غاية التجسد النهائية
أقوال مضيئة لبعض الآباء


لماذا تجسد ابن الله ؟ و ما هي الغاية النهائية من تجسده ؟

القديس إيرينيئوس ( استشهد عام 200 م )

إن محور كل تعاليم القديس إيرينيئوس اللاهوتية إنما هو (( الانجماع الكلي في المسيح )) { recapitulation } . و هذا اللفظ قد استمده إيرينيئوس من رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس ، حيث يبين أن غاية الله النهائية من الخليقة كلها التي سيحققها في ملء الأزمنة هي (( أن يجمع كل شيء في المسيح )) أف 1 : 10

((( في ملء الزمان صار الكلمة إنساناً منظوراً و ملموساً لكي يجمع كل شيء في نفسه و يحتوي كل شيء و يبيد الموت و يظهر الحياة و يعيد الوحدة بين الله و الإنسان ))) < برهان كرازة الرسل 6 >

فما يقصده إيرينيئوس من (( الانجماع الكلي )) ليس فقط انجماع الخليقة كلها ببعضها في وحدة واحدة متجانسة ، بل و انجماع الخليقة مع الخالق نفسه في المسيح ، الذي يحقق في نفسه ملء الوجود الكلي للخالق و الخليقة معاً :

((( فإن المسيح كما قلنا قد وحّد الإنسان مع الله ... فقد كان لائقا أن الوسيط بين الله و الناس ، بحق قرابته الخاصة مع كل منهما ، يعيد الألفة و التوافق بينهما ، و يقدم الانسان الى الله ، و يُظهر الله للإنسان . . . فإنه من أجل ذلك قد جاء مجتازاً في جميع الأعمار - أي ان المسيح قد صار طفلا ليعيد للاطفال الشركة مع الله ، و صبيا و فتى و شابا و رجلا بالغاً ليعيد ذلك أيضا للصبيان و الفتيان و الشبان و البالغين - لكي يعيد للجميع الشركة مع الله ))) < ضد الهرطقات 3 : 18 : 7 >


فغاية التجسد النهائية هي إعادة الشركة بين الله و البشرية ، و هذا هو ما لم يفهمه الهراطقة :

((( إن البعض لا يقبلون عطية التبني و يحتقرون الميلاد البتولي الذي به تجسد كلمة الله . و هو بذلك يسلبون الإنسان من الارتقاء نحو الله و يصيرون غير شاكرين لكلمة الله الذي تجسد من اجلهم . فإنه لهذه الغاية قد صار كلمة الله إنساناً و صار ابن الله ابناً للإنسان : لكي يتحد الإنسان بالكلمة و يقبل التبني فيصير إبنا لله ))) < ضد الهراطقة 3 : 19 : 1 - 3 >


فغاية التجسد النهائية هي أن (( يمتزج )) الإنسان بالكلمة فيصير بذلك ابنا لله . و في نفس هذا المعنى يعبّر عنه القديس أثناسيوس بصيغة أقوى و أوضح قائلا إن الكلمة تجسد ((( لكي يجعل الإنسان قادراً أن يتقبل اللاهوت ))) . هذه هي الحقيقة التي لم يفهمها الهراطقة ، و يعزو القديس إيرينيئوس سبب عدم فهمهم لها الى انهم ذهبوا يفحصون شخص المسيح في ذاته فحصا موضوعيا بمعزل عن عمله الخلاصي ، و بدون تفاعل داخلي بهذا العمل :

((( فباطل هو تعليم الإبيونيين الذين لا يقبلون في نفوسهم بالإيمان اتحاد الله بالبشرية . . فإن هؤلاء الهراطقة يرفضون مزيج الخمر السمائي و يتمسكون فقط بالماء العالمي و لا يريدون أن يقبلوا الإله الذي جاء ليمتزج بهم ))) < ضد الهرطقات 5 : 1 : 3 >


و ما يقوله إيرينيئوس عن الإبيونيين ، يقوله القديس أثناسيوس عن الأريوسيين . فهو يكشف السبب الخفي في ضلالهم و هو قلة تجاوبهم مع المسيح و عدم فهمهم للغاية التي من أجلها تجسد ، و عدم تفاعلهم الداخلي بهذه الغاية :

((( لقد جاء المسيح لكي يصير الناس فيما بعد و إلى الأبد هيكلاً طاهراً للكلمة , لو كان أعداء المسيح قد فهموا ذلك و أدركوا الغاية التي من أجلها تأسست الكنيسة ، و تمسكوا بهذه الغاية كأنها مرساة لهم ، لما انكسرت بهم السفينة من جهة الإيمان ! ))) < ضد الأريوسيين 3 : 58 >



يُتبع