حيادي
الحرية البشرية هي المسؤولة عن الخير والشر. والمحبة هي المعيار. الكتاب المقدس بعهده الجديد، وكما فسره وعاشه الآباء اللاحقون، استبدل مفهوم الغنى. المال في الفكر المسيحيّ، بحد ذاته، ليس خيراً ولا شراً، إنما هو أمر حيادي يتحدد صلاحه في كيفية استخدامه.[24]الأمور الصالحة هي الفضيلة[25]وكل ما هو من أجل الملكوت.[26] وعكسها هي الأمور الشريرة. أغلب فرص الحياة وأمورها هي حيادية بطبيعتها، يعود للإنسان تحديد مصيرها الصالح، بحريته وخياره وطريقة استخدامه لها.
فكما أنه لا فرق بين إنسان أسود أو أبيض كذلك لا فرق بين أن نغنى أو أن نَفقر،[27] (القديس الذهبي الفم). الغنى فقط عندما يترافق مع حياة الفضيلة. المال بيد إبراهيم وأيوب كان أسلحة برّ وفضيلة.
مَثلُ الغني ولعازر يَدينُ الغني ليس لغناه، بل لقساوة قلبه ولِلا إنسانيته ولعدم تحنُّنه. الروح النبوية عند الآباء لم تقاوم المال ولا تهجمت على الأغنياء، ولكن أنبَّت الاستخدام السيئ والبذخ والإتراف.[28] فالغنى لا يقتضي وجود الجشع. بولس عندما يوصي "على أغنياء هذا الدهر ألا يترفعوا"،[29]يعني أنه يميز بين غِنى هذا الدهر وغِنى الدهر الآتي الحقيقي.
غِنى هذا الدهر يحمل اسم الغِنى لا حقيقته عندما يفتقر إلى الفضيلة. لأنه يُقدم لحامله الهموم والأتعاب والترفع، فهو إذن يستحق الاحتقار.[30] إلى مثل هؤلاء المترفين توجهت ويلات الإنجيل.[31] هذا الغنى سماه المسيح أشواكاً، لأنه لا يعطي ثمراً ويجعل حامله مكروهاً من الجميع. لكن الطمع والجشع والترفع ليست مسائل تخص المال بحد ذاته وإنما هي صفات مستخدميه، كصفات الكرم والعمل والإحسان والتواضع في غيرهم.

1.الغنى الحقيقي
عندما يصبح ملكوت الله هو الكنز الحقيقي،[32]واللؤلؤة التي باع مَنْ وجدها كل شيء ليشتريها، عندئذ الغنى الحقيقي هو الافتقار بالروح، لأنه بحسب التطويبة الأولى في إنجيل متى، الفقراء بالروح هم ورثة الملكوت: "طوبى للفقراء إلى الروح فإن لهم ملكوت السماوات".[33]
الفقير بالروح هو الذي يزهد بحريته بالأشياء الكثيرة ليهتم "بالواحد الذي الحاجة إليه". الفقير بالروح هو الذي يشعر أن الله مُتكلُه، ويجعل كنزه في السماء، حيث يستقر قلبه أيضاً.[34] هذا هو الغنى الحقيقي: الفقر بالروح أي حبُّ السماويات. من هذا المنظار إن مقياس الغنى أو الفقر هو مقدار تحررنا من شهوة المال أو عبوديتنا لها.[35] فالمسألة ترتبط بالموقف الروحي الداخلي. هكذا الفقير بالروح (التطويبة الأولى) والغني بالله (مثل الغني الجاهل) يتطابقان.
إن خدعة المال هي أن تجعلنا "أغنياء فنستغني" عن الله ونغدو أفقر الناس.[36] الغني الحقيقي هو من يفتقر في طلب الرب ورحمته. إن مقدار الفقر لا يحدده مقدار المال، وإنما إلحاحُ الحاجة. فالقناعة في المفهوم الإنساني هي كنزٌ.[37] الغني الساعي وراء المزيد، هو بسبب الحاجة فقير، والفقير المكتفي هو مستغني بالقناعة.[38] لا تُشكل هذه النظرة الرواقية حلاًّ مسيحياً. وإنما يستخدمها الآباء (كباسيليوس) لشرح معنى الفقر. ويربطونها بالفقر بالروح ليتضح معنى التطويبة الأولى. هذا الفقير بالروح، كما يقول بولس الرسول، يبدو معوزاً وهو يُغني العالم (718-719) فهو قد لا يملك شيئاً أرضياً ولكنه غنيّ بكل تعزية.[39]

2.الملكية
هذه الحرية الداخلية هي الشرط الأول لنفهم معنى المال في المسيحيّة. أما الشرط الثاني فهو المحبة. المحبة التي لا تملك شيئاً لذاتها. ما هو موقف الإنجيل من المُلكية؟ وما هو التوزيع العادل للخيرات بالنهاية؟ إنه السؤال الذي تتأرجح عليه الإجابات عند الآباء من رافِض بالكلية إلى مُتقبِّل.
بالتأكيد موقف المسيحيّة من الخيرات هو إيجابي،[40] دون أن يلغي ذلك الفقرَ بالروح بل على العكس فهو يؤكده. لكن الآراء تبدأ من قبول للملكية الشخصية، مع شرط حسن الاستخدام للأموال والخيرات،[41] وتصل لحد الرفض القاطع لأية ملكية شخصية،[42]الحق الروماني على خلاف المسيحيّة يُعطي حق الملكية المطلق على الخيرات والممتلكات والعبيد، حتى حدِّ الاستخدام بدون أي شرط أو رادع أخلاقي. المالك سيد على ملكه وله الحق حتى بإتلافه.[43] يحق للسيّد بيع عبيده وأن يفعل بهم ما يشاء. للإنسان في الحق الروماني حرية الاستخدام حتى الإباحية. فالمُلك هو للإنسان المالك ، وهو حرُّ التصرف بالمطلق بممتلكاته. الخيرات في الفكر المسيحيّ، وخاصة بعد القرن الرابع عند الذهبي الفم والكبادوك، نجدها تنقسم إلى صنفين، الخيرات الروحية والخيرات المادية. أما المادية منها فهي نوعان أيضاً، الحرة والاقتصادية:
الأول هي الخيرات العامة الحرّة، وهي تلك التي يهبها الله للجميع دون استثناء، التي بدونها فعلاً لا تقوم الحياة كالنور والمطر.[44] ولقد وهبها بطريقة يصعب على الجشعِ البشري أن يحرمَ منها الضعفاء. أما الخيرات الاقتصادية، فهي تلك التي يلعب العامل البشري إلى جانب الهبة الإلهية دوراً هاماً في توزيعها.
بالنهاية كل الخيرات هي هبة إلهية وتعود ملكيتها للمالك الوحيد. الدور البشري فعال في توزيع الخيرات الاقتصادية. الإنسان إذن لا يملك وإنما يدبّر. التعبير البشري "مالي" و "مالك" هو تعبير خاطئ وهو الذي جلب الخصومات إلى الدنيا.[45] إذا كنا نشترك جميعنا بالخيرات الروحية، كالمائدة المقدسة والأسرار الإلهية والنعم السماوية، فهل يمكننا أن نمتلك لذواتنا دون غيرنا الخيرات الأرضية.[46]
يُشدَّد الذهبي الفم في تفسيره قول المسيح "اصنعوا لكم صدقات بمال الظلم"،[47] على أن المسيح لا يطلب عمل رحمة من أموال مسروقة مثلاً. فهو بالطبع لا يفرح بأن نظلم الأول لنصادق الآخر، كما يعتقد بعض الناس ويفسرون هذه الآية. المسيح لا يرضى أبداً بأن نعرّي الأول لنكسو الثاني. مالُ الظلم هو المال الذي أجعله ملكي بينما الحق أنه ملك غيري. مال الظلم بالتالي هو كل ملكية يعتقد الإنسان أنه سيّدها. بينما هو يسلبها من مالكها الوحيد، الله. كل مدبّرٍ مؤتمن على إدارة هذا المال حين يُحوَّل نفسه إلى مالكٍ له يُصبح عندئذ سيداً على مال ظلم. وبالتالي يقول المسيح أننا بالحقيقة نصنع صدقاتنا من ماله هو، وليس من مالٍ لنا.
لقد وهب الله الخيرات الحرة للجميع وقدم الخيرات الاقتصادية إلى الناس، وهي ملكه، ليُحسنوا توزيعها.[48] حُسنُ التوزيع هذا يساعد على المحبة والنمو الأخلاقي.[49]
الذهبي الفم إذن يرفض بشكل قاطع أي إمكانية للملكية الشخصية. موقفاً كهذا متشدداً نجده عند سمعان اللاهوتي الحديث[50] أيضاً وسواهما.
الملك الشخصي، الحقيقي، هو ما يبقى للإنسان. البشر يتناقلون الغنى ويتركونه. يرثون الخيرات ليورثوها بدورهم. حقيقة الموت تجعل الإنسان عبداً ووكيلاً، صالحاً أو سيئاً. الأمر الوحيد الذي يمكننا أن نملكه هو الفضيلة والصالحات الروحية. الخيرات المادية هي بمثابة "الوديعة" و "الوكالة". إذن توزيع الخيرات الاقتصادية هو الذي سيفصل الجِداء إلى اليسار عن قطيع اليمين. المحبة، الشرط الثاني لفهم موقف الإنجيل، هي حكمة العبد الأمين. العبد الأمين هو الذي يعرف أن مدينته الباقية ليست الحالية، وأنه مؤتمن وحسب على الخيرات الأرضية.[51]

يتبع>>>