هذا التصرف يشير بوضوح إلى أن مقياس الأرثوذكسية بالنسبة للكنيسة ليس هو إذا كان أحد يعرض بشكل صحيح مضمون تعاليمه العقائدية بقدر ما هو قبول هذا الشخص لقرارات الكنيسة .
هكذا وضمن هذا التحديد فإن رفض المجمع المسكوني الرابع من قبل قادة اللاخلقيدونيين وأتباعهم يعتبر كافياً بالنسبة للآباء لينعتوهم بالهرطوقية.

هذا ما صرح به تماماً ديوسقورس أمام المجمع المسكوني الرابع بقوله: "لا نقول باختلاط أو فصل أو تحوّل. فكل من يقول باختلاط أو تحوّل أو انقسام فليكن محروماً". على كل، فإن سفيروس أدان علناً وبشكل متكرّر اختلاط الطبيعتَين وتحولهما مشدداً على عدم اختلاط وعدم تحوّل الطبيعتَين في المسيح بعد اتحادهما.
السؤال المطروح بالنسبة لكل باحث يدرس خريستولوجية ديوسقورس أو سفيروس من الوجهة العقائدية على ضوء التقليد الأرثوذكسي هو الآتي: لماذا، بينما يرفض ديوسقورس وسفيروس علناً الانقسام والتخفيض في طبيعتَي المسيح، يدينهما الدمشقي لأنهما يقبلان الانقسام والتخفيض؟ إن الإجابة على هذا السؤال واحدة ووحيدة: لا يهتم الدمشقي في هذه الحالة بفحص وتحليل تصريحات وكتابات ديوسقورس وسفيروس علمياً ليستخلص منها تعاليمهما الخريستولوجية كما هو نهج العلوم اللاهوتية اليوم. لهذا فإن مقياس تقدير ديوسقورس وسفيروس وأتباعهما من اللاخلقيدونيين هو أنهم لا يقبلون المجمع المسكوني الرابع وتحديد إيمانه، الذي يتحدّث عن "عدم اختلاط" و"عدم تحول" بين طبيعتَي المسيح بعد الاتحاد. هذا هو بالضبط ما أعطى الحق للدمشقي لاتهامهم بأنهم يرفضون الوحدة في طبيعتَي المسيح بدون اختلاط وتحوّل، وبأنهم بذلك يقبلون المزج والتخفيض بينهما حتى ولو قالوا أنهم يرفضون "الاختلاط" و"التحول". يتعلق الأمر إذن باتهام يوجّه لهم دائماً بالاستناد إلى ما قلناه سابقاً وليس بالاستناد إلى دراسة علمية قام بها الدمشقي لنصوص وكتابات كل من ديوسقورس وسفيروس .
لم يكن يهمه هذا النوع من البحوث لأن الهدف من كتاباته كان دفاعياً ورعائياً. أراد حماية القطيع الأرثوذكسي من خطر التأثر بديوسقورس وسفيروس وبالتالي رفض قرارات المجمع المسكوني الرابع. لم يكن همّه بشكل خاص طبيعة خريستولوجيتهم ما إذا كانت أرثوذكسية أم لا.
لهذا فاللاخلقيدونيون منشقّون طالما أنهم يرفضون القرارات المسكونية للكنيسة الجامعة المعبّر عنها في المجمع الرابع.
هذا الأمر يشكل أساساً هاماً لكل من يريد أن يقرأ ويفهم كتابات الآباء اللاهوتيين خاصة إن أراد الوصول إلى نتائج صحيحة. ومن المفيد أن نذكر هنا أن القديس غريغوريوس بالاماس يؤكد هذه القاعدة الأساسية مستنداً إلى رأي القديس باسيليوس الكبير فيقول : " تضارب الآراء في شؤون التقوى شيء، وتضاربها في شؤون اعتراف الإيمان أمر أخر بالكلّية. ففي الأولى لا داعي للحرفية التعبيرية، كما يقول القديس باسيليوس الكبير، بينما تصان وتحفظ الحرفية التعبيرية في أمور اعتراف الإيمان ".
الأرثوذكسية الاصطلاحية شيء - ويمكن أن تطلق حتى على المنشقين الذي حافظوا على التعاليم والعقائد الصحيحة ؛ والأرثوذكسية الحقيقية والكاملة شيء آخر بالكلية - والتي هي أرثوذكسية بحسب جوهر العقيدة وهي شركة مع الكنيسة وتُطلق فقط على الأرثوذكس المنتمين إلى نفس الكنيسة. هكذا ففي حال عدم وجود البعد الكنسي للأرثوذكسية فإن الأرثوذكسية الاصطلاحية وحدها لا تكفي حتى يعتبر أحد ما أرثوذكسياً. الشركة مع الكنيسة هي التي تعطي للأرثوذكسية الاصطلاحية كمالها.
الخلاصة
بعد كل ما قلناه بات واضحاً، على ما أعتقد، أن القديس يوحنا الدمشقي بالرغم من اعتباره اللاخلقيدونيين منشقين عن الكنيسة بسبب رفضهم لقرارات المجمع المسكوني الرابع، إلا أنه لا يتردّد في الاعتراف بأرثوذكسيتهم الاصطلاحية واصفاً إياهم بالأرثوذكس بكل ما تبقى من إيمانهم.
هذه النتيجة لها أهمية كبرى ويمكن أن يكون لها دور حاسم في عملية دفع الحوار اللاهوتي بين الأرثوذكس واللاخلقيدونيين الذين يُعرفون، منذ أن انطلق الحوار بين الطرفَين، بالكنائس الشرقية الأرثوذكسية. وبكلام آخر يجب علينا نحن الأرثوذكس في حوارنا معهم ألا نطلب منهم شيئاً آخر سوى الاعتراف بالمجمع المسكوني الرابع وبالتالي ببقية المجامع المسكونية اللاحقة كالمجامع المقدسة والمسكونية. هكذا، كما برفضهم المجمع المسكوني الرابع انشقوا عن الكنيسة، كذلك باعترافهم به يعودون إلى أحضان الكنيسة الأرثوذكسية وتُلغى بذلك كل الأسباب التي أدت إلى ابتعادهم وانفصالهم. وعلى هذا الأساس، فإن كل اللقاءات والحوارات الثنائية بيننا يجب أن تصبّ في محاولة تذليل العقبات أمام التوصل إلى موقف واحد من المجمع المسكوني الرابع، ليأتي موقف كل الأرثوذكس واحداً وجامعاً.


شكراً جزيلاً أبونا الحبيب باسيل لهذا التوضيح ..

صلواتك