مناقشة النقد الغربي لموقف القديس بالاماس
لقد أبدى بعض الكتاب الغربيين آراءهم في النزاعات العقائدية للقرن الرابع عشر، فرأوا في موقف القديس بالاماس من النور الإلهي والقوى الإلهية هرطقة مستحدثة، بينما أظهروا أعداءه كمدافعين عن التقليد المشترك بين الشرق والغرب. وقد تمحور انتقاد هؤلاء الكتاب للقديس بالاماس بأنه علّم، حسب زعمهم ، بوجود فرق حقيقي بين الجوهر الإلهي ουσια وبين القوى والفاعليات الإلهية ενεργειαι مما يتنافى مع بساطة الله. وفي الواقع فالقديس بالاماس يميز بين الجوهر والقوى التي يعتبرها صادرة عن الجوهر والطبيعة المشتركة للأقانيم الثلاثة. لكنه لا يعلّم البتة أن هناك تركيباً أو اختلافاً في اللوهة لأن الجوهر والقوى، بحسب بالاماس، ليسا جزئين مختلفين في الله بل هما طريقان مختلفان لوجود الله، في جوهره وخارج جوهره. وهكذا يبقى الله بالكلية غير مقتربٍ إليه بحسب جوهره ويشارك فعلياً بحسب النعمة.
وكما تعلمنا من الإعلان الإلهي ومن الآباء السابقين، فبساطة الله هي بساطة تضادية، تماماً ككل الأمور التي تخصّ الله. إذ أنها لا تمنع التميز لكنها لا تقبل الانقسام أو الإنفصال في الكائن الإلهي. فمثلاً لماذا يرفض الغربيون التميز بين الجوهر والقوى الإلهية بحجة البساطة ، ولا يرفضون التمييز بين الجوهر والأقانيم الإلهية، أو بين الأقانيم ذاتها بسبب الحجة عينها ؟ وحتى في واقعنا المخلوق ألا يبقى الفكر البشري بسيطاً رغم ما فيه من إمكانيات وما يصدر عنه من نشاطات ؟ هكذا فإمكانيات الله الكامنة اللانهائية وفعالياته غير القابلة للحصر تبقى متحدة مع الجوهر. لهذا يتكلم القديس غريغوريوس أحياناً عن عدد لا متناه من القوى والفعاليات، وأحياناً عن قوة أو فعالية واحدة. من هنا، فغن تضادية الله غير القابلة للإدراك ليست فقط بين الجوهر والأقانيم أو بين الجوهر والقوى، بل هي أيضاً بين القوى ذاتها. لذا يمكن القول أنه يوجد عدد لا متناهٍ من القوى أو الفعاليات عند الله أو أن يقال يوجد عنده تعالى قوة أو فعالية واحدة. لأن فعاليات الله غير المتناهية في العدد والتنوع هي واحدة كونها حركة الله الواحدة وقوته الواحدة ( مثال الشمس ) . من هنا لا بد من أن نذكر أن التعليم حول القوى الإلهية والذي نجد جذوره في الكتاب المقدس وعند الآباء الأقدمين لم يكن نتيجة لتاملات فلسفية بل كان ثمرة خبرة حياة مع الله، اكتشف فيها القديسون أن مشاركتهم لله لم تكن بحسب جوهره الذي لا يمكن أن يُرى أو يُقترب إليه، بل كان بحسب نعمته التي اختبروها وذاقوا أنها إلهية لأنها ربطتهم مباشرة بالإله غير المخلوق وغير المدرك. وهذه الخبرة وحدها يمكن أن تفسر التضاد في الرؤيا الإلهية والذي أشرنا إليه في مطلع هذا الفصل.
وأخيراً يبقى أن تطرح على النقاد الغربيين للقديس بالاماس ثلاثة أسئلة حاسمة وردت أفكارها عند القديس المذكور أثناء نزاعه مع مضادي عصره، وهي كالتالي :- إذا أنكرنا المعرفة أو الرؤيا أو المشاركة المباشرة لله، فكيف يمكن أن نفسّر النصوص الكثيرة في الكتاب المقدس وعند الآباء التي تؤكد هذه المشاركة؟ إلى هذه النقطة يشير قديسنا فيقول ' لقد تسلمنا من اللاهوتيين الموقرين كلا الأمرين معاً، وهو أن جوهر الله غير قابل للمساهمة وأنه إلى حدّ ما قابل. وأننا نشارك في الطبيعة الإلهية ولا نشارك البتة. فيجب إذن أن نحافظ على الأمرين ونضعهما في مكانهما اللائق من العبادة الحسنة '.
- إذا اعتبرنا أن القديس غريغوريوس مبتدع بسبب كلامه عن القوى الإلهية الصادرة عن الجوهر الإلهي والمتحدة معه. فهل الآباء الذين تكلموا عن القوى والفعاليات الإلهية قبله، كالكبادوكيين وديونيسيوس الأريوباغي ومكسيموس المعترف ويوحنا الدمشقي وسمعان اللاهوتي الحديث مبتدعون أيضاً ' ؟
- إذا رفضنا التمييز بين الجوهر الإلهي وبين القوى أو الفعاليات الإلهية فنحن مجبرون أن نقرّ بأن مواهب الله ونعمته المعطاة من أجل خلاص الإنسان هي مخلوقة. وعندها فكيف يستطيع أن يخلّص الإنسان ويؤلّهه من ليس إلهياً ؟ وألا تفصل هذه النعم المخلوقة بين الله والإنسان أكثر بما لا يقاس فيما لو كانت هذه النعم غير مخلوقة؟ وهنا نصل إلى النقطة المحورية التي كانت تشغل بال الآباء في صراعهم مع هراطقة كل العصور والتي على أساسها كانوا يقوّمون أية هرطقة. وهي أن المسيح قد أتى لخلاص البشر وتأليههم، ولهذا فكل ما يتفق مع هذا الخلاص والتأليه يتفق مع استقامة الإيمان، وكل ما يعوقهما هو حتماً ضد هذا الإيمان. وقد لخص القديس بالاماس هذا الموقف نفسه ضد هراطقة عصره بالعبارة التالية : ' إما ان نقبل التمييز بين الجوهر وبين الفعاليات، بينما هم مجبرون على أساس فكرتهم الفلسفية عن بساطة الله أن يُدرجوا مجد الله ونعمته ونور التجلي بين الخلائق. وإما يجب أن يرفضوا جذرياً هذا التمييز وعندها يضطرون أن يطابقوا بين ما هو غير قابل للمعرفة وبين ما هو ممكن أن يعرف وبين عدم القابلية للمشاركة وبين القابلية لها، وبين الجوهر والنعمة. وفي كلتا الحالتين يصبح تأله الكائن المخلوق مستحيلاً، ومعه كل إمكانية فعلية للمشاركة مع الله.