الآباء الأولون والفيلوك
يؤكد ريتشل Ritchl أهمية التحذير بأنه لا يجب أن تؤخذ عبارات منعزلة في كتابات الآباء اليونان (الذين كتبوا باليونانية) كأسس كافية تعتمد عليها عقيدة الفيلوك، إنما يلزم أن تستند هذه العقيدة على دراسة فاحصة شاملة للاهوت الثالوثى في التقاليد اليونانية واللاتينية .
[ملاحظة هامة: في كل العبارات التي يستخدمها الغرب لتأكيد عقيدة الفيلوك لم يكن حديث الآباء منصبًا على علاقة الروح القدس بالأقنومين الآخرين إنما كان على أحد أمرين:
أولاً: إما تأكيد لاهوت الابن ومساواته للآب في الجوهر للرد على الأريوسيين منكري لاهوت المسيح.
ثانيًا: أو إبراز دور السيد المسيح في إرسال الروح القدس؛ وهنا يجب التمييز بين إنبثاق الروح القدس الأزلي من الآب بكون الآب وحده العلة وبين إنبثاقه أو بمعنى أدق إرساله من الآب خلال through الابن أو بواسطته بكونه الروح الساكن فينا يهبنا الإستنارة والتقديس والتبرير...الخ، بمعنى آخر يهبنا شركة الحياة في المسيح لنحمل برّ المسيح فينا.هذا ما سنوضحه بأكثر في النقاط التالية:]
1.يحاول بعض اللاهوتيين الغربيين تدعيم عقيدة الإنبثاق المزدوج للروح القدس بالتعبير الآبائي القائل: "ينبثق من الآب بواسطة through الابن" الذي استخدمه أوريجانوس وترتليان والقديسان أثناسيوس وباسيليوس . ويفسر الأب مكسيموس المعترف هذه العبارة على نحو صحيح لا بمعنى أن الابن هو مصدر الروح، لأن الآب وحده هو مصدر الابن والروح القدس، بل بمعنى أن [الروح ينبثق بالابن معبرًا عن وحدة الطبيعة ]. هذا ولم يقرر هؤلاء الآباء صراحة في أي من كتاباتهم بأن الروح ينبثق من الابن، بل على العكس يقررون في بعض كتاباتهم أن الروح القدس ينبثق من الآب .
2.يعتبر العالم الكاثوليكي ج. كواستين أن القديس أثناسيوس وديديموس الضرير مؤيدان للتعليم بإزدواج إنبثاق الروح القدس، لأن الأول يقول بأن الروح هو صورة الابن كما أن الابن هو صورة الآب ، ويستخدم الثاني ذات التعبير وتعبيرات أخرى بنفس المعنى.
يقول كواستين: [بالنسبة لديديموس كما للقديس أثناسيوس يأتي التعليم الخاص بالروح في علاقه وثيقة تمامًا بالتعليم الخاص بالابن. في الصراع الأريوسي جاءت الهرطقة الخاصة بالأول (بالروح) نابعة عن الهرطقة الخاصة بالثاني (الابن). وهكذا فإن ديديموس لم يكرس فقط الكتاب الثاني من عمله "عن الثالوث De Trinitate" للروح القدس، وإنما وضع بحثًا خاصًا "عن الروح القدس De Spiritu Sancta" حتى دُعي "لاهوتي الروح القدس" وأشاد به مجمع فلورانس لشهادته المتعددة الأشكال والصريحة عن إنبثاق الروح القدس من الآب والابن ]. إلاَّ أنه بالرغم من قوله هذا يعود فيضيف أيضًا: [بخصوص إنبثاق الروح القدس من الآب والابن فإن ديديموس في مقاله "عن الثالوث" لم يتجاوز القول بأن الروح القدس "ينبثق من الآب ويمكث لاهوتيًا في الابن" (١: ٣١). إلاَّ أنه يذكر بأن الروح القدس "هو صورة الابن كما أن الابن هو صورة الآب" (٢: ٥)، وأنه روح الابن مساوٍ للآب في ذات الجوهر homoousios، هكذا الروح القدس بالنسبة للآب والابن (٢: ٢٧؛ ١: ١٩). إن كانت الترجمة اللاتينية للقديس چيروم أعطى حق قدره فإن ديديموس قد أظهر تقدمًا وأصاغ بوضوح عقيدة إنبثاق الروح القدس من الآب والابن ].
يظهر من النصين اللذين أوردناهما عن الدارس الكاثوليكي كواستن أنه يحاول تأكيد أن القديسين أثناسيوس وديديموس إعتقدا بإزدواج إنبثاق الروح القدس، ولكن من الواضح أن هذه العقيدة لم تذكر بصراحة في كتاباتهما. إنما حاول هو أن يعتبرها نتيجة من بعض عبارات تتحدث بطريقه غير مباشرة بإستثناء عبارة وردت في ترجمة القديس چيروم اللاتينية وقد تشكك كواستن في قبولها (بكونها قد لا تتطابق مع الأصل اليوناني).
إستخدم القديس أبيفانوس تعبيرات مماثلة، إذ قال إن الروح القدس ينبثق من الآب ويأخذ من الابن ، وإنه من ذات جوهر الآب والابن ، إنه من الآب والابن . كذلك يقرر القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن الروح ينبثق من الآب ويأخذ من الابن .
والكنيسة الغربية في العادة تعتبر القديس كيرلس الاسكندري واحدًا من أهم الشهود لهذا التعليم . لقد قال بأن الروح القدس يفيض جوهريًا من كليهما، أي من الآب بواسطة through الابن ، إنه صورة الابن التي لا تتغير . إنه يصدر ذاتيًا وجوهريًا من الآب في الابن .
ولكي نفهم هذه التعبيرات الآبائية يليق بنا إدراك الملاحظات التالية:
+ هذه النصوص التي ثار حولها النزاع بين الكنائس الغربية والبيزنطية كان الهدف الأساسي للآباء المشار إليهم منها هو الهجوم ضد الأريوسية؛ أي إثبات هوية المسيح بكونه اللوغوس الأزلي الأبدي، ولم يكن تعليم الفيلوك في ذهنهم أو نقطة خلاف بينهم مطقًا .
+في هذه النصوص الآبائية نجد أن الإنبثاق "من" أو "بواسطة" through الابن لا يشير إلى الوجود الأقنومي بل إلى إعلان الله عن ذاته أي الإعلان الدائم عن بهاء الله من جهة اللاهوت، وعن تدبير إرسال الروح بواسطة الابن أو "كارسماتا Charismata" الروح .
+بخصوص الوجود الأقنومي يؤكد الآباء أن الروح القدس ينبثق من الآب وحده.
+يؤكد أن الروح القدس نفسه أيضًا الذي يعمل في الأنبياء، فيض الله، يفيض منه ويرجع كشعاع الشمس .العلامة أثيناغوروس
+الروح القدس هو في الواقع روح، يصدر بالفعل عن الآب ولكن ليس بذات الطريقة التي لإصدار الابن، إذ يتم لا بالولاده بل بالإنبثاق .القديس غريغوريوس النزينزي
+هكذا لا يمكن خاصية أقنوم الآب أن تنتقل إلى الابن أو إلى الروح القدس. إنها خاصية الآب أن يكون موجودًا دون علة وهذا لا ينطبق على الابن والروح، فإن الابن خرج من عند الآب (يو١٦: ٢٨)، ويقرر الكتاب أن "الروح ينبثق من الله" و "من الآب" (يو١٥: ٢٦) .
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
ويقرر القديسان أثناسيوس الاسكندري وباسيليوس أن الروح القدس منبثق من الآب.
+بخصوص الإعلان المستمر عن بهاء الله في اللاهوت قيل أن الروح القدس منبثق من الآب بواسطة through الابن. وأن الروح هو صورة الابن وأنه روح الابن. إن إشتراك الابن في إعلانات الله الأزلية لا يمثل مشكلة. يقول القديس باسيليوس إنه كما أن الآب يُرى في الابن هكذا يُرى الابن في الروح.
يقول أيضًا القديس غريغوريوس أسقف نيصص ان الآب لا يمكن تصوره منفردًا عن الروح، فالابن في الآب على الدوام، وأيضًا الروح مع الابن دائمًا.
أثناء النزاع حول الفيلوك، إنشغل كثير من الكتّاب اليونان المتأخرين في الدفاع عن الصيغة التقليدية (قانون الإيمان النيقوي القسطنطيني): "الروح المنبثق من الآب". لقد ركزوا على التمييز بين "إنبثاق" الروح من الآب وحده والإعلان الأزلي للروح خلال الابن. من بين هؤلاء الكتاب الآب فوتس (حوالي ٨١٠ - حوالي ٨٩٥م)، الأب غريغوريوس القبرصي (القرن ١٣)، الأب غريغوريوس بالامس (حوالي ١٢٩٦ – ١٣٥٩م)، والأب مرقس الأفسسي، وقد جاء برهانهم الرئيسي هكذا: إن القدرة الطبيعية لإنبثاق الروح هي خاصية أقنومية للآب وليس للطبيعة الإلهية العامة ، لهذا فإن القول بإزدواج الإنبثاق من الآب والابن يعني الآتي:
+تشويش الخواص الأقنومية، الابن يشارك في أقنوم الآب أو يحل محله.
+في الثالوث القدوس يوجد علتان أو أصلان ، الأمر الذي لا يتفق مع وحدانية الآب الإلهية .
+الإنبثاق من الآب للروح القدس غير تام .
+يجعل من الابن علة ومعلولاً في ذات الوقت، وهذا لغو .
+يجعل من الآب علة مباشرة وغير مباشرة لإنبثاق الروح القدس، الآب علة مباشرة إذ يلد الابن مباشرة ومن الآب يبثق الروح القدس، وهو علة غير مباشرة لأن الروح القدس ينبثق منه خلال الابن، الأمر الذي لم يحدث حتى في خلقة الطبيعة المركبة المتغيرة .
+إن كان للابن القدرة على أن يكون الأصل (كما للآب) بينما ننكر ذلك بالنسبة للروح، فالروح إذن أقل من القوة من الابن، الأمر الذي أعتبر جنون مرقيون .
.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

المفضلات