6- الله والانسان
هل انكشفلنا، من خلال ما قلناه، وجه الله الحقيقي؟ لربما لم يتضح لنا وجه الله في ذاته بقدرما اتضح لنا وجه الله في علاقته بالانسان. فالله في ذاته لا يستطيع انسان أن يراهويبقى حياً. اننا نبقى إزاء سرّ الله كموسى الذي ظهر له الله على جبل سيناء فطلبإليه أن يريه وجهه فقال له الله: "لا يستطيع انسان أن يراني ويبقى حياً". لم يقدرموسى أن يشاهد وجهه، لكنه شاهد مجده أي بعضاً من حضوره، لم يعرف موسى الله إلا منخلال عمله. فلما أخرج الله شعبه من عبودية مصر، عرف موسى ان الله هو إله الخلاصوالمحبة والحرية.
أ- يسوع المسيح طريق الانسان إلىالله
هكذا في العهد الجديد أيضاً عرفنا الله من خلالابنه يسوع الذي هو حضور الله بالجسد.
جميع الذينيؤمنون بالإله الواحد يعترفون بأن الله هو خالق الكون وخالق الانسان. وجميع الذينيؤمنون بالوحي يعترفون بأن الله قد أوحى بذاته للانسان بواسطة أنبيائه ومرسليه. إلاأن الإيمان بالإله الواحد يتَّسم في المسيحية بسِمَة خاصة. فإله الكون وخالق الدنياالذي يؤمن بوجوده المسيحيون والمسلمون واليهود معاً هو، تبعاً للإيمان المسيحي، إلهالمحبة الذي لم يكتفِ بإظهار وجوده في الكون والطبيعة وإعلان إرادته لبعض الأنبياءالمختارين كإبراهيم وموسى عند اليهود ومحمد عند المسلمين، بل ظهر شخصياً في تاريخالبشر وأوحى بذاته في شخص ابنه وكلمته يسوع المسيح، ليشرك البشر جميعاً في حياتهالالهية.
"ان الله، بعد إذ كلَّمَ الآباء قديماًبالأنبياء مراراً عديدة وبشتى الطرق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام الأخيرة، بالإبنالذي جعله وارثاً لكل شيء كما وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء مجده، وصورةجوهره، وضابط كل شيء بكلمة قدرته".(عبرانيين 1: 1- 3)
بهذا يتميّز الايمان المسيحي عن إيمان اليهودية والاسلام: "انالناموس قد أُعطي بموسى، وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصلا. الله لم يره أحدقط، الإله، الابن الوحيد الذي في حضن الآب، هو نفسه قد أخبر" (يو 1: 17، 18)
ان الناموس الموسوي هو الطريق الذي يقود اليهودإلى الله، والقرآن المحمّدي هو الطريق الذي يقود المسلمين إلى الله؛ أما الطريقالذي يقود المسيحيين إلى الله فهو شخص يسوع المسيح، ابن الله المتجسّد، الذي هو "الطريق والحق والحياة ولا يأتي أحط إلى الآب إلا به" (يو 14: 6).
ماذا يعني شخص يسوع المسيح بالنسبة إلى البشر؟ لقد تمّ في شخص يسوعالمسيح اتحاد الله والانسان. فيسوع المسيح هو ابن الله الذي أظهر لنا الإلهالحقيقي، وهو الانسان الكامل الذي كان، في عمق كيانه وفي كل حياته، متّحداً اتحاداًتاماً بالله الآب. لذلك حقّق في ذاته وفي حياته حلم الانسان الدائم ببلوغ الاتحادالكياني بالله.
ان المسيحيين، بقبولهم يسوع المسيحواتحادهم به، يكرزون برؤية جديدة للكون وللواقع الانساني. فالكون الذي يرى فيه كلمؤمن وجه الله الخالق يرون هم فيه أيضاً وجه الله المخلص، بيسوع المسيح الكائنالجديد الذي حقق في الكون الخليقة الجديدة وصالح الانسان مع الله ومع نفسه ومعالآخرين.
نؤمن نحن المسيحيين أن الكيان الانساني قدظهر في الوجود والتاريخ دون نقص أو اعوجاج في شخص يسوع المسيح الذي، باتحاده العميقبالله في كيانه وحياته، تغلَّبَ على المخرّب والضياع وبلغ كمال الانسانية. انالكائن الجديد قد ظهر في شخص يسوع المسيح. وهذا الكائن الجديد وحده يطابق جوهرالانسان ما يجب أن يكون.
وعلى هذا الإيمان نرتكزلنؤكد أن الانسان يستطيع أن يتغلّب على ما يشعر به من تغرّب وضياع وقلق ويحقّق مايصبو إليه في عمق كيانه. فالبشر لا يطلبون جواباً نظرياً على تغرّبهم وقلقهم، بليطلبون السيطرة على تغرّبهم والخلاص من قلقهم، وهذا ما يجدونه في الاشتراك فيالكيان الجديد الذي ظهر في شخص يسوع المسيح. عندما يعتمدون بالمسيح يلبسون المسيحويصبحون خلائق جديدة: "أنتم الذين للمسيح اعتمدتم المسيح قد لبستم" (غلا 3: 27)؛ "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، فالقديم قد اضمحلّ وكلّ شيء قد تجدّد" (2كور 5: 17).
لقد رأينا في الفصل الأول أن هناك ثلاثةأنواع من الخاطر تهدّد الانسان في أبعاد كيانه الثلاثة: فالشعور بالفراغ والعبثيهدّدانه في كيانه الروحي، والشعور بالذنب والهلاك الأبدي يهدّدانه في كيانهالأدبي، والمصائب والموت تهدّده في وجوده وحياته. وقد أظهر لنا يسوع في حياتهوأعماله وموته وقيامته انّ من يؤمن بالله ويحيا متّحداً به لا يمكن أن يخاف من بعدأو يقلق إزاء أي من تلك الخاطر.
فلا شعور من بعدبالفراغ والعبث عندما نعلم أن لحياتنا قيمة لامتناهية، إذ ان الله أحبّنا إلى حدّأنه بذل ابنه الوحيد لأجلنا.
ولا شعور من بعد بالذنبولا خوف من الهلاك الأبدي عندما نعلم أن الله هو إله الرحمة والمغفرة الذي لا يريدموت الخاطئ بل يسعى إليه كالراعي الصالح ليعيد إليه الحياة، وينتظر عودته كما ينتظرالأب الرحيم عودة ابنه الضالّ.
ولا خوف من بعد أمامالمصائب ولا قلق أمام الموت، عندما نعلم أن الله نفسه يمنحنا قوته لنتغلب علىالمصائب ونزيل الشرّ من العالم، وننتصر أخيراً على الموت وندخل مع ابنه القائم منبين الأموات إلى الحياة الأبدية.
ب- حياة الانسان معالله
يتساءل بعض الناس اليوم: ماذا يفيد الانسان أنيؤمن بالله في عصر الذرّة والعلم والتقنية؟ لقد توصل العلم إلى اكتشاف أسرار الكونوتوصلت التقنية المعاصرة إلى تلبية معظم حاجات الانسان المادية. فما الحاجة بعد إلىالايمان بالله؟
لا يهدف الايمان بالله إلى كشف أسرارالكون للانسان ولا إلى تلبية حاجاته المادية. "نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل". الإيمان بالله، في المسيحية، هو الإيمان بأن الله هو أب لجميع البشر، وبأن هذا الأبقد أوحى لنا بذاته في شخص ابنه يسوع المسيح ليصبح كل إنسان في المسيح ابناًلله.
الله محبة، والمحبة علاقة بين أشخاص. لذلكفالإيمان بالله هو أولاً الإيمان بأن الله بادرنا بالمحبة وأعطانا ابنه الوحيدليظهر لنا عمق تلك المحبة ويكون هو نفسه العلاقة بيننا وبين الله، وهو ثانياًالدخول إلى تلك المحبة والحياة بموجبها.
وبقدر مايحيا المسيحي بموجب تلك المحبة، وبقدر ما تتوطّد أواصر العلاقة بينه وبين المسيح،بقدر ذلك ينكشف له الله: "مَن كانت عنده وصاياي وحفظها، يقول يسوع، فهو الذي يحبني،والذي يحبني يحبّه أبي، وأنا أُحبّه وأُظهر له ذاتي" (يو 14: 21). لن يظهر اللهذاته للانسان ولن يعرف الانسان الله إلا بقدر ما يحفظ الانسان وصايا الله ويحيا فيالمحبة. فكما ان المعرفة بين الأشخاص تزيد بقدر ما تزيد محبتهم بعضهم لبعض، كذلكتنمو معرفتنا لله بقدر ما تنمو محبتنا له: "إن أحبّني أحد يحفظ كلمتي، وأبي يحبّه،وإليه نأتي، وعنده نجعل مقامنا" (يو 14: 23).
الهدفمن الإيمان بالله هو البلوغ بالانسان إلى أن يحيا في ذاته حياة الله، فيقيم اللهفيه ويقيم هو في الله. عندئذٍ يسيطر على قلقه وضياعه وتغرّبه، ويجدّد كيانه علىصورة المسيح يسوع ابن الله القائل: "أنا في الآب والآب فيَّ" (يو 14: 10).
"إن الله لم يشاهده أحد قط، ولكن إن نحن أحببنابعضنا بعضاً، أقام الله فينا، وكانت محبته كاملة فينا" (1 يو 4: 12).
الله لم يره أحد قط، ولكن من يحيا في المحبةعلى مثال المسيح وبالاتحاد معه يستطيع أن يختبر الله، ولن نقوى نحن المسيحيين علىأن نقود الناس إلى الايمان بالله وإلى اختبار الله في ذواتهم إلا عن طريقالمحبة.
"إنّ الله محبة. فمن ثبت في المحبة ثبت فيالله وثبت الله فيه" (1 يو 4: 16).
منقول

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات