لقد تم في يوم البشارة حمل مباشر بالمسيح بقوة وفعل الروح القدس. في إحدى الثيوطوكيات ننشد: "إن جبرائيل لمّا تفوه نحوك أيتها العذراء بالسلام، تجسد الرب فيك". هذا يعني أن الحمل لم يحتَج لساعات وأيام لكنه حدث بالضبط في تلك اللحظة. رئيس الملائكة جبرائيل أخبر يوسف خطيب والدة الإله: "لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حُبل به فيها هو من الروح القدس" (متى 1:20). لقد ولدت العذراء مريم المسيح كإنسان لكن الحبل به كان من الروح القدس.

في تفسيره لهذه الآية، وتحديداً عبارة "مولود من الروح القدس"، يقول القديس باسيليوس الكبير أن كل شيء صادر عن شيء غيره يُدل عليه بكلمات ثلاث. الأولى هي "بالخلق"، أي كما خلق الله العالم بقوته. الثانية في "بالولادة" أي كما وُلد الابن من الآب قبل الدهور. الثالثة هي "طبيعياً" تماماً كما تصدر القوة من كل طبيعة، أي الإشراق من الشمس، وبشكل أكثر تعميماً العمل من فاعله، في ما يتعلق بالحبل بالمسيح بالروح القدس، فالتعبير الصحيح هو أنه حُبل بالمسيح بقوة الروح القدس بالخلق وليس بالولادة ولا طبيعياً.

يعلّم القديس يوحنا الدمشقي أن ابن الله وكلمته ضم إلى نفسه، بدماء والدته النقية والطاهرة، الجسد الحي إلى نفس عقلية ونوسية، ليست من زرع بل مخلوقة بالروح القدس. بالطبع، عندما نتحدث عن الحبل بالمسيح في رحم والدة الإله بقوة الروح القدس وفعله المُبدع يجب ألا نفصل الروح القدس عن الثالوث القدوس. معلوم من التعليم الآبائي أن قوة الإله الثالوثي مشتركة. خلق العالم وإعادة خلق الإنسان والعالم تمت وتتم بقوة الإله الثالوثي المشتركة. بالتالي، لم يخلق الروح القدس جسد المسيح وحده بل الآب أيضاً والابن، اي كل الثالوث القدوس. التعبير عن هذه الحقيقة هو أن الآب أيّد تجسد ابنه، وابن الله وكلمته بذاته اجترح تجسده والروح القدس أنجزه.

لقد تم الحبل بالمسيح في رحم مريم بصمت وسرية وليس بجبلة وضجيج. لم يكن أحد لا من الناس ولا الملائكة ليفهم هذه الأمور العظيمة التي كانت تجري. لقد تنبأ النبي العظيم داود بهذا الحدث قائلاً: "ينزل مثل المطر على الجزاز ومثل الغيوث الذرافة على الأرض" (مزمور 71: 6).

تماماً كما أن المطر الذي ينحدر على الجزة لا يسبب أي صوت أو أي فساد، الشيء نفسه تم خلال البشارة والحبل. لم يسبب المسيح بالحبل به أي تشويش أو فساد لعذرية العذراء مريم. لهذا السبب بقيت العذراء مريم عذراء قبل الولادة وفي الولادة وبعدها. هذه هي النجمات الثلاث التي يضعها رسامو الأيقونات دائماً على جبين العذراء مريم وعلى كتفيها.

المصدر: الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، بشارة العذراء مريم، الأعياد السيدية، (دمشق: منشورات مكتبة البشارة، 2009) ص ص 30- 31



اقرأ أيضاً:

ميلاديات - بشارة العذراء مريم (1)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (2)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (3)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (4)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (5)
ميلاديات - بشارة العذراء مريم (6)

ميلاديات - بشارة العذراء مريم (7)

ميلاديات - بشارة العذراء مريم (8)

ميلاديات - بشارة العذراء مريم (9)

ميلاديات - بشارة العذراء مريم (10)