الأخت ماريا ،
سؤال مهم ،
الله الكلمة لما أراد أن يؤله الطبيعة البشرية و يتحد بها ، اتخذ ناسوتاً كاملاً من والدته العذراء ، أخذ جسداً و روحاً عاقلة .
و لذلك لم يكن لاهوته هو الروح بينما ما أخذه هو جسد مادي فقط ، بل أخذ كل ما في ناسوتنا و جعله متحداً بلاهوته ، و السبب هو إعادة شفاء الطبيعة البشرية ، لأننا لما سقطنا لم يسقط فقط جسدنا في فخ الموت بل روحنا أيضاً.
و قد يتساءل المرء ، أليس بأخذه روحاً و جسداً يصير متخذاً شخصاً إنسانياً اسمه يسوع و بالتالي تكون العذراء أم هذا اليسوع المأخوذ ، لا الله الكلمة ؟
هذا التساؤل طرحه نسطور في عظة له سنة 426 ، و للأسف أجاب بنعم !
إلا أن الكنيسة الجامعة منذ فجرها في القرن الأول إلى اليوم ظلت على عقيدة واحدة و هي عقيدة حقيقة أن الله الكلمة صار جسداً و حل هو بيننا لا اتخذ آخراً . و هذا واضح جداً في نصوص الكتاب المقدس.
و لكن هذا لا يحل المشكلة : هل باتخاذ الله الكلمة لروح و جسد يصير أخذ إنساناً أو شخصاً آخراً ؟
لا يا عزيزتي ، لأ الله الكلمة لما تجسد اتحد اتحاداً طبيعياً بهذه المكونات ، و صار هو الشخص الحامل لهذه الطبيعة ، فهذه الطبيعة البشرية لم تولد منفصلة أو متصلة بالله اتصالاً عادياً كالقديسين ، بل اتحدت به اتحاداً غير موصوف و لا يمكن شرحه ، و صارت هذه الطبيعة التي هي ما إلا أداة مأخوذة من العذراء ، صارت ثوباً بشرياً ارتداه أقنوم الكلمة ، و جعلها واحداً مع طبيعته الإلهية في أقنومه الموجود منذ البدء.
فلم توجد هذه الطبيعة بعيداً عن الطبيعة الإلهية لتكوّن لها شخصاً ، بل هذه الطبيعة صارت طبيعة الكلمة ، أقنمها هو و جعل منها صورته هو لا صورة إنسان متحد به ،
بل هو نفسه صار إنساناً ، الجالس عن يمين الآب ، هو المولود من رحم العذراء مريم ، و هو الطفل المقمط الذي يدين المسكونة بالعدل .
لذلك صار هو بروحه و جسده ، الأدوات المأخوذة من العذراء ، إنساناً بالحقيقة و هو الإله العلي .
الهراطقة عموماً كلهم لم يستطيعوا أن يقبلوا حقيقة أن يصير الله إنساناً ،
فالنساطرة قالوا إنه اتخذ إنساناً ، و بالتالي يسوع هو عبد الله الكلمة و حامل له !
و المونوفيزيون قالوا إنه لم يصر إنساناً ، و أن طبيعته الإنسانية غير كاملة.
لكن نحن كمسيحيين نؤمن بأن هناك شخص واحد هو الله الكلمة ، يحمل طبيعتين متحدتين اتحاداً طبيعياً بغير اختلاط و لا امتزاج ، و بغير انفصال. و لذلك صار - كما يقول القديس لاون الكبير - "الغير منظور منظوراً ، و الغير محدود بوقت صار بيننا داخل دائرة الزمن ، فيسوغ لنا أن ننسب له الآلام بحسب ناسوته و ننسب له المجد بحسب لاهوته" و يقول أيضاً : " للمسيح صورتان ( جاءت كلمة طبيعتان في اليونانية كما جاءت في رسالة فيليبي و هي فورميا أي هيئة ) صورة ملقى للشتائم و الإهانات و صورة تتلألأ بالعجائب " فالصورتان هما لشخص واحد هو الإبن الوحيد الجنس كما يوضح لنا القديس لاون الكبير في طومسه ، و هي صدى لكلمات بولس الرسول تماماً في رسالة فيليبي 2 : 4 ، فهو العبد الملطوم على وجهه لأجلنا ، و هو الذي تغيرت هيئته و سطع وجهه كالشمس في التجلي ، في نفس الوقت !
و لذلك فالروح ليست شخص بل هي عضو غير مرئي من أعضاء الجسد ، عضو يحتاج لشفاء حاله حال طبيعتنا المرئية الساقطة ، و لذلك أخذها الشخص الجالس في السماء و الحامل كل الأشياء بكلمة قوته و رب مجد الآب كما يقول بولس الرسول.
و هنا نعود لتساؤلك، يمكننا أن نعيد صياغة تساؤلك هكذا :
هل أخذ من العذراء طبيعة إنسانية كاملة ( روح و جسد ) أم طبيعة ناقصة ؟ ( جسد فقط - أو روح فقط )
العذراء هي والدة الإله لأن الإله هو المولود منها بصرف النظر عن الأعضاء التي أخذها منها ، و لكن يجب أن نعرف أنه أخذ منها كل شيء.
و في هذا سبب ، فكما ذكرنا سابقاً أن الإنسان قد سقط بكل أعضائه لما فقد الإستنارة الإلهية و الصورة الإلهية.
و لذلك يأتي ابن الله و يعمل حاجتين : 1- يؤلهنا 2- يؤنسنا !!!
أما عن التأله ففهمناها ، و هي الشركة في خلوده بالإتحاد به .
أما التأنس ، فما هو؟ يشرح لنا القديس نيقولاس كاباسيلاس ( في دراسة رائعة للأستاذ بانايوتيس نيللاس اصدار 1984 عن الفداء بين كاباسيلاس و أنسيلم ) أن المسيح مسحّنا ! أي عمل عملية Christification ، و في هذا أنه لم يؤلهنا فقط بل كشف لنا حقيقة الإنسانية أيضاً !! رأينا فيه الإنسانية في مسلكها الطبيعي ، و لهذا رأينا فيه أشياء عجيبة
رأيناه يجاهد بقوتنا البشرية و لكن لأنه صورة بكر كل خليقة في ناسوته ، أرانا فيه كيف يكون الجهاد الحسن ، فهو لم يخجل بل اضطربت روحه و تضايق و اكتأب و حزن و لكن لم يكن هذا عائقاً لانتصاره ، كان يشاء كإنسان و يصلي بألم و تضرع و هو رب الخليقة ،
رأينا فيها الإنسانية العظيمة قبل موته لما قال : لا لتكن مشيئتي بل مشيئتك ، و رأينا فيه الإنسانية متألهة في قيامته التي وهبها لنا .
إذاً نستطيع أن نفهم أنه صار إنساناً بكل جوارح الكلمة ، آخذاً كل ملكات الإنسانية من العذراء ، فلم يأتي بأي جزء إنساني من فوق ، لأن الهدف ليس الظهور أو التواجد بل الإتحاد بالبشرية المريضة .
----------------------------------------------------------------------------------------------
قبل أن أكمل هذا الموضوع أترك القديس كيرلس الكبير يشرح القصة كلها كتابياً و آبائياً من كتابه : شرح تجسد الإبن الوحيد
و ياريت يا جماعة تحطوا ما كتبه القديس يوحنا الدمشقي في هذا الموضوع في الفصل الثالث من التدبير الإلهي كمشاركة هنا .
أتمنى أن أكون أفدت بأي شيء
تحياتي
ميناس

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات