الجزء الثالث
قبل الحديث عن أسباب عدم القبول الأرثوذكسي بعقيدة الحبل بلا دنس التي أعلنتها الكنيسة الكاثوليكية يتوجب علينا الوقوف عند خلاصة هذه العقيدة وبعض الحوادث المختصة بها .
كما رأينا ، فإن " الحبل بلا دنس " هي عقيدة كاثوليكية تخص مريم العذراء ، والتي برأي اللاهوت الكاثوليكي قد حُفِظت بريئة من الخطيئة الأصلية منذ لحظة الحبل بها في رحم والدتها، وذلك بنعمة إلهية خاصة حلت عليها، لكي تكون الإناء الطاهر الذي سيحمل خالق الكلّ لاحقاً. وهذه العقيدة ، لا تهدف كما قد يظن البعض إلى تأليه مريم العذراء أو تحويلها إلى أقنوم رابع، بل هي من أجل تأكيد طهارة ونقاء ذلك الإناء البشري الذي منه تجسد كلمة الله.
ومن أجل ذلك أتى في أدبيات الكنيسة البابوية أن السيدة العذراء في ظهورها في 27 ت2 نوفمبر 1830 في شارع دوباك في باريس علمت الأخت كاثرين لابوري صلاةً تقول " يا مريم التي حُبِل بها بلا دنس صلي لأجلنا نحن الملتجئين إليكِ ".. وفي ظهور العذراء في لورد سألت الطفلة برناديت السيدة عن اسمها فجاوبتها قائلةً " أنا الحبل بلا دنس ".هذا ما جعل هذه الظهورات التي توليها الكنيسة الغربية أهمية بالغة موضع شكوك الكنيسة الأرثوذكسية ، ولذلك أسباب سنعرضها تباعاً.
ولفهم أفضل لحيثيات هذه العقيدة فإنه علينا أن نعرف المفهوم الكاثوليكي للخطيئة الأصلية والمتأثر لحد كبير بلاهوت المغبوط أوغسطينوس ، في معرض دفاعه عن الإيمان المسيحي ضد هرطقة بيلاجيوس. ففي حين كان بيلاجيوس يدّعي أنّ الإنسان يستطيع بقواه الخاصّة الحصول على الخلاص، أكّد أوغسطينوس ضرورة الخلاص بالمسيح، مرتكزًا على فساد الطبيعة البشريّة بعد خطيئة آدم وحوّاء في الفردوس. فهذه الخطيئة بالنسبة لأوغسطين تنتقل بالوراثة إلى كل إنسان يولد من نسل آدم. وينتج عنها أنّ الإنسان يولد خاطئًا، بحيث إنّه إن لم يعتمد لا يمكنه الحصول على الخلاص. كما ينتج أيضاً من وراثة الخطيئة الأصليّة انحراف إرادة الإنسان واستعبادها للشهوة. فكلّ إنسان يولد إذن خاطئًا ومستعبَدًا للشهوة. ويضيف اغسطينوس نتيجة ثالثة هي أنّ الإنسان، بخطيئة آدم وحوّاء، صار مائتاً وفقد الخلود الذي كان الله قد زيّنه به عندما خلقه.
أمّا بشأن مريم العذراء، فيرى أوغسطينوس أنّ مريم العذراء قد تحرّرت كلّيًّا، بنعمة خاصّة، من الخطيئة الأصليّة، ولا سيّما من الاستعباد للشهوة والخطيئة. وقد منحها الله هذه النعمة عندما ولدت. ولا يوضح أوغسطينوس أيّ شيء بالنسبة إلى عدم الموت في تلك النعمة الخاصّة، أي لا يتكلم عن نزاهة مريم العذراء عن الموت البشري الذي يختبره كل إنسان مولود في الخطيئة الأصلية.
الكنيسة الأرثوذكسية رفضت هذه العقيدة، كما رفضت الإعلان عنها من خلال ظهورات للعذراء متزامنة مع الفترة التي أعلن فيها الفاتيكان أن " الحبل بالعذراء بلا دنس " هو عقيدة موحاة وملزمة.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس
المفضلات