الظروف وتأثيرها
بعض الناس يتذرّع بالظروف أنها ضاغطة، غير مؤاتية وان نار الزنى مستعرة في كل مكان ولا حول لهم ولا قوّة. هذا تعلّل بعلل الخطايا. كل ظرف مجال لعمل الله والشهادة لله. كلّما اشتدّت التجربة ازدادت النعمة جداً. أتظنّون ان ظروف الكنيسة الأولى كانت أيسر؟ لا بل كانت أصعب ألف مرّة مما هي عليه اليوم. عبودية، فقر، اضطهاد، فساد، فجور. الانحلال في الأمبراطورية الرومانية كان عارماً. الفجور كان من ضمن أخلاق الناس. الزنى، في الهياكل الوثنية، كان فعل عبادة، شأناً مقدّساً. ومع ذلك، رغم كل شيء، استمات المسيحيون إيماناً بالله. سلكوا في الفضيلة. اعتصموا بالعفّة. تخلّقوا بأخلاق يسوع. دونكم ما قاله يومذاك بعض الكتبة المدافعين عن المسيحيين وبعض ما قيل عنهم من قبل الوثنيين. القدّيس يوستينوس الشهيد (القرن 2 م) قال عن نفسه وعن المسيحيين في زمانه:" نحن الذين سبق لنا ان كنا عبيداً للفجور نجد الآن بهجة في نقاوة الأخلاق... نحن الذين سبق لنا ان كنا محبّين للربح أكثر من كل شيء آخر نتخلّى الآن عمّا هو لنا ابتغاء الخير العام، نشترك والمحتاجين فيما لنا..." وترتليانوس المعلّم، الذي عاش في القرن 3 م، تباهى بأنه ليس مسيحي واحد يُعاقَب كمجرم أو كسارق. فقط لأنه يتمسّك بإيمانه بيسوع. مينوسيوس فيليكس خاطب الوثنيين هكذا:" تمنعون الزنى في القانون وتمارسونه في السرّ... ونعتبر مجرد اقتباله في الفكر جريمة. تخشون ان يُفتضح أمرُكم ولا ترهبنا غير ضمائرنا". حتى بليني الصغير الحاكم، وهو وثني، أطلع الأمبراطور ترايان على ان المسيحيين يتعهّدون بألا يرتكبوا سرقة أو زنى فيما الاحتيال والنجاسة والدعارة، من كل نوع، متفشّية في كل مكان. وثمّة وثني آخر، اسمه لوقيانوس، يشهد لإحسان المسيحيين ومحبّتهم وعنايتهم ببعضهم البعض.
عن أية ظروف نتحدّث إذاً؟! الظروف الداخلية، لا الخارجية، غيرُ موافقة. العلّة هي في الإرادة. الموضوع هو ما إذا كان القلب لله أم لا. هنا لبّ المشكلة. الزنى قابض على الزناة لأنهم لا يريدون ان يسمعوا، لا لأن ظروفهم لا تساعدهم. "لو ان شعبي استمع لي"، قال الرب، "لو أنّ إسرائيل سلك في طريقي لكنت أذللت أعداءهم [أي أهواءهم] بسرعة وألقيت يدي على مضايقيهم" (مز 80). المشكلة المشكلة أننا لا نريد ان نتألم من أجل الحق، من أجل الحياة، من أجل العفّة، من أجل الخلاص، من أجل يسوع. نهرب باللذّة من الألم فنقع في الفراغ والعدم. ولكنْ ما ضاع باللذّة لا يمكن أن يُستردّ إلا بالألم. ما فُرِّط به برخاوة السيرة لا يمكن أن يُستعاد إلا بالتعب. وما حُرمناه بأكلنا من العود الحرام لا يمكن أن يُستعاد إلا بالصليب الحلال، فإنّه "بالصليب أتى الفرح إلى كل العالم".
هل يمكن للزنى أن يتعايش مع الفضيلة؟
بعض الناس يظنّ أن بإمكانه أن يعوِّض عن خطيئة يستسلم لها بفضيلة يسلك فيها. بعض الناس يسلك في الزنى لكنه يعطي الفقير أو يصلّي أو يصوم أو يتبرّع للأديرة والكنائس. هل هذا مقبول عند الله؟
الحقيقة ان الفضيلة والرذيلة لا يتعايشان. فإما أن تلقي الفضيلةُ الرذيلة خارجاً، وإما ان تُفسِد الرذيلةُ الفضيلة. فإن تمسّك الزاني بزناه بَطُلت صلاته، وإن تمسّك بصلاته انعتق من زناه ولو بعد حين. في المقالة الخامسة من نسكيات القدّيس إسحق السرياني ان مَن أسلم نفسه للزنى وصنع صدقة فإن الله لا يقبل صدقته كتعويض عن زناه. التعويض عن الزنى يكون بالسلوك في العفّة. ولكن كيف يسلك الإنسان في العفّة وجسده يشاغب عليه وأفكار الزنى لا تغادره ولا تكفّ عن إزعاجه؟ آمن تأمن. الله حيّ. وهو قادر على كل شيء. أنت عاجز؟ لا بأس. حسبك ان تريد. أتريد أن تبرأ؟! إذا كانت لك إرادة الشفاء فإن رحمة الله تشفيك. هذه مشكلة الزاني، بكلام القدّيس مرقص الناسك، انه يبقى في حبّ اللذّة ولا يريد ان يوجِّه القوّة الطبيعية التي فيه نحو الصلاح ويدّعي ان النعمة الإلهية لا تساعده. الزاني يكذب ثم يصدِّق كذبه. فقط رِدْ. لتكن فيك إرادة الحياة. كن مؤمناً لا غير مؤمن. ثم عبِّر عن إرادتك في كل حين وبكل الصور الممكنة. ليست الإرادة رغبة مبهمة، مجرّد حنين. يا ليت! الإرادة تصميم. روح الضعف لا يشفي غليلاً. المريد الخلاص إنسان يعرف انه سجين جسده ونفسه وعاداته وخطيئته وضعفه، لكن نفسه مضطرمةٌ فيه، متوتّرة، وثّـابة إلى الانعتاق، متحرّقة إلى النور. "أخرج من الحبس نفسي لكي أشكر اسمك". لا يكفّ المريد عن الصراخ ليل نهار. كلّه يستحيل صرخة، دمعة، سجدة إلى الحضيض. "إلهي، إلهي... أنظر إليّ. لماذا تركتني؟ لماذا ابتعدت عن نصرتي وعن كلمات أنيني؟ إلهي أنا في النهار أصرخ إليك فلا تستجيب. وفي الليل أيضاً دون أن أستريح... دودة أنا لا إنسان... كل الذين رأوني استهزأوا بي... اتّـكلَ على الرب فلينجّه ويخلّصه... انسكبتُ كالماء وتفكّكت جميع مفاصلي... يبست مثل الفخّـار قوّتي... ثقبوا يديّ ورجليّ..." (مز 21). ويُصِرّ المريد ويثبت وينتظر. ولو سقط ألف مرّة رغماً عنه فإنه يعود وينهض من جديد. لست أفعل ما أريده، بل ما أُبغضه فإيّاه أفعل... ليس ساكناً فيّ، أي في جسدي، شيء صالح... الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد... فإن كنت ما لست أريده إيّاه أفعل فلست بعد أفعله أنا بل الخطيئة الساكنة فيّ..." (رو 7). ويُصِرّ المريد ويعنف في إصراره ولا يستسلم كاشفاً ضعفه وعجزه كل حين معلناً ثقته بيسوع كل آن. فإن ثبت إلى المنتهى يخلُص. تُعطى العفّة له نعمة من فوق. يصير كالطفل جديداً، في سلام عميق. ولو كان قد ارتكب في سالف عهده ألف ألف زنى يصير عفيفاً. "قدّم للرب ضعف طبيعتك معترفاً كلّياً بكامل عجزك تنل موهبة العفّة وأنت لا تشعر" (القدّيس يوحنا السلّمي). بالإرادة الصامدة ونعمة الله تُعطى العفّة. حيّ هو الله الذي أنا واقف أمامه. كل الذين سبق لهم ان كانوا زناة وتعفّفوا وتقدّسوا يشهدون. إن لم يكن الله كذلك فلا نعبدنّه. ولكن هذا هو إلهنا. "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم".
في العفّة عافية
المبتلون بالزنى، من الموقع الذي هم فيه، قد يرون العفّة مُضجرة، باهتة، رتيبة، لا إثارة فيها. أو لعلّهم يحسبون العفّة غير ممكنة أو يعتبرون العفيفين معقَّدين. وقد يظنّون ان العفيفين الحقيقيّين من غير طينة الناس. العفيفون بشر مثلنا، وقد كانوا، في وقت من الأوقات، حيث نحن اليوم. سيرتهم تعنينا، وتعنينا في الصميم، لأنّهم ينقلون لنا خبرة لا نعرفها عسى ان تتحرّك قلوبنا إلى محاكاتهم. كيف يعرف النقاوة مَن ينظر بعين غير نقيّـة؟! أو كيف يحكم في النور مَن هو قابع في الظلام؟! فلنقرأ ونصدّق لأن القدّيسين أيضاً من لحم ودم.
إذا كان الزنى هو المرض فالعفّة هي العافية. الزنى يشلّع النفس، أما العفّة فتجمعها. العفّة توحّد الإنسان مع نفسه والآخرين فيما يغرِّب الزنى الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. الجسد للزاني بيت وأداة للنجاسة وللعفيف هيكل وأداة للطهارة. ولا يحسبنّ أحد انه لا مجال للطهارة في الزواج. بالعكس. القدّيس يوحنا الذهبي الفم في عظته 14 على إنجيل متّى يقول وبوضوح: إن الغرض من الزواج هو المحافظة على نقاوة الجسد، وإن لم يكن الزواج كذلك فلا جدوى منه. والقدّيس أمبروسيوس، أسقف ميلان، يتحدّث لا فقط عن عفّة الذين حافظوا على عذريتهم بل عن عفّة المتزوّجين والأرامل أيضاً. ولا عجب فالقدّيس بولس في رسالته إلى تيطس يوصي الشيوخ الأساقفة بأن يكون كل منهم بعل امرأة واحدة – الأساقفة يومذاك كانوا يتزوّجون – وأن يكون، في آن معاً، متعقّلاً باراً متعفّفاً (راجع الإصحاح الأول من الرسالة). التعفّف، كما ورد في الرسالة إلى أهل غلاطية، هو ثمرة من ثمار الروح القدس.
العفّة، عند آبائنا، اسم جامع لسائر الفضائل (القدّيس ديادوخوس فوتيكي، القدّيس يوحنا السلّمي) وهي من الرفعة بحيث ساواها العديد من القدامى بـ"اللاهوى". اسمع ما يقوله عنها الشيخ يوسف الهدوئي:" ليست هناك تضحية إلى الله أطيب من عفّة الجسد... حتى عندما يغيّر العفيفون ملابسهم تعبق منها رائحة زكية عطرة تنتشر في المكان كأنك فتحت لتوّك إناء من المرّ..."
اسمع أيضاً أية بركات يمنحها الله لمن يحافظون على عفّتهم.
هل سبق لك ان قرأت عن يوسف الصدّيق في سفر التكوين؟ هذا تمسّك بعفّته ولم يستجب لدعوة امرأة فوطيفار، رئيس شرطة فرعون مصر، لمعاشرتها. أتعلم بمَ باركه الله؟ جعله الوزير الأول لفرعون وحفظ به أباه وإخوته وعشيرتهم من الموت جوعاً.
لا أظنّك سمعت عن قدّيس اسمه نيقولاوس السلافي؟ أتعلم مَن يكون؟ هذا نعيّد له في 24 ك1 . كان عسكرياً في أحد فيالق الجيش البيزنطي للامبراطور نقفر الأول، في القرن التاسع للميلاد. وفي معركة التحم فيها البيزنطيون والبلغار في 26 تموز سنة 811 م أُبيد الجيش البيزنطي عن بكرة أبيه. جندي واحد فقط بقي على قيد الحياة هو نيقولاوس هذا، الذي صار راهباً فيما بعد. أتعرف لماذا نجا؟ لأنه حافظ على عفّته وصدّ ابنة صاحب الفندق الذي نزل فيه في طريقه إلى أرض المعركة.
أتعلم أن هناك نساء انتحرن ومع ذلك اعتبرتهنّ الكنيسة قدّيسات، وعظيمات أيضاً؟ القدّيسة بيلاجية البتول الأنطاكية المعيّد لها في 8 ت1 هي واحدة من هؤلاء. هل تعلم انها انتحرت لتحفظ عفّتها؟ هل تعلم ما قاله القدّيس يوحنا الذهبي الفم في شأنها؟ قال إن الملائكة أحاطت بها وعظّمها رؤساء الملائكة وكان الرب يسوع المسيح نفسُه معها.
أتعلم ما فعلته القدّيسة البارة مستريديا الاسكندرانية (24 ت1) لتحفظ عفافها وعفاف شاب وقع في هيامها؟ سألته: ماذا يعجبك فيّ؟ فأجابها:" عيناك!" فرفعت إبرة الخياطة التي كانت في يدها وقلعت عينها وأعطته إيّاها وهمّت بقلع الأخرى، فوقع الشاب عند قدميها ورجاها بدموع ألا تفعل. وإذ عاد إلى رشده ذهب وترهّب.
وماذا أقول عن القدّيسة إيبا السكوتلاندية ورفقتها (2 نيسان)؟ أتعلم ماذا فعلن ليحافظن على عفّتهنّ لما درين بأن البربر آتون إليهنّ؟ جدعن أنوفهنّ وقطعت كل منهنّ شفتها العليا.
إقرأ أخبار القدّيسين العفيفين تجد ما يدهشك. العفّة، بالنسبة إليهم، كانت أثمن ما في الحياة وأثمن من الحياة لأن العفّة هي الحياة جديدة وتقرّب الإنسان إلى الله، تُهيِّـئُه لسكنى الله فيه أو قل هي سكنى الله فيه. فإلى فلك المحبّـة الإلهية تنتمي العفّة، كما قال المغبوط أوغسطينوس
تخف! الخلاص قريب المنال
ليس أحد منا مغلوباً على أمره بالكلّية. لم يعد الإنسان يائساً لأن الله "إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيئة ولأجل الخطيئة دان الخطيئة في الجسد" (رو 8). لم تعد الخطيئة غلاّبة فينا. المسيح قَوِيَ عليها من أجلنا. أقصى نجاح تصيبه الخطيئة ان تبثّ فينا اليأس. توسوس لكل واحد منّـا أنْ " لا خلاص له بإلهه". لذلك أهمّ ما في الأمر إلا يستسلم أحد منّا لقدره، ألا ييأس. في ذواتنا نحن عاجزون، علينا أن نُدرك ذلك جيِّداً، لكننا في المسيح قادرون. "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقوّيني". نحن ضعفاء؟! لا بأس. لا بل يتحدّث الرسول بولس عن ضعفه بافتخار. السبب؟ "لكي تحلّ عليّ قوّة المسيح". لأن قوّة المسيح في الضعف تُـكمَـل. فحين أكون ضعيفاً، إذ ذاك أصير، في المسيح، قوياً. لم يأت المسيح ليدعو صدّيقين بل خطأة إلى التوبة. لم يأتِ ليدعو أقوياء إلى الخلاص لأنّه ليس أحد قويّـاً في ذاته. جاء ليدعو راغبين وهو يقوّيهم. في الخاطئ التائب، بصورة خاصة، تتجلّى محبّة الله وعظمته وقدرته. استيقظ أيها النائم ليضيء لك المسيح! مهما كنتَ خاطئاً، مهما كنتَ مستغرقاً في زناك، مهما كنت ضعيفاً، فالمسيح قادر على إخراجك من الجب الذي أنتَ فيه. المهم فقط أن تريد، أن تشتاق إلى العفّة، ان تسعى إليها أن تصرخ، أن تبكي. ولو فشلت ألف مرّة قم ألف مرّة. لست أسوأ حالاً من القدّيسة مريم المجدلية التي أخرج منها الرب سبعة شياطين والبارة بيلاجية الأنطاكية (8 ت1) والبارة تائيس الإسكندرانية (8 ت1) والقدّيسة أفدوكيا البعلبكية (أول آذار) والقدّيسة مريم الرهّاوية (29 ت1)، وخصوصاً القدّيسة مريم المصرية (أول نيسان). هؤلاء امتهنّ الزنى وغرقن في الفجور حتى أنوفهنّ ومع ذلك تُبن وتقدّسن فصرن، بالمسيح، معلّمات للعفّة، بصورة مميّزة. المهم ألا تبقى في خطيئتك. المسيح يسامحك لكنه يوصيك: إذهب ولا تخطئ بعد لئلا يصيبك أشر.
يا أخي ويا أختي، المسافة بين الزنى والعفّة أقصر مما تتصوّر. تبدأ برغبة، بقرار: "أتريد أن تبرأ؟". من هناك عليك ان تصمد ما وسعك. جاهد ألا تسقط، وإذا ما سقطت، قم ثانية بكل نيّـة صادقة وعزم كامل وابدأ من جديد. كلّما فعلتَ ذلك فعلَتْ فيك نعمة الله. ألقِ أنت بفلسك فيلقي المسيح مقابله بألف دينار. لا تريد ان تتألّم؟! إذاً لا يمكنك ان تخلص! الألم، في كل حال، مفروض عليك. فأيهما أنفع لك ان تتألّم من أجل الحقّ أم من أجل الباطل؟ أتظن أنك إن ألقيت بنفسك في الفجور هرباً من المواجهة ستكون في حال أفضل؟ معاناتك وأنت أسير الفجور ستكون أكبر. ألم الفراغ وانتظار الموت أكبر بكثير. وستتألّم حينئذ على غير طائل. لن تنتفع شيئاً. الخيار خيارك. كل ما تحتاج إليه لتحظى بالعفّة هو إرادة طيّبة وعزم ثابت. وفي الوقت المناسب يعطيك الله إيّاها هبة من عنده. الثمن الذي تدفعه ليس بشيء قياساً بقيمة العفّة كأنك تشتري سيارة بثمن دولاب. كن ملحاحاً، كن لجوجاً في طلب رحمة الله فتأتيك من حيث لا تدري. اسمع هذه القصّة:
"أخبروا عن أخ مقاتَل بروح الزنى أنه كان يسقط مرّة بعد مرّة. فأقام كارهاً لنفسه صابراً على بليّته. وكان يصلّي إلى ربّه قائلاً: يا رب! أنت ترى شدّة حالي وحزني فانتشلني يا رب أشئت أنا أم أبيت، لأني كالطين، أشتاق وأحب الخطيئة. ولكن أنت الإله الجبّار اكففني عن هذا الفعل. فإنك ان كنت ترحم القدّيسين فقط فليس هذا بعجيب. وإن كنتَ تخلّص الأطهار فقط فما الحاجة لأن أولئك مستحقون، ولكن فيّ أنا، غير المستحق، يا سيّدي، أَظْهِرْ رحمتك العجيبة لأني إليك أسلمت نفسي". هذا ما كان يردّده كل يوم، أَخَـطئ أم لم يُـخطء. فلما كان ذات يوم وهو واقف يصلّي ان الشيطان ضجر من رجائه الحسن وشدّة عناده، فظهر وقال له: كيف تقف بين يدي الله، يا هذا، وتنطق باسمه وكلّك نجس؟! فأجابه: ألست أنت تلحّ عليّ بتجاربك؟! أنا أيضاً ألحّ عليك بصلاتي إلى الله. أنت توقعني في الخطيئة وأنا أطلب من الإله الرحيم ان يتحنّن عليّ. سوف أقف لك بالمرصاد حتى الموت ولا أقطع رجائي بإلهي. لن أكفّ عن التصدّي لك. وسترى مَن يغلب: أنت أم رحمة الله. فلما سمع الشيطان كلامه غادره خشية ان يزداد رجاءً بإلهه".
أمثلة، من حياة القدّيسين الشباب، كيف جاهدوا وحافظوا، بنعمة الله، على عفّتهم وكيف ربحوا ملكوت السموات
عندنا، بين القدّيسين، مَن تمسّكوا بعذريتهم وسلكوا في العفّة اقتداء بيسوع حتى الموت. وعندنا أيضاً قدّيسون شردوا، أوّل أمرهم، ثم تابوا وصاروا عفيفين، لا بل معلّمين للعفّة.
القدّيسة لوسيا الصقلية المعيَّد لها في 13 ك1 كانت مخطوبة. قرّرت، في سرّها، ان تبقى عذراء عفيفة وتوزّع ثروتها على الفقراء. عرف خطيبها فحاول إقناعها بالعدول عن رأيها فلم ينجح. وشى بها أنها مسيحية. قبض عليها الوالي وهدّدها بأن يلقيها في سوق الدعارة لينجّسها إذا تمسّكت بموقفها من العذرية. أجابت: لا يتنجّس الجسد من دون رضى الفكر. وقد حفظها الله ولم ينجح أحد في التعرّض لبتوليتها إلى ان قطع الحاكم رأسها.
القدّيسة الشهيدة خاريتيني (6 ت1). هي أيضاً تمسّكت بعذريتها وعفّتها فأراد الوالي ان يلقيها في أحد بيوت الدعارة لاذلالها فصلّت إلى الله فأخذها إليه.
القدّيسة البارة مريم المصرية (أول نيسان) كانت تتعاطى الدعارة ثم تابت وصارت عفيفة وقدّيسة عظيمة في الكنيسة. القدّيسة البارة بيلاجيا الأنطاكية (8 ت 1) كانت أيضاً امرأة هوى ثم تابت وصارت قدّيسة عظيمة. وكذلك القدّيسة أفدوكيا (أول آذار).
القدّيسة البارة مريم الطرسوسية (14 أيلول). كانت امرأة شاردة، تحرّشت براهبَين فصدّاها فعادت إلى نفسها وتابت وصارت قدّيسة.
القدّيسة مريم الفلسطينية (29 أيلول) كانت قارئة مزامير في أورشليم. وكانت سبب إعثار لبعض النفوس الضعيفة بسبب جمال خلقتها. فلكي لا تجرح نفس أحد من الضعفاء خرجت إلى البرّية وتنسّكت وتقدّست.
القدّيسة البارة بريجيت الإيرلندية (أول شباط) كانت جميلة جداً. تهافت عليها طلاب الزواج. أما هي فاشتهت حياة البتولية. صلّت ليضربها الله بالبشاعة، فينفر منها طالبوها. فقدت إحدى عينيها. في اليوم الذي انضمّت فيه إلى أحد الديورة استردّت نظرها وجمالها
القدّيسة الشهيدة أغنيس الرومية (21 ك2) كانت ترشد النساء إلى المسيح وهي بعد في الثانية عشرة. أُلقيت في أحد بيوت الدعارة. كل الذين حاولوا الاقتراب منها صدّتهم قوّة غير منظورة. أحد العنفاء حاول أخذها بالقوّة فسقط على الأرض ميتاً.
القدّيسة مريم الرهّاوية (29 ت1). غرّر بها أحد الشبّان رغم انها كانت بتولاً للمسيح. يئست واستسلمت لحياة الدعارة. أرسل لها الرب الإله مَن جعلها تعود إلى نفسها وتتوب. تابت وتقدّست.
القدّيس كورنيليوس الدمشقي (3 ك1) كان إنساناً ماجناً. تاب إلى ربّه وشاء أن يوزّع ثروته على الفقراء. التقى امرأة جميلة جداً على زوجها دين كبير أُلقي بسببه في السجن. فلكي يحمي كورنيليوس المرأة من بيع جسدها أعطاها كل ثروته لتوفي الدين.
القدّيسة الشهيدة بيلاجية البتول الانطاكية (8 ت1). كانت في الخامسة عشرة حين وُشي بها أنها مسيحية. فلما جاء الجنود لإلقاء القبض عليها عرفت انهم سينالون منها. فطلبت ان يُسمح لها بإعداد نفسها فسمحوا فدخلت إلى الداخل وبكت وطلبت من الله أن يعينها فألهمها أن تلقي بنفسها من الطابق العلوي فألقت بنفسها وماتت.
الشهيدة دومنينة الانطاكية وابنتاها برنيقي وبروسدوكي (4 ت1). استاقهنّ الجنود من الرها في الطريق إلى منبج. فلما توقّفن بقرب نهر الفرات عرفن أن الجنود سوف يعتدين عليهنّ، فصلّين وألقين بأنفسهن في المياه فقضين غرقاً.
بإمكاننا أن نسترسل في الحديث عن العفيفين والعفيفات وكم كانوا مستعدّين لبذل كل غال ورخيص من أجل الحفاظ على عفّتهم. هؤلاء كانوا مثلنا وكانت ظروفهم، أحياناً، أصعب من ظروفنا، لكنهم أحبّوا الله من كل قلوبهم. اختاروا يسوع اختياراً نهائياً ولم يردّهم عنه شيئاً.