أسقف روما الجديدة:
(398-404) توفي نكتاريوس أسقف القسطنطينية في السابع عشر من أيلول من عام 396 فأصبح كرسي رومة الجديدة كرة شقاق بين الشعب ورجال الكهنوت. وكان ثيودوسيوس وقد توفي في مطلع السنة 395 مخلفاً أزمة الحكم ليدين ضعيفتين لابنيه اركاديوس في الشرق واونوريوس في الغرب. وتسلط على اركاديوس وزيره الأكبر روفينوس ثم قوي على هذا الخصي افتروبيوس فأسقطه وجلس مكانه. وهذا هو الذي عهد إليه منصبه أن يرفض توسلات أولي الأطماع وأن يفتح أذنه إلى وحي ضمير المؤمنين وصوت الشعب المسيحي الحقيقي. وكان افتروبيوس قد عرف الذهبي الفم في أثناء رحلاته إلى الشرق فأُعجب بفصاحته وقدر فضله فلم يجد أجدر منه بإعادة شعب العاصمة إلى الفضائل المسيحية. ولعله أحس بوحي أوتيه من فوق. فإنه عند المجاهرة باسم الذهبي الفم استصوب الجميع هذا الاختيار. وعرف الخصي تعلّق الأنطاكيين بمرشحه. فكتب إلى فيكتور استيروس والي الشرق أن يرسل يوحنا خفية دون إطلاع أحد من الأنطاكيين على ذلك. فبادر الوالي إلى التنفيذ ووجد أن أيسر الطرق هو الاحتيال بإخراج يوحنا إلى ظاهر البلد ليتمكن من تسفيره سراً. فدعا الوالي الكاهن يوحنا إلى زيارة كنيسة الشهداء حيث مدفون أجساد الشهداء في خارج أسوار المدينة. وكان هذا في أواخر تشرين الثاني. فعد يوحنا هذه الرحلة واجباً مقدساً ورضي بها. وذهب الذهبي الفم إلى المكان الذي اتفقا على أن يلتقيا فيه. وفي الموعد المحدد جاء استيروس راكباً في عربة كونتية مفروشة بالحرير، تجرّها جياد أصيلة. وقبل القديس دعوة استيروس للركوب وركب إلى جانبه. وما كادت العربة تتحرك حتى فتح الكونت "استيروس" فمه قائلاً: "بالحقيقة، ليست غايتي زيارة كنيسة الشهداء. أرجو القديس أن يغفر كذبتي". واتجهت العربة إلى القسطنطينية.
ورغب الأمبراطور ومن حوله أن يستقبلوا المرشح الأنطاكي بما استطاعوا من العظمة والأبهة والإجلال لأنه سيتبوأ أسمى المناصب في الكنيسة بعد أسقف رومة. فدعا الأمبراطور إلى مجمع محلي للانتخاب وجمع أكابر العاصمة واستدعى ثيوفيلوس أسقف الإسكندرية، ليضع يده عليه ويسلمه عكاز الرعاية. وتمت سيامته أسقفاً في 26 شباط من عام 398، وكما يقول السنكسار اليوناني في منتصف كانون الأول من سنة 379.
وثيوفيلوس -"الفرعون المسيحي"، "الفرعون الإسكندري"- هذا يعتبر من أسوء الأساقفة التي عرفتهم الكنيسة. فكان فظاً مثل فرعون، محباً للذهب والأحجار الكريمة مثل فرعون، ويحتقر الإنسان مثل فرعون. ولم يرضَ هذا الفرعون عن مقررات المجمع المسكوني الثاني الذي جعل من أسقف القسطنطينية في الكرامة بعد أسقف رومة. وكان لا يحب الذهبي الفم، ويخشى مواهبه وقداسته فأحب أن يجعل ايسيدوروس الكاهن الإسكندري أسقفاً على رومة الجديدة. وكان هذا الكاهن راهباً فاضلاً ولكنه مطواع فأحبه ثيوفيلوس، لأنه رأى في انقياده آلة يديرها في يده كيف شاء. فجاهر بعدم الرضى فاضطر افتروبيوس أن يقول له: "أمامك أحد أمرين إما أن تنقاد لرأي الأساقفة والوجهاء وإما أن تدافع عن نفسك ضد المشتكين عليك". فارتبك ثيوفيلوس واحتفل برسامة يوحنا الذهبي الفم.
وأرسل يوحنا رسائل سلامية إلى رؤساء الكنائس. وفي أول يوم بعد دخوله القصر الأسقفي أحدث تغيرات. غيّر بعض الأشياء التي من شأنها إغضاب الرب. إذ أن سلفه كان محافظاً للمدينة ومن ثم وبعد أن تقاعد، أصبح أسقفاً فاحتفظ بالقصر وجعله القصر الأسقفي. فكان مليئاً بالذهب ومظاهر الترف. فأمر يوحنا ببيع جميع الأواني الفضية والذهبية وتوزيعها على الفقراء. ثم باع السجاد وشيّد بثمنه مستشفى للفقراء. وباع المقاعد الحريرية والمغاطس الرخامية والشماعدين وأقام بأثمانها مأوى للغرباء. باع المرايا واللوحات والأعمدة وترك الجدران عارية. وأخيراً باع السرير: الحرير والمخمل النادر. وأتى بسرير من ألواح الخشب. وبعد ذلك صرف جميع الخدام على اختلاف وظائفهم بعد أن دفع لهم ما يحق لهم من المال. وأرسل جميع أدوات المطبخ إلى المأوي والفقراء.
لم يشهد سكان القصر الأسقفي مثيلاً لما يجري أمامهم. وتكلموا باحترام مع سيد القصر قائلين: إن أسقف القسطنطينية ثاني أسقف في العالم، وعليه واجبات رسمية. عليه أن يقيم مآدب، وأدوات المطبخ لازمة. عليه أن يدعو الأمبراطور والأمبراطورة والأعيان. هكذا البروتوكول!
وأبدى القديس أسفه قائلاً: إن الأسقف طبيب روحي وأب. وليس صاحب مطعم يدعو الناس ليملأوا بطونهم. ولكي يعطي لكلامه وزناً عملياً أصدر أمره ببيع غرفة الطعام بكاملها. وأعلن أنه لن يدعو أحداً إلى الطعام وأنه سيأخذ طعامه وحيداً كما كان يفعل طيلة حياته. وأنه غير محتاج إلى طاهٍ وأدوات. سيهيئ، بنفسه وبمساعدة أحد الرهبان، الخضار التي يتناولها مرةً واحدة في اليوم.
إلا أن إنسان واحد لم يقتنع ولم يصدق أن القديس يعيش حياة قاسية. وهو الأسقف أكاسيوس. كان صديقاً للقديس، وأسقفاً في الملحقات "خوراسقف". قدم لأشغال خاصة في القسطنطينية. وعرف الذهبي الفم بقدومه فدعاه للحلول ضيفاً عليه. وسر الأسقف أكاسيوس بهذه الدعوة، فكان بالنسبة له دخول القصر الأسقفي موازٍ للدخول للقصر الأمبراطوري. وقاده الراهب إلى الغرفة المخصصة له. كانت شبيهة بغرفة الذهبي الفم تماماً. فيها سرير من الخشب وعليه غطاء، والجدران عارية. وفتح أكاسيوس فاه عجباً، وظن أن صديقه الذهبي الفم يسخر منه. وللحال ترك أكاسيوس القصر الأسقفي غاضباً. ومن تلك اللحظة أصبح عدواً لدوداً للذهبي الفم. وعبثاً حاولوا أن يفسروا له أن أسقف القسطنطينية ينام في غرفة مماثلة. لم يصدق أكاسيوس أن صديقه الذهبي الفم سخر منه وهو لن ينسى له هذه الاهانة طالما فيه عرق ينبض. وسيحاول الانتقام لكرامته.
وعني القديس بإصلاح الاكليروس. فسلق بعضهم بلسانه سلقاً. وأوجب عليهم الزهد في الملبس والمأكل والقيام بالواجب المقدس. وكان لكلامه وقع شديد في قلوب السامعين فانقاد اكليروس القسطنطينية لصوته وعاد عدد كبير منهم إلى ما اعتاد عليه آباء الكنيسة الأولون من التواضع والفقر والقناعة والقداسة. وكان الارشدياكون سرابيون أشد من الذهبي الفم غيرة على الإصلاح فأمسى إفراطه في التنقيب والتأنيب عثرة في سبيل القديس. فحقد بعض رجال الاكليروس على الأسقف والأرشدياكون واضطر الأسقف بعد أن يئش من إصلاحهم أن يقطعهم من جسم الكنيسة. وتفقد القديس بنفسه جميع الأديرة فأثنى على المحافظين على فرائض الدعوة وأكره الذين نفخ فيهم ريح العالم على الرجوع إلى الأديرة والتقيّد بقوانينها وتقاليدها. وحرم على الكهنة قبول العذارى المصونات في بيوتهم. وأنشأ للعذارى مآوي انقطعن فيها للصلاة والفضائل ولنسح ثياب الفقراء وتزيين الكنائس وجعل عليها أمّاً واحدة لسياستهن نيكارتية النقوميذية. ثم التفت إلى إصلاح ما فسد من أحوال الأرامل فئة الكنيسة العاملة في أوائل عهدها. فمنعهن من التردد إلى البيوت والحمامات والملاعب وأمرهن أن يعتضن عنها بالتأمل والصلاة ومواساة الفقراء وعيادة المستشفيات. وحتم أنهن إن استثقلن الترمل فليتقيدن بزاج ثان خير لهن وأولى. وفاقت أولمبياذة جميع الأرامل بجميل فضائلها وكثرة حسناتها. وكانت قد ترمّلت وفي في العشرين من عمرها فالتحقت بأحد الملاجئ. فلما أتى يوحنا إلى القسطنطينية كان لها من العمر خمسون عاماً. فأثرت شخصيته في نفسها فعرضت عليه خدماتها وأموالها. فأنفق القديس عن سعة في سبيل تبشير القوط والروس وبعض الفينيقيين وفي تلال لبنان وإنشاء المؤسسات الخيرية. وسعى سعياً حثيثاً لحماية خرافه من حملات الهراطقة - الآريوسيين والأفنوميين والمانيين والمركونيين والفالنتينيين.
سقوط افتروبيوس:
كان افتروبيوس ثاقب العقل وقّاد الفكر ينظر في مشاكل ويحلها من أبواب لم يستطع غيره الوصول إليها. فكبرت منزلته في عين أركاديوس. ورأى فيه الرجل الوحيد الذي لاغنى عنه في تدبير السلطة. وولّد هذا الاحترام في قلب الخصي صلفاً وتيهاً.
وكان ثيودوسيوس قد أدخل في صفوف الجيش عدداً كبير من القوط ولا سيما في سلاح الخيالة. وكان بعضهم قد خدم الجيش بإخلاص فرُقي إلى رتبة عالية. وكان من بين هؤلاء غايناس القوطي. وكان هذا يهتم بشؤون القوط أبناء جنيسه. ولم يكن عددهم قليلاً في العاصمة. فأصبح أحد زعماء السياسة. وأصبحت سياسة العاصمة تطاحناً مستمراً بين غايناس وبين افتروبيوس. وكان للأول نسيب اسمه تربيجلد كان مستلماً قيادة بعض الجيوش في آسية الصغرى. فوسوس له غايناس أن يجتاح برجاله سهول فريجية. ففعل وفتظاهر غايناس بالغبط واستأذن بالإنطلاق لإطفاء نار الثورة والعصيان. فسار إلى آسية الصغرى وجمع الكل تحت أمرته وزحف إلى القسطنطينية. فانخلع قلب اركاديوس وفاوض غايناس فكان من أهم شروط الصلح أن يترك الأمبراطور وزيره افتروبيوس. فأمر الأمبراطور بنفي افتروبيوس ثم بقتله بالتجأ هذا إلى الكنيسة وهرع إلى المذبح والتزق به. وتابعه الجنود لإلقاء القبض عليه فصدهم القديس الذهبي الفم. وفي اليوم التالي بينما كان افتروبيوس لا يزال بجانب المذبح رقي الذهبي الفم ووعظ وعظته الأولى في حادث افتروبيوس. واحتمى افتروبيوس بالقديس ثلاثة أيام. وأصدر بعدها الأمبراطور عفوه عنه متأثراً بالذهب الذي يخرج من فم الذهب.
إلا أن هناك شخصاً كان يريد أن يرى افتروبيوس مقتولاً. إنها افدوكسيا، الأمبراطور، فعملت على تلفيق تهمة جديدة لم يشملها العفو الأمبراطوري لكي تستطيع أن تأخذ حكم بإعدامه. وكان لها ما أرادت.
أخصام الذهبي الفم: خشي الوطنيون الروم مطامع غايناس فعاهدوا قوطياً آخر. ولدى خروج غايناس من العاصمة أوائل سنة 400 هجم الوطنيون على من تبقى من عساكره في داخل المدينة وقتلوهم. وعبر غايناس الدانوب ووقع أسيراً في يد الهون وقُتل في أواخر سنة 400.
وبزوال افتروبيوس وغايناس زالت هيبة السلطة فجهر أخصام الذهبي الفم بمعارضة أدت مع مرور الزمن إلى نفيه ووفاته. وشملت هذه المعارضة منذ البداية عناصر معينة من الرهبان والأرامل والأساقفة. وتزعم معارضة الرهبان اسحق الراهب الذي كان قد أمّ العاصمة في عهد والنس واشتهر بحق وبغير حق بقداسة فائفة وبجرأة في سبيل الأرثوذكسية. أدت به إلى مصارحة والنس باقتراب أجله. وكان قد أسس لنفسه مقرّاً عند مدخل العاصمة أصبح أول الأديرة فيها. ولم يرضَ الراهب عن إصلاحات الذهبي الفم، فلما زالت سطوة البلاط بدأ يطعن في الأسقف القديس فكان لكلامه ودعاياته أسوأ الأثر.
وانضم إلى المعارضة عدد من الأرامل من بينهن صديقات الأمبراطورة افذوكسيا. كمرسة وكستريكية وافغرافية التي قدر لها أن تلعب دوراً هاماً في الدس والمؤامرات في البلاط. إذ أن القديس وبخها لأنها وهي كهلة تتصابى وتقلد الشابات في الملبس والمظهر. إذ كانت تفضل أسقفاً يقول لها أنت صبية.
في أفسس:
ترأس الذهبي الفم مجمعاً محلياً في أيلول سنة 400. وأثناء الجلسات الأخيرة تقدم أسقف غريب اسمه اوزيبيوس. جاء هذا الأسقف يُشهِّر الجرائم التي يرتكبها بعض أساقفة آسية، وأن الكرامات الكنائسية والدرجات الكهوتية تُباع بالمال. وأن الصولجان الأسقفي صار للتجارة. وأن وراء هذا أنطونيوس أسقف أفسس. وراح يتكلم ويشكو للذهبي الفم أوضاع الكنيسة في آسية. وكان القديس يسمع الكلام ورأسه بين يديه. وجاء الشماس ينبهه بأن وقت القداس قد حان ويدعوه للكنيسة. ولكنه رفض، بعد سماع مثل هذه الأشياء لا يقدر أن يخدم القداس. أذناه مازلتا متألمتين.
زالقديس يعرف أن أفسس لا تخضع لسلطته. وأن أساقفة القسطنطينية لم يتدخلوا مطلقاً في شؤونها. ولكن الذهبي الفم يكسر الحدود دفاعاً عن كنيسة المسيح. وفتح تحقيقاً ليتأكد من صحة هذه الاتهامات. بإرساله أسقفين للبحث والتدقيق. ولسوء الحظ جاءت النتيجة إيجابية. فقد كتب أحد مؤمني آسية إلى القديس يقول: "منذ سنوات، أيها الأب الجليل، والقيادة فينا ينقصها العدالة والحق. نسترحمك اذن أن تأتي إلينا".
وفي التاسع من شباط 401 أبحر إلى آسيا. وفي أفسس دعا إلى مجمع مؤلف من سبعين أسقفاً. وحضر أمامهم المتهمين. إلا أن أنطونيوس كان قد مات قبل وصوله. وأعلن الكهنة أنهم انخدعوا ووقعوا في الضلال وأن نيتهم حسنة!!!
فطرد الذين اشتروا الكهنوت من أنطونيوس. وأعطاهم وثيقة يستطيعون ملاحقة ورثة أنطوينوس بها. وأقام خلفاً لأنطونيوس الشماس هيراقليدس. ثم انتقل إلى ولايات مجاورة وجرّد ستة عشر أسقفاً وأقام خلفاء لهم.