما سبق أن المعذبين في المطهر ليسوا هم الأبرار ولا الأشرار، بل هم المؤمنون التائبون والنادمون على خطاياهم إلا انهم لم يكفّروا عن خطاياهم بالشكل الكافي في هذه الحياة. كما ترى الكنيسة الأرثوذكسية أن اللاهوت الكاثوليكي يخلط كثيراً بين فاعلية الصلاة لأجل الموتى وبين وجود أنفسهم في " السجن - المطهر - حتى يوفوا الفلس الأخير " ( حسب تفسيرهم لمتى 5: 25-26 ).
وهنا طرحت الكنيسة الأرثوذكسية السؤال الحقّ :
لماذا قدم الرب ذبيحته إذاً ؟ أليست كفارةً عن خطايانا ؟
يقول القديس يوحنا الرسول في رسالته الجامعة الأولى " إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً " ( 1يو2: 1-2 ). ويتابع الرسول الحبيب الذي اتكأ على صدر المسيح يوم العشاء الأخير قائلاً " إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم " ( 1 يو1: 9 )، ويقول القديس بولس الرسول " متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله " ( رو3: 24 ). وآيات أخرى لا حصر لها تؤكد أن الرب يسوع هو كفارة لخطايانا وليس مطلوب منا غير التوبة الحقيقية وهجر حياة الخطيئة وقبول تلك النعمة المجانية المعطاة لنا بيسوع المسيح ربنا. كما يتضح من آيات يوحنا الإنجيلي أن التطهير يتم بمجرد التوبة الحقيقية والإعتراف بذبيحة المسيح كفارة تامة غير منقوصة لخطايانا.
ترى الكنيسة الأرثوذكسية في مثل " الابن الشاطر " خير توضيح لرأيها الرافض لمنطق المطهر، فهذا الابن الذي عاد تائباً بعد حياة طويلة في ظلام الخطيئة ، وصرخ مستغفراً أبيه " يا أبتِ أخطأت إلى السماء وأمامك ولست مستحقاً أن أدعى لك ابناً فاجعلني كأحد أجرائكَ " ( لو15: 11- 32 ). فبحسب عقيدة المطهر الكاثوليكية كان يتوجب عليه ليس فقط أن يتوب ويندم، بل وأن يكفّر عن خطاياه ويعوّض عن تلك الأعمال غير الصالحة والسنين المظلمة التي أهدرها. إلا أن أباه قبله بفرح - لا بل وسارع إليه يضمه ويقبّله مسروراً بعودته - وأعطاه الحلّة الأولى والخاتم وذبح له العجل المسمّن ولم يعاتبه بكلمة قط.
رسالة المحبة التي بعد القيامة هي " هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي أن يتألم المسيح ويقوم من الأموات في اليوم الثالث وأن يُكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدئاً من أورشليم " ( لو24: 46 )، هو على الصليب حل خطايانا وكفّر عنها نهائياً.
الرب حمل خطايانا، وفداؤه ليس ناقصاً ، لذلك لا تقبل الكنيسة الأرثوذكسية مجرد فكرة وجود نار أو مكان لعقاب " التائبين " أي الذين قبلوا المسيح فادياً ومخلصاً. برأيها العذاب لا يطهّر ولا ينقي، الذي يطهر وينقي هي محبة الله الكاملة في المسيح يسوع. كما أن الخطيئة التي تجرح محبة الله لا يمكن لعذابات محدودة المدة أن تفي حب الله غير المحدود، وبالتالي لا يقبل لا العقل ولا المنطق فكرة المطهر، بل وحده دم الرب يسوع هو الذي داوى هذا الجرح بالمحبة المطلقة " وأي حب أعظم من أن يبذل أحد نفسه فداء عن أحبائه ". فإن كان دم المسيح غير كافٍ للتكفير والتبرير والتنقية والتطهير فالويل لما لأننا هلكنا جميعاً.
يمس المطهر سر الكهنوت المقدس والسلطان المعطى بواسطته من خلال الرسل الأطهار على حل الخطايا وإمساكها، فأي فائدة تبقى من سر الإعتراف والتوبة إن كان " مع وقف التنفيذ " ، وقد قال الرب " من غفرتم خطاياهم غفرت ومن امسكتم خطاياهم أمسكت " ، الرب لم يقل " من غفرتم خطاياهم فإنها سوف تغفر لاحقاً "، كما لا يعني كلام الرب ما يروج له بعض دعاة البروتستنتية من أن الخطايا قد غُفرت سلفاً وبالتالي صار عمل الكهنوت مجرد " تمثيلية لا فائدة منها ".
جاء في المزمور 32 " طوبى للذي غُفر إثمه وسترت خطيتة طوبى للأنسان الذي لا يحسب له الرب خطية ". فما دام الرب لم يعد يذكر خطيئة هذا التائب ولا يحسبها له فهل يعود هناك ضرورة للمطهر؟
يرى الكاثوليك في الآية الواردة في سفر الرؤيا " لا يدخل السماء دنس ولا ما يصنع رجساً وكذباً " (رؤ21: 27) ما يدعم فكرهم حول المطهر. وترى الكنيسة الأرثوذكسية أن التائبين والمعترفين بخطاياهم والمؤمنين بذبيحة الصليب قرباناً عن خطاياهم، هم أنقياء ومطهّرون بدم المسيح الزكي المسفوك لأجلهم ولمغفرة خطاياهم، ويقول سفر الرؤيا نفسه متابعاً في نفس الآية " ولن يدخلها شيء دنس ولا ما يصنع رجسا وكذبا إلا المكتوبين في سفر حياة الحمل" ، ومن هم هؤلاء المكتوبون في سفر الحياة إلا المؤمنين باسمه التائبين عن خطاياهم والمعترفين به رباً ومخلصاً وفادياً ؟
هل يقتضي العدل الإلهي أن يدفع ثمن الخطيئة مرتين: مرة على الصليب من قبل الله نفسه ومرة في المطهر ؟ وهل يقبل المنطق البشري أن يكون هناك " متمم ومكمل " لعمل الله الفادي نفسه الذي به محا خطايانا ؟ وإذا كان العدل الإلهي يعاقب على الأخطاء الغير مقصودة والسهوات والهفوات فنصرخ إذاً من هو الذي يثبت ؟ كما يقول المزمور " على السهوات والهفوات وخطايا الجهل ؟ إذا كان كذلك فلا فائدة فكما نقول فى المزمور " إن كنت تراقب الآثام يا رب يا سيد فمن يقف؟ لأن عندك المغفرة"( مز 130: 3-4 ) .
ويطرح المطهر تساؤلات آخرى لا يجد لها المفسرون الكاثوليك تفسيراً متماسكاً، وهو أن الرب أعطى اللص المصلوب معه ان يكون معه في الفردوس منذ تلك اللحظة التي تاب فيها عن خطاياه واعترف بالمسيح رباً ومخلصاً . الرب لم يحدثه عن المطهر الكفيل بتنقية نفسه من الشرور والآثام التي ارتكبها قبل انتقاله ليكون معه، فلو كانت آلام الصلب المحدودة الزمن بعدة ساعات أو أيام كافية لتنقية اللص من حياة مليئة بالشرور والإجرام ، أليست آلام الأمراض إذاً كفيلة بتنقية حياة تائبين سقطوا في خطاياهم نتيجة لضعفهم وسهوتهم وتذبذب إرادتهم ؟ وهل يحتاجون للمطهر ذو المدة الزمنية غير المحددة؟ وهل يجب أن تقاس مدة التطهير بالأزمنة البشرية وبالأوقات ( 20 سنة، 50 سنة ، 100 سنة ... إلخ )؟
وأخيراً يبقى التساؤل الأخير : هل من العدل والمنطق أن تتطهّر النفس دون الجسد؟ ففي القيامة العامة ستقوم النفس والجسد وسيتحدان كليهما معاً ليدخلا إلى الفرح الأبدي أو العذاب الأبدي، فهل يصحّ أن تتحد تلك النفس التي تطهرت بنار المطهر مع الجسد الذي لم يتطهّر؟ وهل يصبح ذلك الكائن عندئذٍ مستحقاً أن يقترب ويعاين مجد الله ؟
لأجل هذا ترفض الكنيسة الأرثوذكسية عقيدة المطهر بكاملها لأنها تعارض وتنفي عقيدة أخرى هي " عقيدة الفداء " الذي قام به كلمة الله المتجسد على الصليب، والذي وحده " يقدر ان يخلّص ايضا الى التمام الذين يتقدمون به الى الله اذ هو حيّ في كل حين ليشفع فيهم " ( عبر7: 25 ) والذي " ليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة الى الاقداس فوجد فداء ابديا. لانه ان كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس الى طهارة الجسد، فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح ازلي قدم نفسه للّه بلا عيب يطهر ضمائركم من اعمال ميتة لتخدموا الله الحي " ( عبر 9: 12-14 ). ولأن الكتاب ينص صريحاً على عدم وجود مكان للتعذيب او التطهير " وضع للناس ان يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة " ( عبر 9: 27 ).
الكنيسة الكاثوليكية تراجع نفسها
حسناً تفعل بذلك، وحسناً أن تراجع نفسها في الحال الذي وصلت إليه من جراء إعلان عقائد لا تغني ولا تفيد وهي محفوظة في علم الله الذي وحده العالم بكل شيء، ولا يهمنا نحن سوى أن نؤمن بما كلمنا به ونحيا إيماننا هذا.
يقول الأب الياس جانجي في مقال عن المطهر في فكر أوريجانوس ما يلي " ... يجب أولاً فهم النار بمعنى مجازي كما لا يجب تصور المطهر كمكان بل كحدث يتحقق في الإنسان ذاته. من هنا يجب التخلي عن فكرة النار والزمان والمكان ، والتمسك فقط بتصور التطهير الأساسي: ضرورة تطهير الإنسان في سبيل رؤية الله. وأمّا نار المطهر التي تحرق هي قبل كل شيء نار المحبّة الإلهيّة التي تلهب كل نفس يقترب منها .
ومن ناحية أخرى فإن المطهر هو ألم في سبيل الاكتمال . ففي لقائه مع المسيح الديان والمليء بالحب في الوقت نفسه ، تنحل ترسبات الخطيئة في الإنسان ، وتتلاشى بقايا الأنانيّة . من هنا يجب تصور المطهر على أنّه ألم في سبيل الاكتمال ، ألمًا مطوبًا ، لأنّه يحرر ويكمل ، ألما مؤلمًا لأنّه يزيل بقايا الخطيئة التي أصبحت جزءًا من "الأنا" . ليس المطهر إذًا حدثًا محدّدًا يضاف إلى حدث الدينونة ، بل هو وقت من أوقاتها ، كما أن الدينونة هي دينونة ذاتيّة ، فيها يتحمّل الإنسان نتائج خياراته الأساسيّة في حياته . فالإنسان الذي لم يتمم نهائيًّا نموه على الأرض يكمّله في مرحلة ما بعد الموت ، لكي يصل إلى انفتاح كامل على الحب ، لأن ملكوت السماوات هو حب كامل . إذًا من لم يستطع أو من لم يحقق على الأرض قبل موته هذا الحب الكامل ، والأرجح أنه لم يستطع أي إنسان تحقيق ذلك ، يواصل بعد الموت تحقيقه " .
نحن ننظر لهذه المراجعة الكاثوليكية بعين إيجابية ولكن الكنيسة الأرثوذكسية تبقى رافضة للفكرة من كونها تنتقص من كمال لاهوت الفداء والصليب، الأمر الذي بنظر الكنيسة الأرثوذكسية يبقى خارج أي نقاش، لأنه محسوم سلفاً .
المراجع:
- الأب الدكتور أغسطينوس موريس، عقيدة المطهر، كنيسة الأقباط الكاثوليك
- الأب الياس جانجي ، المطهر بحسب فكر أوريجانس ، الكنيسة الكاثوليكية
- الأب الدكتور جورج عطية، اللاهوت الأرثوذكسي واللاهوت المقارن، المقرر الدراسي لطلاب اللاهوت في جامعة البلمند، الكنيسة الأرثوذكسية

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس
المفضلات