[align=justify]الموسيقى الكنسية من القرن الرابع عشر و حتى سقوط القسطنطينية :

في النصف الأول من القرن الرابع عشر ظهر التأثير الكبير لناظم التراتيل و الملحن يوحنا غليكيس و تلاميذه ( في القسطنطينية ) الذين شكل عملهم النبع و الأساس للنغم البيزنطي و استمر تأثيرهم في القرون اللاحقة و حتى أيامنا الحالية.


عمل يوحنا غليكيس و تلاميذه في التأليف و التدوين الموسيقي و قاموا بحفظ التقليد الشفهي السماعي عن طريق التدوين كما كونوا العديد من الجمل الموسيقية المركبة الفخمة و التي نجدها في قطع متعددة.

من أبرز تلاميذ يوحنا غليكيس القديس يوحنا كوكوزيليس الأكثر شهرة بين المرتلين الكنسيين عبر التاريخ.

تعلم يوحنا باباذوبولس الملقب كوكوزيليس في مدرسة القصر الملكي في القسطنطينية ثم عين معلماً و مدير المنشدين في القصر لسعة معارفه و مقدرته و مرنماً أول في كنيسة البلاط. بسبب ميله للحياة النسكية هرب و التجأ إلى أحد الأديرة في جبل آثوس في اليونان على أنه متسول فقير فوكلوا إليه رعاية قطيع المعز.


سمع أحد النساك يوماً “راعي المعز” و هو ينشد فانذهل من جمال ترتيله فشُهر أمره و استبدل رئيس الدير وظيفته، فعاد يوحنا منذ ذلك الحين إلى عمله الموسيقي و تلحين التراتيل.


قام يوحنا بإلباس التراتيل القديمة ألحان جديدة مزركشة، كما أسس لمدرسة في الإبداع الصوتي في اللحن الكنسي، و أسس لطريقة جديدة في توزيع الكلمات في الألحان المطولة تقوم على تقسيم الكلمة و تكرار أجزاء منها ضمن سياق اللحن و هو المؤسس الرئيسي للجمل الموسيقية الكلاسيكية التي تتكرر في الكثير من الألحان الكنسية. لقب يوحنا كوكوزيليس بـ “أستاذ الأساتذة” و “الموسيقار” و غيرها من الألقاب و طوّب قديساً في الكنيسة.

بالإضافة إلى تلحينه العديد من التراتيل طور العلامات الموسيقية و زاد عليها الكثير و هو الذي أدخل العلامات الموسيقية المقسمة للوقت فأصبح من الممكن تدوين تقسيمات الزمن الصغيرة ( نصف و ثلث و ربع الوحدة الزمنية ) بعد أن كان التقسيم الزمني يعتمد على الحفظ السماعي.


انتشر أسلوب التدوين الحديث شيئاً فشيئاً حتى عمّ بلاد المشرق في القرن الخامس عشر، و كان عمله ضمان لاستمرارية التقليد الموسيقي القديم بعد سقوط القسطنطينية.


من الملحنين المشهورين قبل سقوط القسطنطينية أيضاً مانويل خريسافي ( منتصف القرن الخامس عشر ) و غريغوريوس نبوتي و قد قاما بتدوين أعمال الملحنين السابقين غير المدونة. و تعود أهمية مانويل خريسافي إلى أنه حسّن و أبدع في تلحين العديد من القطع القديمة و أضاف ألحان كثيرة جديدة و متميزة.


الموسيقا الكنسية بعد سقوط القسطنطينية :

بعد سقوط القسطنطينية بحوالي قرن أي في القرن السادس عشر و السابع عشر بدأت الموسيقا الكنسية في العودة إلى التقليد القديم ( قبل السقوط ) في ما عرف بمرحلة المتابعين و المحدّثين للتقليد و ذلك نتيجة لنسخ عدد كبير من المخطوطات القديمة و ظهرت أسماء كبيرة كثيرة في القرن السابع عشر في مجال التلحين الكنسي اعتبروا بموازاة ملحني القرن الرابع عشر أهميةً.

تسمى الفترة 1170 حتى 1670 تقريباً مرحلة إكمال و خلق العلامات في التدوين البيزنطي, و تسمى الفترة اللاحقة 1670 حتى 1814 المرحلة العبورية التفسيرية للتدوين البيزنطي حيث نشأت بعد ذلك مرحلة المنهج التفصيلي الحديث المستمر حتى اليوم.


في القرن الثامن عشر و التاسع عشر من أهم الأسماء بطرس البيريكيتي و بنايوتيس خلاجغلو و يعد الأخير أول من لحن على مقام الكرد الذي أخذه عن الموسيقا العربية.


نذكر كذلك بطرس الموري و هو ملحن تركي و مطرب السلاطين العثمانيين و قد بسط التدوين الموسيقي و قام بإدخال سلم “عجم” على الموسيقا الكنسية.


يقول الأستاذ غريغوريوس ستاثي قائد جوقة معلمي الترتيل في أثينا و مؤسس فرع علم الموسيقا البيزنطبية في جامعة أثينا “الموسيقا اليونانية و كل موسيقات الشعب السلافي الأرثوذكسي حتى حدود 1820 لم تتعرف و لم تتأثر بأي نمط خارج عن الثقافة اليونانية باستثناء الموسيقا العربية و الفارسية مخصصة إياها في الألحان الخارجية” و يقصد بالألحان الخارجية الألحان التي لا تدخل ضمن تصنيف الألحان الثمانية التقليدية. لكن الوضع قد اختلف الآن حيث أصبحت نغمات الحجاز و الهزام و العجم جزءاً لا يتجزأ من بنيان الألحان البيزنطية.

لا يمكن كذلك أن نتجاهل عدد من الملحنين الهامين جداً في تلك الفترة مثل يوحنا لامباذاري و تلاميذه دانيال المرتل الأول و بطرس لامباذاريوس و يعقوب المرتل الأول و بطرس البيزنطي الذي قام بوضح ألحان جديدة لكتاب القياميات و هو كتاب يشمل تراتيل صلوات السبت مساءً و الأحد صباحاً بالألحان الثمانية.


من القرن التاسع عشر حتى اليوم :

ظهرت في القرن التاسع عشر حاجة ملحة لإعادة ترتيب تصنيف الألحان البيزنطية بعد إدخال الكثير من التطورات و العناصر الجديدة إليها القادمة من الموسيقا العربية و إعدادها في قالب واضح يخدم عملية التصنيف الأكاديمي و التعليم و هذا ما دعي بالإصلاح، و كان من أبرز رواد الإصلاح المطران خريسنثوس المديتي ( أواخر القرن الثامن عشر – 1843 ) و غريغوريوس المرنم الأول ( 1777 – 1822 ) و خورموزيوس أمين مخطوطات بطريركية القسطنطينية ( أواخر القرن 18 – 1840 ) الذين وضعوا أسس الموسيقا البيزنطية و أصبحت على الشكل الذي نراها فيه اليوم.


المطران خريسنثوس المديتي يعد المؤسس للمنهج التفصيلي الحديث في التدوين الموسيقي البيزنطي و الذي يعمل به في أيامنا الحالية، و أدخل بشكل رسمي نغمات الحجاز في الألحان البيزنطية و كذلك سلالم النيشامبور و الحصار و المستعار و العجم، حيث كانت تستعمل قبل ذلك في الألحان البيزنطية دون أن يكون لها تصنيف ضمن الألحان.


كذلك قام غريغوريوس المرنم الأول بوضع العديد من الإشارات من أجل التحويل بين السلالم الموسيقية و قام بتلحين أنغام عديدة يرتل يها اليوم و ساهم في نشر طريقة التدوين الحديثة.


أما خرموزيوس أمين مخطوطات بطريركية القسطنطينية فقد قام بوضع كتب هامة في الموسيقا النظرية و العملية و دراسات موسعة للإشارات الموسيقية القديمة و الحديثة.


تدعى طريقة التدوين الحديثة أحياناً بطريقة المعلمين الثلاثة و يقصد بهم المطران خريسنثوس و غريغوريوس و خورموزيوس المذكورين أعلاه.

الموسيقا البيزنطية في البلاد العربية في العصر الحديث :

كانت اليونانية لغة العبادة في بطريركية إنطاكية للروم الأرثوذكس ( المشرق العربي ) حتى القرن التاسع عشر، مع وجود بعض المحاولات لترجمة النصوص إلى السريانية أو العربية، و معظم مرتلي الكنائس في المدن الكبرى كانوا يونانيي الأصل. بدأ الترتيل باللغة العربية يظهر بأكثر تواتر بين 1870 و 1880 على يد المرنم الأول في الكرسي الإنطاكي يوسف الدوماني الذي حضر من القسطنطينية لتعليم الموسيقى الكنسية البيزنطية بدعوة من البطريرك جراسيموس ( 1850 – 1885 ) لكن تقليد يوسف الدوماني لم يكتب و إنما توارثه المرتلين شفهياً، و بدأ التدوين مع تلميذه الشهير متري المر ( 1880 – 1969 ).


راجع متري المر الصياغة العربية للتراتيل الكنسية و دون قسماً كبيراً منها وفق الألحان اليونانية كما لحن الكثير من التراتيل بألحانٍ من وضعه، و متري المر هو أيضاً واضع ألحان الكثير من الألحان غير الدينية المعروفة مثل “يا لور حبك”، “تعالي إلي فؤادي يناديك”، “ظبية الأنس إلي”، “اذكري”. و هو أيضاً واضع لحن النشيد الوطني السوري السابق للنشيد الحالي و هو نشيد “نادت الأوطان هيّا” و غيره من الأناشيد الوطنية.


تقلد متري المر منصب المرنم الأول في بطريركية إنطاكية كما تقلد منصب رئيس المعهد الموسيقي ( الكونسرفاتوار ) في لبنان، و كان ذو ثقافة موسيقية غربية و شرقية واسعة جداً، متبحر في التدوين الموسيقي البيزنطي و الغربي و قواعد الهارموني، و نجد في أعماله المزج بين أنواع موسيقية مختلفة حيث نلحظ تأثر ألحانه غير الدينية بالموسيقا الكنسية و تأثر ألحانه الكنسية بالموسيقا العربية؛ إذ استعمل في ألحانه الكنسية المقامات العربية مثل النهاوند الكبير و الزنجران و الحجاز كار. امتازت ألحان متري المر الأصيلة ( غير التي نقلها عن ألحان يونانية ) بالكثير من الإبداع و قوة التعبير و التصوير. من أبرزها ألحان تراتيل : “إن يوسف لما شاهد الشمس”، “افرحي أيتها الملكة”، “أيها المتردي النور كالثوب”، “إن المرأة التي سقطت”، “المجد لك يا مظهر النور” من مقام الحجاز كار و غيرها الكثير. وضع متري المر سبعة كتب موسيقية بالتدوين البيزنطي تعد المرجع الأساسي للترتيل اليوم.


إذا ذهبت إلى إحدى كنائس الروم الأثوذكس أو الروم الكاثوليك في سورية أو لبنان فإنك في الغالب ستسمع ألحاناً من وضع أو تعريب متري المتر، أو ألحاناً متأثرة تأثراً كبيراً بأسلوبه.


من تلاميذ متري المر اللامعين ابنه فؤاد المر الذي تابع نشر العديد من أعمال والده غير المطبوعة بعد وفاته كما قام بوضع العديد من الألحان الجميلة و كذلك اندراوس معيقل مرنم كنيسة المريمية في دمشق و بعدها مرنم كاتدرائية القديس جاورجيوس في بيروت الذي وضع العديد من الألحان التي امتازت بالعظمة و الفخامة.


أيضاً من تلاميذ اندراوس معيقل نذكر إيلي خوري الذي وضع ألحاناً عديدة متميزة و يرتل حالياً في باريس. و من المرتلين اللامعين إيليا الرومي المرتل الأول، و ديمتري كوتيا المرتل الأول في طرابلس حاليا و هو من أكثر المرتلين تمايزاً بطابع شرقي في أداء الموسيقا البيزنطية.


من الباحثين و الملحنين الذين كان لهم أثر كبير الأرشمندريت أنطون هبي الذي وضع دراسات و أبحاث هامة في مجال الموسيقا البيزنطية و كتباً تعليمية كما وضع بعض الألحان.


نجد اليوم أيضاً عدداً من الملحنين المتميزين الذين يبدعون ألحاناً متميزة نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، الأب نقولا مالك الأستاذ السابق لمادة الموسيقا البيزنطية في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في البلمند، و الأسقف يوحنا يازجي أسقف الحصن.


أخيراً نتمنى أن يحظى هذا الفن العريق و الذي كانت سورية مهده الأصلي بالمزيد من الاهتمام و كذلك التطوير و التحديث المستمر لأنه ليس فناً فولكلورياً جامداً بل هو فن سامي كان و مازال يربط المؤمنين بخالقهم بحمده و تمجيده.[/align]