هل نحن عميان؟
إن المشكلة مع هذه الجماعات أنها تقذفك بوابل من الآيات المقتطعة بعناية فائقة من العهدين القديم والجديد وتقول لك هكذا يقول الكتاب المقدس!؟ ويستعمل مُبشروها شتى وسائل التأثير النفسي الممكنة. وإذا ما تسنّى لك مشاهدة بعض محطاتهم التلفزيونية تشاهد شخصاً يبكي ويضحك، يبتسم ويكشر، ويصرخ ويوبخ ويلاطف سامعيه، ويقفز ويركض أمامهم في محاولات لإقناعهم إلى أن ما يتفوّه به هو أصل الحقيقة.
نعم إن الكتاب المقدس واضح لكنه بالغ العمق وليس بهذه السطحية حتى يُقولبَه كل من يشتهي على شاكلة عقله الملتوي. إنه مشيئة الله وكلامه لخلائقه، وليس أحدٌ يعرف كنهه غير روحه القدوس الذي أوحى به «إن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس» (2بط1: 20ـ 21). والروح القدس أُعطيَ بالمسيح إلى الكنيسة وهو يعمل فيها ويقودها، فللكنيسة إذاً (الجماعة المؤمنة) وحدها أن تفهم الكتاب وتُفسِّره.
في مقالٍ سابق نُشر في هذه النشرة[1] على عددين كُنت بيّنت كيف أن العبرانيين ليسوا الشعب المقدس لله منذ أن جاءهم الرب يسوع ودعاهم للإيمان به فرفضوا وصلبوه وجعلوا دمه على ذُريتهم (متى27: 25). وهم الذين حكموا على أنفسهم بالاقتطاع من كرمة الرب عندما سألهم ماذا يفعل صاحب الكرم بالكرامين الأردياء الذين قتلوا عبيده وابنه، فأجابوه «أولئك الأردياء يُهلِكهم هلاكاً رديئاً ويُسلّم الكرم إلى كرّامين آخرين يُعطونه الأثمار في أوقاتها» فقال لهم «ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطى لأمةٍ تعمل أثماره» (متى21: 33ـ 46). والأمة التي أُعطي لها هي الكنيسة حيث أبناؤها (المؤمنون الحقيقيون) هم أبناء الله الآب بيسوع المسيح «إلى خاصته (اليهود) جاء وخاصته لم تقبله وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه» (يو1: 11و 12). وهذا يكون إذا لم تنحرف الكنيسة وتسقط في أخطاء إسرائيل القديم من حقدٍ وعنصرية وكراهية للشعوب والإثنيات الأخرى. والكنيسة الرسولية كانت ولا تزال أمينة وفية لتعاليم سيدها الذي افتداها واقتناها بدمه الخاص، وهي إسرائيل الجديد والشعب المختار بيسوع المسيح، رسالتها خدمة ومحبة وسلام للبشر جميعاً على كافة ألوانهم وأديانهم وقومياتهم، وقدرها أن تغسل أقدام المعذَّبين وتمسح دموع الباكين في هذا العالم لسببٍ بسيط، هو إيمانها المطلق بأن كل إنسان هو مخلوق على صورة الله وأن المسيح ماتَ فداء للبشر جميعاً دون تمييز وليس لأجل فئة دون أخرى.
لا يمكن للكنيسة أن تترقّب دمار العالم انتظاراً لمجيء مخلصها، أما كيف سيجيء فهذا شأنه وهو طلب إلينا ألا نسأل عن ذلك الوقت وتلك ا لساعة (أع1: 6ـ 7 ومت24: 36)، بل الأجدر بنا أن نسهر ونصلّي متممين مشيئته فمتى جاء نفرح بلُقياه فرح العذارى العاقلات بلقاء العريس (مت25: 10) بدل الترهيب والوعيد بحروب وكوارث وضحايا أبرياء.
لقد تنبّأ أنبياء العهد القديم بانهيار دولة إسرائيل عندما رأوا أن الشعب حادَ عن طريق الربّ وانجرف في ضلالات الأمم الوثنية ولم يبقَ أميناً لما اختيرَ لأجله، فحدث السبيّ وانتهت مملكتهم، ثم خرج فيما بعد أنبياء آخرين في زمن السبي يُعزّون الشعب، الذي أدرك ضلاله وقصاص الله العادل، بأنّ الرب أمين لمواعيده وسيعود فيجمعُ شتات شعبه ويردُّهم إلى أرضِهم كما كانوا بعدما أدّبهم ليعلموا أنه معهم بقدر ما هم أمناء له ولوصاياه. ولما جاء المسيح الذي هو غاية العهد العتيق وتحقيق كل النبوءات، أعلن تمام نُبوّات العهد القديم به، وأسس كنيسة الشعب المختار الجديد للرب على مبادئ جديدة، بحيث تكون صورة منظورة للكنيسة السماوية اللامرئية، على رجاء أن تجتمعا يوم القيامة. وعليه لا يجوز أن تُحمَّل نبوءات العهد القديم ما لا تحتمله ولا أن تُفبرك وتُقولب لتُرضي أهدافاً سياسية وبشرية أو لتشبع نفوسَ حفنةٍ مريضة من مصاصي الدماء والمهووسين بالحرب والمجد الباطل، الذي شاء القدر أن يكونوا في مراكز تمكّنهم من اللعب بحياة كثير من الأبرياء، فانطلقوا يشنون الحروب ويشعلون مناطق العالم بالدّمار والخراب لأهداف أنانية ودنيئة غير ظاهرة تحت غطاء تحقيق مشيئة الله واستعجالاً لنزول المسيح، مدعومين بغطاء ديني من قبل بعض الضّالين والمُضَلّلين الذين يعبثون بعقول كثير من البسطاء ليدفعوا بهم إلى اعتناق ضلالاتهم وهرطقاتهم. نتساءل هنا ما الفرق بين حالات الانتحار الجماعي التي حدثت وتحدث بين حين وآخر استعجالاً للوصول إلى العالم الآخر، والسعادة المطلقة لدى بعض من أتباع الضلالات والعبادات الشيطانية، وبين تسويغ شرّ الحروب والمذابح وتهجير شعبٍ من أرضه تعجيلاً بمجيء المسيح وتحقيق الملكوت الألفي كما يزعمون؟! إن الإنجيلي يوحنا والرسل والأنبياء والمسيح كافة أبرياء من مثل هؤلاء الذين يأتون في ثياب الحِملان وهم في ذواتهم يحملون السم والموت «احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتون بثياب الحملان وفي داخلهم ذئاب خاطفة من ثمارهم تعرفونهم». هؤلاء يقول فيهم له المجد «يأتي عليكم كل دم زكي سُفِك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيّا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح» (مت23: 35) وإلى دم آخر طفلٍ أو شيخ أو امرأة يُسفك بلا ذنب على هذه الأرض في كل بقعة تلتهم أبناءها نيرانُ حروبهم.
الكنيسة الرسولية بعيدة كل البعد عن سفاسفهم الدنيئة، وتعليمها واضح: «العهد القديم كلمة الله إلى العالم أجمع من خلال شعب صغير اختاره ليوصل الرسالة، لم يُميِّزه عن غيرهِ من الشعوب بشيء ولم يَختره لتميُّزه عنهم بأي شيءٍ، ولما فشلَ الشعب المختارُ أن يوصل إرادة الله وأن يكون بركةً للأمم، أرسلَ الله في ملء الزمان ابنه الوحيد (كلمته) متجسداً من عذراء طاهرة ليعلن إرادته على الملأ فآمن من آمن وأعرض من أعرض، وصارت الكنيسة هي الشعب المختار الجديد المُكلّف بنقل إرادة الله للبشر، وهي محور تدبيره لخلاص العالم أجمع في النهاية، فلم يبقَ للاختيار القديم من معنى. والعهد القديم يروي سيرة التدبير الإلهي منذ فجر الخليقة إلى الكنيسة، عندما نقرأ فيه، يجب أن نتلمّس وجه يسوع ونبحث عن تهيئة العالم لمجيئه المجيد، فهو غاية العهد القديم وإتمام كل النبوءات. وتعلن الكنيسة في قانون إيمانها أنه سيعود بمجد عظيم ليدين الأحياء والأموات ولا فناء لملكوته. ولكنها لا تنتظر قدومه بطائرات حربية ولا على متن الدبابات ولا بالصواريخ النووية فوق أشلاء خليقته «ابن الإنسان لم يأت ليهلك الناس بل ليُخلّص» (لو9: 56)، وليس كما يفعل مُصدِّروا الحرية والديمقراطية والعدالة للشعوب، بل بغتةً سيأتي بمجدٍ ملائكي عظيم "تحيط به مراتب الملائكة». الكنيسة تفهم العهد القديم بنور يسوع المسيح وهي لا تنتظر مجيء يسوع المسيح الثاني بنور نبوءات العهد القديم. يجب التمييز في هذا، وإلا عُدنا إلى حالة أشبه بفترة مجيئه الأول عندما كان كثرةٌ من اليهود ينتظرونه ملكاً يطرد الرومان ويقيم لهم ملكوتاً أرضياً زائفاً يُرضي أحلامهم الشهوانية بالسيطرة على الشعوب واستعبادها باسم الله.
أخيراً:
في مرحلة عصيبة كهذه ندرك أننا نقترب أكثر فأكثر من آخر الزمان، عزاؤنا كلمات السيد المسيح ورسله التي سبقت فأنبأت بهذه الأيام. لم ولن تُشعل الكنيسة حروباً ليأتي ربُّها، ولن تتسبب بمقتل أحد استعجالاً لقدومه، بل تملأ مصابيحها زيتاً وتترقّب الآتي من البعيد وهو القريب جداً منها، لأنه مقيم فيها بحالٍ غير منظورة، وهي ملكوته على الأرض. يؤلمنا كم نحن بحاجة إلى محطة تلفزيونية فضائية كنسية متخصصة لفضح الهرطقات التي تلتهمنا بمساعدة أرقى أنواع التكنولوجيا ونحن لا حول لنا ولا قوة. وختاماً، تحذيرات تأتي بلسماً في نهاية الحديث الذي حاولت اختصاره لكن الموضوع طويل وشائك.
«سيقوم أنبياء ومُسحاء كذبة ويُعطون آياتٍ عظيمة وعجائب حتى يُضلوا ولو أمكن المُختارين أيضاً» (متى24: 24).
«ولكن أيضاً في الشعب أنبياء كذبة كما سيكون فيكم أيضاً معلمون كذبة الذين يدسّون بدع هلاك وإذ هُم ينكرون الرب الذي اشتراهم يجلبون على أنفسهم هلاكاً سريعاً وسيتبع كثيرون تهلكاتهم الذين بسببهم يُجدَّف على طريق الحق وهم في الطمه يتجرون بكم بأقوال مُصنّعة الذين دينونتهم منذ القديم لا تتوانى وهلاكهم لا ينعس... أما هؤلاء فكحيوانات غير ناطقة طبيعية مولودة للصيد وللهلاك يفترون على ما يجهلون فسيهلكون في فسادهم آخذين أجرة الإثم الذين يحسبون تنعّم يوم. لِدة أدناس وعيوب يتنعمون في غرورهم صانعين ولائم معكم. لهم عيونٌ مملوءة فسقاً لا تكفّ عن الخطيئة خادعون النفوس غير الثابتة. لهم قلبٌ متدرّب في الطمع أولاد اللعنة... هؤلاء هم آبارٌ بلا ماء غيوم يسوقها النوء. الذين قد حُفظ قتام الظلام إلى الأبد. كان خيراً لهم لو لم يعرفوا طريق البر من أنهم بعدما عرفوا يرتدون عن الوصية المقدسة المسلمة لهم وقد أصابهم ما في المثل الصادق كلب عاد إلى قينه وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحمأة» (2 بط2: 1ـ 22).
كلام القديس بطرس، هامة الرسل، خير رد للكنيسة على أمثال هؤلاء، وليتنا نعي أنه ليس كل من رفع صليب الرب يرفعه مبشراً بالمحبة والفداء. فهناك من رفعه ويرفعه لقتل البشر باسمه، ويحتل الأراضي مبرراً أعمال الشيطان في العالم، أما نحن، في كنيسته، فنحمله وراء الفادي ليصل سلامه قلوب الناس جميعاً، ببذل الذات والتضحية ومحبة الآخرين بصدق عميق، أياً يكن جنسهم أو عرقهم أو لونهم أو دينهم، حباً ووفاء للذي أحبّ حتى موت الصليب، له كل مجد وإكرام إلى دهر الداهرين، آمين.
المراجع:
1. Christian Zionism: www.Christianactionforisrael.org
2. Christian Support for the state of Israel: www.Religioustplerance.org
3. Christian Zionism: http://mb-soft.com/believe/text/czionism.htm
[1]ـ النشرة: السنة العاشرة 2001، العددين 8، 9: ملكوت الله ينزع منكم.
[align=left]
النشرة العدد الثالث 2004[/align]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات