سر الماء
تبدأ خدمة المعمودية المقدّسة، كما وردتْ في كتبنا الليتورجية، بالتعليمات التالية:
يدخل الكاهن إلى الهيكل، ويرتدي حلَّة كهنوتية بيضاء اللون وأكماماً. وعندما يوقد جميعُ الحاضرين الشموع التي بأيديهم، يتناول الكاهن المبخرة، ويبخر حول جرن المعمودية. ثم يدفع المبخرة إلى القندلفت ويسجد…
كم هو عدد الناس الذين يدركون اليوم أنّ هذه التعليمات هي كل ما تبقى من أعظم احتفال مهيب كانت تقيمه الكنيسة الأولى: الاحتفال الفصحي بالمعمودية، والاحتفال المعمودي بالفصح(1)؟ ونحن نكرّر هذا الكلام الآن، لأنّ الطابع الفصحي للمعمودية – أي العلاقة بين الفصح والمعمودية – سيبقى المدخل إلى فهم سر المعمودية، بل إلى فهم كامل الإيمان المسيحي نفسه، على الرغم من أنّ إعادة توحيد المعمودية والفصح قد تبدو مستحيلة اليوم. غير أنّ التعليمات الأولى تذكِّرنا بوجوب المحافظة على الطابع الفصحي للمعمودية. وهذا يعني، بادئ ذي بدء، أنْ تحتفل الكنيسة كلُّها بالمعمودية، أي أن يشترك فيها شعبُ الله ويحتفلَ بها على أنها حدثٌ تؤمن الكنيسة كلُّها أنه فصحٌ، أي عبورٌ من (هذا العالم) إلى ملكوت الله، واشترك في الحدثين الحاسمين: موتِ المسيح وقيامته. فالاحتفال الصحيح بالمعمودية هو المصدر أو النقطة التي يجب أن يبدأ منها كل تجديد ليتورجي أو (نهضةٍ) ليتورجية. فهنا بالذات تُظِهر الكنيسة طبيعتها وتجدّد نفسها باستمرار، بوصفها جماعة المعتمدين. وعلى ضوء هذه الوظيفة الأساسية للمعمودية – أي التجديد الدائم للكنيسة – يظهر كم أنّ احتفالاتنا القصيرة و(الخاصة) بالمعمودية غير وافية، إلى حد اعتبارها خطأً ليتورجياً. فهي محرومة من كل مظاهر الإجلال، ومقامةٌ في غياب الكنيسة ومختَزَلةٌ إلى (الحد الأدنى). فلنتذكرْ إذاً، أننا عندما تُقام المعمودية نجد أنفسنا – روحياً على الأقل – في عشية الفصح، في ملء نهاية (السبت) العظيم المقدّس، وفي ملء بداية تلك الليلة الفريدة التي تجعلنا كل سنة ندخل حقاً إلى ملكوت الله.
تبدأ المعمودية بتقديس للماء مهيب. إلاّ أنّ انحطاطنا الليتورجي صار عميقاً إلى حدّ أنَّ بعض الكهنة يحذفون هذا التقديس بكل بساطة. فلماذا يقومون بهذا الطقس الطويل نسبياً، إذا كان بإمكانهم، بكل سهولة، أن يسكبوا في جرن المعمودية بضع قطرات من (الماء المقدّس) سابقاً، وهكذا يلبّون رغبة الذين يطالبون بـ (خدم أقصر)؟ حتى إنّ بعض الكنائس قد استغنتْ عن الجرن نفسه، لذلك تقام الخدمة فيها برش الطفل ببعض قطرات (ضرورية وكافية) من (الماء المقدّس). وهكذا يصبح الشخص مسيحياً، أي عضواً في جسد المسيح، وإناءً مكرّساً للروح القدس ومواطناً مرافقاً للقديسين، في عشر دقائق فقط! ولا يبقى سوى إصدار شهادة المعمودية. فلا عجب إذاً في أنَّ المزيد من الناس أصبحوا يرون أنّ الكنيسة وطقوسها كلَّها – لا المعمودية وحدها – هي أمور (غيرُ مفهومة) وقد (عفاها الزمن) ولم تعد لها (أية صلة بحياتنا). لذلك (ينسحبون) ويفتشون في مكان آخر عن الغذاء الروحي الذي لا يستطيع الإنسان أنْ يعيش من دونه.
يجب أنْ ندرك تماماً أنّ الماء نفسه هو الذي يكشف لنا معنى المعمودية، وأنّ هذا الكشف يحصل في تقديس الماء بالذات. فتقديس الماء ليس بداية سرّ المعمودية وحسب، بل هو وحده الذي يكشف أبعاد هذا السر كلها، ومحتواه الكوني وعمقه. وبكلام آخر، إنّ تقديس الماء هو الذي يوضح صلة المعمودية بحياتنا، لأنّه يكشف علاقتها بالعالم والمادة والحياة في كافة مظاهرها. وإذا كانت المعمودية تظهر اليوم – حتى في كتيّباتنا اللاهوتية – كما لو أنها عمل سحري تقريباً، وإذا كانت قد امتنعتْ عن كونها مصدر الليتورجيا والتقوى و(نقطة ارتكازهما) الدائمة، فلأنها قد فُصلتْ عن (سر الماء)، الذي يعطيها فحواها الحقيقية ومعناها. فيجب، إذاً، أنْ نبدأ تفسيرنا انطلاقاً من سر الماء نفسه.
لا شك في أنّ الماء هو أحد أقدم الرموز الدينية وأعمُّها(2). وبالمنظار المسيحي، ثمة ثلاثة أبعاد أساسية ومهمة لهذا الرمز. ويمكن تسمية البعد الأول بـ(الكوني). فلا وجود للحياة من دون ماء، ولهذا السبب ربط الإنسان (البدائي) الماء بمبدأ الحياة، ورأى فيه العنصر الأوّلي (prime essentia) للعالم: (… وكان روحُ الله يرف على وجه المياه) (تك2:1) {المقاطع الكتابية مأخوذة من (الكتاب المقدّس) منشورات المطبعة الكاثوليكية – 1968}. ولكن، إذا كان الماء يعكس العالم ويرمز إليه، بصفته كوناً وحياةً، فهو أيضاً رمزٌ للدمار والموت. إنه العمق الغامض الذي يقتل ويمحق، ومسكنُ القوات الشيطانية المظلم، وصورةُ كل ما هو غير عقلاني وغير مضبوط في العالم. هو مبدأ الحياة، لأنه قوة تعطي الحياة، ومبدأ الموت لأنه قوة تدمّر: هكذا كان الحَدْس في الماء بالمنظار الديني للإنسان، وهو حَدْسٌ ملتبسٌ في الأساس. أمّا البعد الثالث لهذا الرمز فهو يكمن في أنّ الماء مبدأُ تطهير ونظافةٍ، أي مبدأُ تجدُّدٍ وتجديد، لأنه يغسل ويزيل الأوساخ ويعيد للأرض نقاوتها الأصلية.
هذا الرمز الديني الأساسيّ، وهو رمز متجذّرٌ في صفات الماء الطبيعية والبديهية، نجده بوضوح في الكتاب المقدّس، أي في قصة الخلق والسقوط والخلاص كلها. فالماءُ موجود (في البدء)، في أول إصحاحٍ من سفر التكوين الذي يمثِّل الخليقة كلها، و(الكون) الذي يفرح به الخالق، لأنه انعكاسٌ لله وإشادة بمجده. والماء موجود أيضاً في قصة الطوفان وفي قصة إبادة فرعون وعرباته تحت أمواج البحر الأحمر، ولكنه يرمز هنا إلى الغضب والدينونة والموت. أمّا في معمودية يوحنا، ونزول المسيح إلى نهر الأردن، ووصيته الأخيرة للتلاميذ: (اذهبوا وعمِّدوا…)(3)، فإنّ الماء هو وسيلة للتطهّر والتوبة والغفران.
وهكذا فإنّ سائر الأبعاد الأساسية للإيمان المسيحي وفحواه كلها: أي الخلق والسقوط والفداء، الحياة والموت ثم القيامة والحياة الأبدية، تتوحّد و(تتماسك) في هذا الرمز الواحد بسبب من حاجتها الداخلية المتبادلة، ومن وحدتها الداخلية. والحقيقة أنّ المعنى الأوَّل والأساسيّ لهذا الرمز وقوّتَه كامنان في أنه يجعل الأشياء (تتماسك)، فهو يجمع (لفظة رمز في اليونانية symbolon، مأخوذة من الفعل symballo ومعناها الحرفي: يجمع معاً) ما كان مكسوراً ومشوَّهاً وموضوعاً في غير مكانه(4). فإذا نظرنا إلى تقديس الماء بهذا المنظار، لا يبقى كما نفهمه في معظم الأحيان، أي طقساً تمهيدياً واختيارياً يهدف إلى إنتاج (مادة السر)، بل يعود كما كان منذ البدء، أي ظهوراً وإعلاناً لمعنى المعمودية الحقيقي، بوصفها فعلاً كونياً وكَنَسيّاً وأُخروياً. المعمودية فعلٌ كونيّ لأنها سرُ الخليقة الجديدة، وفعلٌ كنسي لأنها سر الكنيسة، وفعل أخروي لأنها سر الملكوت. وبهذا المدخل إلى سر الماء نستطيع أن نفهم لماذا يجب أن نغطِّس الإنسان في الماء حتى يخلُص.
Santificação da água(5)
يبدأ تقديس الماء بالتمجيد المهيب: مباركةٌ هي مملكة الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين.
ثلاثٌ من الخدم الليتورجية المقامة اليوم تُستهلُ بهذا التمجيد: المعمودية والزواج وسر الشكر. أمّا سائر الخدم فتُستهل بـ(تبارك الله …). وهذا الأمر ليس مجرد قاعدة ثانوية، فهو يذكّرنا أنّ سرّي المعمودية والزواج كانا يُقامان سابقاً في إطار الاجتماع الإفخارستي، بل أكثر من ذلك، أنّ هذا الاجتماع كان غايتهما وملأهما. سنتحدّث لاحقاً عن هذه الصلة العضوية، لكنّنا نشدّد عليها منذ الآن، لأنّ الصلة بين فكرة (السر) وبين الموضوع الرئيسي والمحتوى الأساسي للإيمان المسيحي، أي ملكوت الله، ظلّتْ محجوبةً زمناً طويلاً. فكتيّبات اللاهوت حدَّدت الأسرار على أنّها (وسائل للنعمة)، ولكنها نسيتْ أنْ تذكّر أنّ النعمة، في النهاية، ليست سوى عطية لنا من الملكوت الذي أعلنه ودشنه ووهبه المسيح، وأنّ هذه النعمة هي التي تمكّننا من معرفة الملكوت والعيش بحسبه. ونسيتْ تلك الكتيّبات أيضاً، أنّ كل سرّ هو، بطبيعته ووظيفته، انتقالٌ حقيقي إلى ذلك الملكوت، وأنّ النعمة التي يهبنا إياها هي القوةُ التي تحوِّل حياتنا بالفعل، فتجعلها اشتراكاً في ملكوت الله وحجّاً إليه في آن، وأنّ معجزة النعمة تكمن في أنها تجعل قلبنا يحب ويتشوّق ويرتجي الكنز الجديد المزروع فينا. كل سر هو انتقال ورحلة، والتمجيد الذي نستهلّه به يكشف المكان الذي تنتهي إليه رحلتنا: ملكوت الله.
بعد الطلبة السلامية الكبرى، تتلى طلبات خاصة:
- من أجل أن يُقدّس هذا الماء بقوة الروح القدس وبفعله وبحلوله…
في البدء، كان الروح القدس (يرفُّ على وجه المياه)، خالقاً الأرض ومحوّلاً اللاكون إلى كون. وحلولُه وقوّتُه وفعلُه هي التي تعيد الآن خلقَ العالم الساقط، وتجعله من جديد كوناً وحياة. - من أجل أن تنحدر على هذا الماء نعمة الفداء وبركة الأردن…
عندما يتطهّر الماء ويعاد إلى طبيعته الأصلية، يتجاوز طبيعته نفسها: فالمسيح بنزوله إلى الأردن، وباعتماده، حوّل الماء إلى قوة فداء لكل البشر، وجعلها تحمل نعمة الفداء في العالم. - من أجل أن تحلّ الطهارة في هذا الماء، بفعل الثالوث الفائق الجوهر…
كانت معمودية المسيح في الأردن أوّلَ ظهور للثالوث في الكون، ففيها تجلَّى الآب والابن والروح القدس. وبالتالي فإنّ فداءَنا يكمن في حصولنا على هذا الظهور، أي في أنْ نعرف الثالوث، ونكون في شركة مع الإله المثلَّث الأقانيم. - من أجل استنارتنا بنور المعرفة وحسن العبادة، بحلول الروح القدس…
نلاحظ في هذه الطلبة استعمال الضمير في صيغة الجمع: نحن (نا). فالمعمودية ليست شأناً يخص الكاهن والشخص المقبِل على هذا السر وحدهما. فكما أنّ (هذا الماء) يمثّل الكون كلّه ويرمز إليه، فإنّ الكنيسة كلَّها تحصل على استنارة الروح القدس وتشترك بكاملها في فعل الفداء وإعادة الخلق. - من أجل أن يصير هذا الماء لطرد كل مشورات الأعداء المنظورين وغير المنظورين…
لقد صار الإنسان عبداً للقوات الشيطانية عندما صار عبداً للعالم ومادته. وتحرير الإنسان يبدأ بتحرير المادة، أي تطهيرها وفدائها، وبإعادتها إلى وظيفتها الأصلية: وسيلةً لحضور الله، وحمايةً ودفاعاً ضد الواقع (الشيطاني) المدمِّر. - من أجل أنْ يصير المعتمِد فيه أهلاً للمُلك الذي لا يفنى…
ليست المعمودية فعلاً سحرياً يضيف إلى حواسنا الطبيعية بعض القوى الخارقة للطبيعة، ولكنها بدء الحياة الأبدية نفسها. فهي التي توحِّدنا، ونحن هنا في (هذا العالم)، بـ(العالم الآتي)، وتجعلنا منذ الآن مشاركين في ملكوت الله. - من أجل المتقدِّم الآن إلى الاستنارة المقدّسة وخلاصه…
لقد تضرَّعنا من أجل العالم والكنيسة، ونتضرّع الآن من أجل هذا الإنسان الفرد وخلاصه! هكذا يختلف الإنجيل عن الإيديولوجيات الإنسانية التي تدّعي تمجيدَ الإنسان وإعلاءَ شأنه، بينما هي في الواقع تُخضعه للعالم وتختزله إلى (إنسانية) جماعيةٍ، مجرّدة ولا شخصية. أمّا الإنجيل فيتوجّه دائماً إلى الشخص. حتى لكأنّ العالم كله قد خُلق من أجل كل إنسان، أو أنّ خلاص كل إنسان هو، في عين الله، أثمن من العالم كله. - من أجل أن يصير ابناً للنور ووارثاً للخيرات الأبدية…
(ابناً للنور)، (وارثاً): إنهما تعريفان أساسيان للعضوية في الكنيسة. فقد صار البشر عبيداً، أي أبناء للظلمة. لذا يأتي المسيح إلى الوجود بجنس جديد. ومبدأ وجود هذا الجنس هو أنه قد رأى النور وحصل عليه وجعله حياتَه: (فيه كانت الحياة، والحياة نور الناس) (يو4:1). ولم يكن للبشر أيةُ (حقوق)، فجعلتهم المحبة الإلهية وارثين وحائزين ومالكين للملكوت الأبدي، ووهبتْهم (حقوقاً) عليه. - من أجل أن يصير مغروساً ومشتركاً في موت المسيح إلهنا وقيامته…
الماء موت والماء قيامة ولكنّ ذلك لا يحصل (طبيعياً) ولا (سريّاً)، بل بمقدار ما يريد الإنسان الذي سيعتمد – بإيمان ورجاء ومحبة – أنْ يموت مع المسيح وأنْ يقوم معه من بين الأموات، وبمقدار ما صار (موتُ المسيح وقيامته) هما الحدثان اللذان يقرّران مسرى حياته كلها. - من أجل أن تحفظ له صلة المعمودية وعربون الروح بغير دنس في اليوم الرهيب، يوم المسيح إلهنا…
من أجل أن يبقى أميناً لمعموديته، عائشاً بحسبها، جاعلاً إياها باستمرار مصدرَ حياته وقوّتها، ودينونةً دائمة، ومقياساً وإلهاماً و(طريقةَ حياة). - من أجل أن يصير له هذا الماء حميم إعادة الولادة لغفران الخطايا وسربال عدم الفساد…
من أجل أن يعطى هذا الشخص معنى المعمودية الذي تعرفه الكنيسة وتعلنه، فيأخذه ويحقّقه ويمتلكه في هذه المعمودية.
صلاة الكاهن من أجل نفسه
يصلّي الكاهن الآن من أجل نفسه:
أيها الإله المتحنّن الرحيم، الفاحص القلوب والكلى، والعالم وحدك خفايا البشر… أيها العارف بكل أحوالي، لا ترذلْني ولا تصرفْ وجهك عني، بل أعرضْ عن زلاّتي في هذه الساعة، يا من يعرض عن خطايا الناس بالتوبة. واغسلْ وسخ جسدي ودنس نفسي. وقدّسْني بجملتي بقوّتك غير المنظورة ويمينك الروحية، حتى لا أعد آخرين بالحرية وأمنحهم إياها بالإيمان المتعلّق بمحبتك للبشر غير الموصوفة، وأنا أكون كعبد للخطيئة غير مختبر. فيا أيها السيد الصالح والمحبّ البشر وحدك لا تردّني خائباً مخذولاً بل أرسل لي قوة من العلاء، وقوّني على خدمة سرّك هذا، الحاضر والعظيم والسماوي. وصوِّرْ مسيحك في من هو مزمع أنْ يولد ثانية على يد حقارتي، وابنِه على أساس الرسل والأنبياء، ولا تهدمْه (حتى لا يسقط) بل اغرسْه غرسة حق في كنيستك المقدّسة الجامعة الرسولية. ولا تستأصلْه حتى إذا نجح في حسن العبادة يُمجَّد به أيضاً اسمك الكلّي قدسه…
هذه الصلاة مهمّة لأنها تشجب وتصحِّح المَيْلَ إلى فهم الأسرار وكأنها تتمُّ بشكلٍ (سحريّ)، وهو ميلٌ منتشر بين الأرثوذكسيين. وكثيراً ما يُتَغاضى عن خطره الروحيّ وعواقبه على حياة الكنيسة. نحن نعرف، بحسب تعليم الكنيسة، أنّ سريان مفعول الأسرار لا يتوقف مطلقاً على قداسة الذين يقومون بها أو عدم قداستهم. وهذا ما يجعلنا تدريجياً، ننظر إلى الأسرار من منطلق (سريان مفعولها) ونقصر تحديدنا لها على هذا الأمر وحده، كأنْ ليس فيها شيء آخر (يهمّنا). ولكنّ النقطة الأساسية تكمن في أنّ الكنيسة لا تفصل سريان المفعول عن الملء والكمال. (سريان المفعول) ليس سوى شرطٍ للتحقيق، وما (يهمّنا) حقاً هو هذا التحقيق بالذات. إنّ معمودية شخص مثل ستالين كانت (سارية المفعول) كلّياً على الأرجح، فلماذا لم تتحقّق في حياته؟ ولماذا لم تمنعه من أنْ يهوي إلى ممارسة حقد لا يُصَدَّق؟ هذا السؤال ليس ساذجاً. فإذا كان الملايين من الناس، وهم معمَّدون بشكلٍ شرعيّ، قد تركوا الكنيسة وما زالوا يتركونها، وإذا كانت المعمودية تظهر وكأنْ لا تأثيرَ لها عليهم، أفلا يكون هذا، قبلَ أي شيء آخر، بسببنا نحن، بسبب ضعفنا ونواقصنا واكتفائنا بالحدّ الأدنى وبأسماء الأشياء، وبسبب خيانتنا الدائمة للمعمودية؟ أليس هذا الانهيار الكبير في مستوى حياة الكنيسة، واختزالها إلى بضعة (واجبات) هو الذي جعلها تتوقف عن أنْ تكون انعكاساً ونقلاً لقوة التجديد والقداسة؟ وهذا الأمر ينطبق قبل كل شيء على الكهنوت، وعلى الكهنة الذين يقيمون أسرار الكنيسة. فإذا لم يكن الكاهن صورةً للمسيح (في الكلام وفي السيرة وفي التعليم) (1تيمو12:4)، فأين سيرى الإنسان المسيح؟ وكيف سيتبعه؟
إنّ اختزال الأسرار إلى قاعدة (سريان المفعول) وحسب، يقدِّم صورةً مشوّهة عن تعليم المسيح. فالمسيح لم يأتِ إلى العالم حتى نقوم نحن بأسرارٍ (سارية المفعول)، ولكنه أعطانا أسراراً ساريةَ المفعول حتى (نحقّق) أنفسنا، بوصفنا أبناءً للنور وشهوداً لملكوته.
إنّ صلاة الكاهن (من أجل نفسه) تذكِّنا بهذه المسؤولية الرهيبة، وبحاجة كل منا إلى الآخر من أجل النمو الروحاني و(التحقّق). هذه الصلاة تظهر أنّ المعمودية ليست (غاية بذاتها)، بل بدءُ عمليةٍ ستقوم فيها الجماعة كلها، وخاصةً الراعي، بدورٍ حاسم. وهذه العملية هي (خلق صورة المسيح) في المعتمِد الجديد، و(بناؤه على أساس الرسل والأنبياء)، ومساعدته لكي (ينجح في حسن العبادة) و(لا يسقط).
قلنا إنّ الكنيسة كلّها كانت تهيئ نفسها للمعمودية، وليس المرشَّح لها وحده. فالكنيسة تعلَم أنها بقبولها عضواً جديداً فيها، إنما تقبل مسؤولية خلاصه الأبدي. وما سمعناه في بدء الفعل الأسراري (صلاة الكاهن من أجل نفسه) يدور كله على هذه المسؤولية بالذات.
وأظهرْ هذا الماء …
لقد أصبحنا الآن على أتمّ الاستعداد. وهنا يقف الكاهن أمام الماء، كأنه يواجه الكون بكامله يوم الخلق، مثل أوّل إنسان فتح عينيه فرأى مجدَ الله وما فعله الله (في المسيح) من أجل فدائنا وخلاصنا. ثم يعلن:
عظيم أنت يا ربّ، وعجيبة أفعالك، وليس من قول يفي بتسبيح عجائبك…!
يمكن اعتبار صلاة تقديس الماء وتكريسه صلاة شكر(6). فهي فعلُ تسبيح وشكر مهيب، فعلُ عبادة يخاطب فيه الإنسان الله بالنيابة عن العالم كلِّه. والشكر والعبادة هما اللذان يعودان بنا إلى البدء، ويجعلاننا بالفعل شهوداً للخلق. فالشكر هو الفعل الأساسي الأوَّل بالنسبة إلى الإنسان، لأنه الفعل الذي به يحقّق نفسه كإنسان. من يقدِّم الشكر لا يبقى عبداً، فلا مكان للخوف والقلق والحسد في العبادة. بتقديم الشكر لله يعود الإنسان حراً من جديد، حراً في علاقته بالله، حراً في علاقته بالعالم.
لأنك أنتَ الذي بمشيئتك أبرزتَ جميع الأشياء من العدم إلى الوجود، وبعزّتك تضبط الخليقة، وبعنايتك تسوس العالم. أنتَ الذي نظمتَ الخليقة من أربعة عناصر وكلّلتَ دَوْرَ السنة بأربعة فصول. منك ترتجف القوات العقلية. لك تسبّح الشمس. لك يمجّد القمر. لك تخضع النجوم. لك يطيع النور. منك ترتعد اللجج. لك تتعبّد الينابيع. أنتَ بسطتَ السماء كالخيمة. أنتَ ثبتَّ الأرض على المياه. أنتَ أحطتَ البحر بالرمل. أنتَ سكبت الهواء للاستنشاق. إياك تخدم القوات الملائكية. لك تسجد مصاف رؤساء الملائكة. الشاروبيم الكثيرو الأعين والسيرافيم ذوو الستة الأجنحة المنتصبون لديك والطائرون حولك، يحتجبون خوفاً من مجدك الذي لا يُدنى منه…
هذه هي المقدّمة التي تشبه مثيلتها في صلاة الشكر من أجل الخبز والخمر. ولفظة مقدمة باللاتينية (praefactio) تعني حرفياً: الأساس، البدء، الشيء الذي تتعلّق به كل الأشياء الأخرى، الأمر الذي (يجعل) كل ما يليه (ممكناً). والحقيقة أنّ هذا الشكر هو الذي يعيدنا إلى الجنة، لأنه يعيد إلينا مبدأ وجودنا وحياتنا ومعرفتنا وجوهرها نفسه.
ثم يتابع الكاهن:
… لأنك وأنت إله أزلي غير محصور وغير موصوف قد أتيتَ إلى الأرض وأخذتَ صورة عبد صائراً في شبه البشر. لأنك أيها السيد لم تحتمل، لأجل عواطف مراحِمك، أنْ تعاين جنس البشر معذّباً من الشيطان، فأتيتَ وخلّصتنا. فنعترف بالنعمة ونكرز بالرحمة ولا نخفي الإحسان. أنتَ الذي حرّرتَ أولاد طبيعتنا وقدّستَ الحشا البتولي بمولدك، فكل الخليقة قد سبّحتْك حيثما ظهرتَ، لأنك أنتَ إلهنا قد ظهرتَ على الأرضِ وتردّدتَ بين الناس. أنت أيضاً قدّستَ مجاري الأردن إذا أرسلتَ عليها من السماء روحَك الكليَّ قدسُه وسحقتَ رؤوس التنانين المعشّشة فيها…
ننتقل من المقدّمة إلى التذكُر (anamnesis) أي إعادة الأحداث الخلاصية التي بواسطتها أعاد الله الطبيعة البشرية إلى ما كانت عليه، فخلَّص العالم وأظهر ملكوته للملأ. لقد رفض الإنسان الحياة كما أعطاها الله له، وبخطيئته أدخل الخطيئة إلى (عذاب الشيطان) (لها)، أي إلى التمزّق والموت، فحلَّت الظلمة محل النور. ولكنّ الله لم ينسَ الإنسان، فأتى هو نفسه، في المسيح، ليخلِّص ويستعيد ويعيد الخلق. وحدث الأحداث هذا – أي تأنُّس الله – هو ما يتذكّره الإنسان. وهذا التذكّر، أي معرفة المسيح وقبوله والإيمان به والشركة معه، هو الذي يكوِّن الخلاص. إننا نخلُص بالاعتراف بالمسيح، بإعلان رحمته، بعدم إخفاء إحساناته، وبعبارة أخرى، بجعل حياتنا كلها استجابة له. وباستجابة الإنسان تستعيد الخليقة نفْسَها بوصفها تمجيداً لله ووسيلةً لتجلّيه وظهوره. لقد جعلتْ سقطةُ الإنسان ماءَ الخليقة مظلماً وملوّثاً ورمزاً للموت والاضطهاد الشيطاني، لكنه يظهر الآن ماءً (أردنياً) وبدءاً لإعادة الخلق وللخلاص. فالروح القدس، مُعطي الحياة، الذي (رفّ على وجه المياه) في البدء، يحلّ ثانيةً عليها، فتظهر هي – والعالم من خلالها – كما كان القصد من الخلق، أي أنْ تكون حياةُ الإنسان شركةً مع الله. وهكذا يبدأ زمن الخلاص مجدّداً، ونكون نحن شهوداً لهذا البدء ومشاركين فيه. وهذا، بالضبط، ما نشكر الله من أجله.
إنّ جوهر الكنيسة ووظيفتها يكمنان في إظهار هذا البدء وتحقيقه دائماً وفي كل مكان، وفي إعادة خلق الإنسان – في المسيح والروح القدس -، عن طريق إعادة خلق العالم من أجله – في المسيح والروح القدس أيضاً -:
… فأنتَ إذاً أيها الملك المحبّ البشر، احضرْ الآن بحلول روح قدسك وقدّسْ هذا الماء، وامنحْه نعمة الفداء وبركة الأردن. اجعله ينبوعاً لعدم الفساد وموهبةً للتقديس وفداءً للخطايا وإكسيراً للأمراض ومبيداً للشياطين، وغيرَ مقتَرَب إليه من القوات المضادة، ومملوءاً قوةً ملائكية. ليهرب منه الذين يتآمرون على خليقتك. لأننا يا رب قد دعونا اسمك العجيب المجيد الذي يخيف معاندينا.
بعد التذكّر تأتي الاستحالة (epiclesis)، أي استدعاء الروح القدس، الذي يستطيع وحده أنْ يملأ ما نطلبه ونرتجيه بالقوة فيجعله حقيقة. الروح القدس الذي يتمِّم إيماننا ويحقّقُ رموزنا ويعطي (نعمةً فوق نعمة)، ويجعل في الماء كل ما يمكن أنْ يُظهر الماءُ ماهيَّتَه(7).
ثم يرسم الكاهن على الماء (بتغطيس أصابع يمينه فيه) شكل صليب، ثلاث مرات. وينفخ فيه ثلاث مرات أيضاً، وهو يقول في كل مرة:
– لتنسحقْ تحت علامة رسم صليبك جميعُ القوات المضادة!
عرفنا أنّ الخلاص واستعادة الأصل يبدآن بالتحرير، أي بإخراج الشياطين. وقد تمَّ أولاً إخراج الشياطين من المتقدّم إلى المعمودية، أمّا الآن فإننا نُخرجها من الماء، أي من رمز حاجة الإنسان إلى العالم، وعبوديته للقوات الشيطانية(8):
(يا رب) فلتنصرفْ عنا هاربة جميعُ الخيالات غيرُ الظاهرة التي في الهواء، ولا يختفِ في هذا الماء شيطانٌ مظلم. ونطلب إليك أنْ لا ينزل مع المعتمد فيه روحٌ شرير يظلم الفكر ويقلق العقل…
هذه الكلمات ليست بقايا خرافة عفاها الزمن وفقدتْ كلَّ صلة بنا. فالمادة، بالمنظار المسيحي للعالم، ليست محايدةً أبداً. لأنها إذا لم (تُربط بالله)، أي إذا لم يُنظر إليها وتُستعمل بمثابة وسيلة للشركة معه والحياة فيه، تصبح حاملةً لما هو (شيطاني)، بل مكانَ وجوده بالذات. وليس من قبيل الصدفة أنّ رفضَ الله والدين في عصرنا قد تبلورَ في المبدأ القاتل بالمادّية، وبأنّ المادة هي (الحقيقة) العلمية المطلقة، وأن لا بدَّ من خوض حربٍ ضدّ الله باسم (المادية)؛ هذا الرفض لم يسبق له مثيل، وهو يستعِرُ في أجزاء تتسع باستمرار في عالمنا الذي يُفترض أنه متحضّر. ولكن، ليس من قبيل الصدفة أيضاً، أنّ الدين الكاذبَ والروحانية الكاذبة غالباً ما يقومان على رفضِ المادة، وتالياً رفضِ العالم نفسه، وعلى جعلِ المادة مرادفةً للبشر، أي التجديف على خليقة الله. أمّا الكتاب المقدّس والإيمان المسيحي فينفردان باختبار المادة وإظهار أنها صالحةٌ في جوهرها، مع إمكانية تحوُّلها إلى أداة ناقلة لسقوط الإنسان وعبوديته للموت والخطيئة، ووسيلة يسرق بها الشيطان العالم من الله. ولكننا نستطيع (في المسيح) وبقوّته أنْ نحرِّر المادة ونستعيدها كرمز لمجد الله ووجوده، وكسرٍّ لفعله وشركته مع الإنسان.
وأخيراً نصل إلى التقديس:
… لكن أنتَ يا سيد الكل، أظهرْ هذا الماء ماء الفداء، ماء التقديس، تطهيراً للجسد والروح، حلاً للعقالات، مغفرةً للزلات، استنارةً للنفوس، حميماً لإعادة الولادة، تجديداً للروح، نعمة للتبني، سربالاً لعدم الفساد، ينبوعاً للحياة. لأنك أنت قلتَ يا رب: استحمُّوا وصيروا أنقياءَ، انزعوا الخبث من نفوسكم. وأنت الذي وهبتَ لنا من العلى إعادة الولادة بالماء والروح…
(… أظهرْ هذا الماء…). إنّ التقديس، سواء أكان تقديساً للماء أم للخبز والخمر في سر الشكر (راجعْ صلاة الشكر للقديس باسيليوس: (وأظهرْ هذا الخبز كالجسد الكريم نفسه)) لا يكون أبداً معجزة ظاهرة و(مادية)، ولا تحويلاً يمكن أنْ تتفحّصه حواسنا أو تبرهنه. فالواقع أنه في (هذا العالم)، أي بحسب مقاييس هذا العالم وقوانينه (الموضوعية)، لن (يحصل) شيء للماء، ولا للخبز والخمر. كما أنّ فحص هذه المواد مَخْبَرياً لن يؤدّي إلى ملاحظة أي تغيُّر أو تحوُّل فيها. وقد اعتبرت الكنيسة دائماً أنّ انتظارَ تحوُّل كهذا أو محاولةَ البحث عنه، هما خطيئة وتجديف. فالمسيح لم يأتِ ليستبدل المادة (الطبيعية) بمادة (تفوق الطبيعة) بل ليستعيدها ويحقّقها باعتبارها وسيلة للشركة مع الله. إنّ الماءَ المقدَّس في المعمودية والخبز والخمر المقدَّسَيْن في سر الشكر، تُمثِّل كاملَ الخليقة. لكنها تمثِّلها كما ستكون في النهاية، أي عندما تُتَمَّم في الله، ويملأ الله كل شيء بنفسه. وهذه النهاية هي ما يُعلن لنا ويُستبق ويصير حقيقةً آنيةً بواسطة السرّ. وبهذا المعنى فإنّ كلَّ سرٍ يجعلنا نَعْبُر إلى ملكوت الله. ولمّا كانت الكنيسة نفسها هي سرُّ العبور هذا، وهي التي تأخذنا في كل سر من أسرارها على هناك، أي إلى ملكوت الله، فإنّ ماء المعمودية يكون مقدَّساً، لأنه يكون حضوراً للمسيح والروحِ القدس بالذات. وكذلك الخبز والخمر في سرِّ الشكر، فإنهما يكونان جسد المسيح ودمه وحضوره فيما بيننا. وهما كذلك حقاً، أي في الحقيقة، وهي حقيقة حقيقية أكثر من كل الحقائق (الموضوعية) في هذا العالم. فالتقديس إذاً، هو تجلّي تلك النهاية وظهورها، أي تلك الحقيقة النهائية التي من أجلها خُلق العالم، فتحقّقتْ بالمسيح عن طريق تأنّسه وموته وقيامته وصعوده، ويعلنها الروح القدس في الكنيسة الآن، وستتم في الملكوت (الآتي).
ولأنّ التقديس هو دائماً تجلّي نهاية كل الأشياء، فإنه لا يكون (نهايةً بحد ذاته). فالإنسان يرى أنّ الخبز والخمر هما حقاً، (جسد المسيح ودمه) لكي يحصل على شركة حقيقية مع الله. وليس في الكنيسة الأرثوذكسية (عبادة) للقرابين المقدّسة ذاتها أو من أجل ذاتها، لأنّ تحقّق سر الشكر يكمن في شركة الإنسان وتحوُّله. ومن أجل هذا بالضبط، أُعطي له السر. والماء يُقدَّس حتى يَظهر ويكون غفراناً للخطايا وفداءً وخلاصاً، أي حتى يكون ما هو مقصود لكل مادة أن تكون: وسيلةً لغاية. أمّا الغاية فهي تأله الإنسان ومعرفته الله وشركته معه.
… فاظهرْ يا رب على هذا الماء، وامنحْ المعتمد فيه أنْ يستحيل، وذلك بخلعه الإنسان العتيق الفاسد بشهوات الخديعة، وبلبسه الإنسان الجديد المتجدّد على صورة خالقه. حتى إذا غُرس على شبه موتك بالمعمودية كان مشتركاً في قيامتك أيضاً. وإذا حفظ موهبة روحك القدّوس وأنمى وديعة النعمة، نال جائزة الدعوة العلوية، وانضمّ إلى عدد الأبكار المكتوبين في السماء، بك يا يسوع المسيح ربنا وإلهنا. فإنه لك ينبغي المجد والعزة والإكرام والسجود مع أبيك الذي لا بدء له وروحك الكلي قدسه، الصالح والمحيي، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين آمين.
هذا هو معنى تقديس الماء في المعمودية. إنّه إعادة خلق المادة، وتالياً العالم، في المسيح. إنه عطية العالم للإنسان، أيّ عطية العالم بوصفه شركةً مع الله وحياةً وتألهاً وخلاصاً.
زيت الابتهاج
يقول الكاهن:
– السلام لجميعكم. أحنوا رؤوسكم للرب.
وينفخ ثلاث مرات في وعاء الزيت الذي يحمله الشماس ويرسم على الزيت شكل صليب ثلاث مرات.
بعد تقديس الماء، يُمسح بالزيت. وقد كان الزيت دائماً رمزاً دينياً أساسياً(9). وقيمته الرمزية، كما هي الحال في الماء، تنبع من أهميته العملية واستعماله. فقد استعمل العالم القديم الزيت كدواء. والسامري الصالح في الإنجيل يسكب زيتاً وخمراً على جروح الرجل الذي وجده ملقىً إلى جانب الطريق. إنّ الزيت مصدرٌ طبيعي للنور، وتالياً للفرح. والقسم الأكثر وقاراً وبهجةً في سهرانية الأعياد الليتورجية يدعى poly‘ilion (بوليئيليون).
وهذا التعبير يشير من جهة إلى اللفظة اليونانية (‘ilios) أي الرحمة، وهي لفظة تكررّ ثلاث مرات في المزمور 135 (136)، ومن جهة أخرى، إلى استنارة الكنيسة (بكثير من الزيت) (‘ilaion). وأخيراً، كان الزيت، الذي يرمز إلى الشفاء والنور والفرح، رمزاً للمصالحة والسلام أيضاً: لقد أتت الحمامة التي أرسلها نوح بغصن زيتون، معلنةً مغفرة الله ومصالحته الإنسان بعد الطوفان. وهذه الرمزية (الطبيعية) هي التي حدَّدتْ منذ البدء استعمال الزيت في حياة الكنيسة الليتورجية.
يرمز الزيت الذي نمسح به الماء وجسدَ الموعوظ قبل المعمودية، إلى الحياة. وهذا الرمز لا يشير إلى الحياة كوجود مجرّد بل كملءٍ وفرح واشتراك في ذلك الجوهر السرّي للحياة، الذي لا يُنطق به، إنما نحسّه من حين إلى آخر في لحظات السعادة والابتهاج؛ إلى الحياة التي يذكر الكتاب المقدّس أنها عطية من الروح القدس، معطي الحياة؛ إلى الحياة التي هي (نور الإنسان)؛ الحياة التي ليست مرادفاً للوجود بل محتواه؛ وباختصار، الحياة التي هي اشتراك في الحياة الإلهية نفسها.
وهنا أيضاً يُتبع الترتيب نفسه. فيتمّ أولاً إخراج الشياطين من الزيت، أي تحريرُه واستعادته إلى وظيفته الحقّة كما تظهر في (رمزيته)، وهذا هو معنى النفخ عليه وتبريكه برسم الصليب ثلاث مرات. وفي المرحلة الثانية يكون التذكّر، أي إعادة تلخيص معنى الزيت في تاريخ الخلاص. ثم شكر الله من أجل الزيت. وهكذا يصبح الزيت مجدّداً كما جعله الله في البدء: عطيةَ سلام، عطيةَ شفاء، عطيةَ قوة وحياة روحية.
أيها السيد الرب إله آبائنا. يا من أرسلتَ الحمامة للذين في سفينة نوح وفي فمها غضن زيتون علامة للمسالمة والخلاص من الطوفان، وبهم سبقتَ فرسمتَ سرّ النعمة. يا من رزقتَ ثمر الزيتون لتكميل أسرارك المقدّسة، فكنتَ تملأ به الذين في الناموس روحاً قدوساً، والآن تكمل به الذين في النعمة. أنتَ بارك هذا الزيت بقوة وفعل وحلول روحك القدوس حتى يكون مسحة لعدم الفساد وسلاحاً للبر وتجديداً للنفس ودحضاً لكل فعل شيطاني وعتقاً من الشرور لجميع الذين يدهنون به بإيمان، ويتناولون منه لتمجيدك وتمجيد ابنك الوحيد وروحك الكلي قدسه الصالح والمحيي، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين.
وأخيراً المسح نفسه:
يتناول الكاهن وعاء الزيت ويسكب قليلاً منه على الماء بشكل صليب، مرتلاً مع الشعب: (هليلوييا) ثلاث مرات.
مرة أخرى يتم الخلق ويُملأ ويصير كاملاً. وفي هذه اللحظة (ينفجر) الكل فرحاً وشكراً، فيصيرون شهوداً لمجد الله وانعكاساً لوجوده وقوّته. وهذا الملء لا يمكن تحليله أو تحديده؛ يمكن فقط أنْ (نقدِّم الشكر من أجله)، وأن نعلنه في صرخة الفرح: هليلوييا! فالخليقةُ الجديدة حاضرةٌ هنا، في جرن المعمودية، ومهيأةٌ لتكون عطيةً وحياةً جديدة ونوراً وقوةً للإنسان.
ثم يقول الكاهن:
– تبارك الله الذي ينير ويقدّس كل إنسان آتٍ إلى العالم، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين آمين.
ثمّ يقدَّم المزمع أنْ يعتمد إلى أمام الكاهن، فيتناول قليلاً من الزيت ويدهن به بشكل صليب،
- أولاً على جبهته قائلاً:
– يُمسح عبد الله بزيت الابتهاج، على اسم الآب والابن والروح القدس. آمين. - ثانياً على صدره وعلى ظهره قائلاً:
– لشفاء النفس والجسد. - ثالثاً على أذنيه قائلاً:
– لسماع الإيمان. - رابعاً على يديه قائلاً:
– يديك صنعتاني وجبلتاني. - خامساً على رجليه قائلاً:
– ليسلكْ في سبلك يا رب.
هذه هي إعادة خلق الإنسان: إعادة خلق جسده وأعضائه وحواسه. فالإنسان، بسبب خطيئته، حَجَب في نفسه صورةَ الله ومجدَه الذي لا يوصف، فخسر جماله الروحي، وكسر الأيقونة. ولا بدّ من أنْ نعيد إليه الشكل الذي فقده، وأنْ نستعيده إلى ما كان عليه. فالمعمودية ليست معنية بـ(النفس) وحسب، بل بالإنسان كله، لأنها قبل كل شيء آخر، استعادة الإنسان كوحدة كاملة، وإعادة التوافق بين النفس والجسد.
(زيت الابتهاج) نفسه، يمسح به الماء وجسد الإنسان أيضاً، من أجل مصالحة الله، ومصالحة العالم (في الله). فالروح واحدٌ والحياة واحدة. وهكذا تتحطّم كل التقسيمات المغلوطة والروحانيات الكاذبة، وتتم العودة إلى سر الخليقة الأبدي: (… ورأى الله جميع ما صنعه، فإذا هو حسن جداً…) (تك 31:1)(10).
الشكل والجوهر
بعد أن وصلنا إلى أوج الخدمة الليتورجية، أي التغطيس أو المعمودية نفسها، لا بدّ من التوقف قليلاً، ومحاولة الإجابة عن سؤال يتوقف عليه فهم هذا السر، وتالياً فهم موقعه في حياة الكنيسة نفسها.
والمسألة هي: إنّ المعمودية قد قُبلتْ وأُقيمت دائماً وفي كل مكان باعتبارها الأساس أو البداية البديهية للحياة المسيحية. ولكنّ تفسير هذا العمل الأساسي وشروحاته بدأتْ تتباين فيما بينها منذ وقت مبكر جداً. فكأنّ اللاهوتيين قد واجهوا صعوبات في جعل أوجُهِ هذا العمل المختلفة (تتماسك)، أو كأنّ الكلمات والمقولات البشرية لم تكن كافية للتعبير عن سر المعمودية تعبيراً كاملاً. وهكذا ظهر نوعٌ من التناقض بين المعمودية نفسها – ليتورجيتها، نصوصها، طقوسها ورموزها – وبين تفاسير المعمودية وتحديداتها اللاهوتية المختلفة، أي بين العمل وتفسيره، بين السر وفهمه. وهذا مؤشر خطر. فإذا كنا نعتقد أنّ حياتنا كلها تستند إلى المعمودية وتُعطى لنا فيها، وأنها يجب أنْ تكون على صلة دائمة بها، فإنّ فهم هذا السر فهماً صحيحاً لا يكون مجرد ضرورةٍ فكرية، بل هو ضرورة كيانية لنا.
وأول ما يثير الانتباه في هذا التناقض، أنّ اللاهوت المعاصر، أو لاهوت (ما بعد) الآباء، عجز عن تفسير العلاقة بين المعمودية وبين موت المسيح وقيامته، وهي العلاقة التي أكدَّتْها الليتورجيا والتقليد بوضوح تام، حتى أنهما ذهبا، أبعد من التأكيد، إلى جعل هذه العلاقة فحوى السر ومعناه. إننا نعتمد (على شبه موت المسيح وقيامته… فإذا اتحدنا به، في المعمودية، في موت يشبه موته، فكذلك تكون حالنا في قيامته) (رو 5:6). ومن هنا تشديد التقليد الليتورجي على الصلة العضوية بين المعمودية والفصح. ومن هنا أيضاً الطابعُ الفصحي للمعمودية، والفحوى الاعتمادية للفصح في الكنيسة الأولى.
لكنّ هذا التأكيد الواضح لم يبقَ محورَ الاهتمام عندما أخذ اللاهوت يُفهَم ويتطوّر بوصفه تفسيراً أو تأويلاً فكرياً للإيمان المسيحي. وهكذا ظلّتْ تُذكر رمزية المعمودية إلى الموت والقيامة، ولكن بالشفاه فقط. أمّا المعنى الحقيقي فتحوّل إلى معنى آخر. إننا نجد في كلِّ كتيِّبٍ من كتيّبات لاهوتنا (المحدّد)، أنّ المرجعين الأساسين في تفسير المعمودية هما الخطيئة الأصلية والنعمة. ونقرأُ أنّ المعمودية تنزَع الخطيئة الأصيلة من الإنسان وتحرِّرُه منها، وتهبُه النعمة الضرورية لحياته المسيحية. وهكذا تُحدَّد المعمودية، مثل سائر الأسرار، على أنها (وسيلةٌ للنعمة) و(رمزٌ منظورٌ لنعمةٍ غير منظورة).
ولا شكّ في أنّ المعمودية ضروريةٌ ضرورةً مطلقةً لخلاصنا، ولكنّ هذه التحديدات والتفاسير لا تقدّمها على أنها موتٌ وقيامة حقيقيين، أي موت وقيامة في الجوهر لا في الرمزية الخارجية وحده ا(11).
وهنا نصل إلى السؤال الذي علينا أنْ نحاول الإجابة عنه: ماذا يعني التقليد بتأكيده أنّ المعمودية على (شبه) و(مثال) موت المسيح وقيامته، ولماذا يبدو، من خلال اللاهوت المعاصر، أنّ هذا التأكيد قد خسر موقعه المركزي؟ وهذا السؤال يفترض بدوره سؤالاً أشمل: ما هي العلاقة بين شكل هذا السر وبين جوهره، أي بين ما يُفعل – الخدمة الليتورجية – وبين ما تعتقد الكنيسة أنه يحدث وينجز من خلال هذا (الفعل)؟
إنه السؤال الحاسم. غير أنّ اللاهوت اللاحق لعصر الآباء، والمعشِّش في كراريسنا وكتبنا التعليمية، سلك في إجابته عنه طريقاً أبعدتْه عن رؤية الكنيسة الأولى للأسرار وخبرتِها لها، فغيَّر بعمقٍ، وحتى جذرياً، مفهومَ الأسرار نفسِها ومكانتَها في الحياة المسيحية.
إنّ أبسط طريقة لصياغة منطلق فهم الأسرار في العصور الأولى، هي القول إنّ الكنيسة تجاهلتْ تماماً الفصل بين (الشكل) و(الجوهر). أي إنها تجاهلتْ المسألةَ التي صارت في وقت لاحق، المسألة الأساسية في لاهوت الأسرار. ففي الكنيسة الأولى كان تعبيراً (شبه) و(مثال) يشيران بوضوح إلى (شكل) المعمودية، أي إلى تغطيس الموعوظ في الماء ونشلِهِ منه. إلاّ أنّ هذا الشكل هو الذي يوضح وينقل ويحقق (الجوهر)، أي أنه هو (ظهورُ) الجوهر نفسه. وهكذا فإنّ تعبير (شبه)، الذي يصف الشكل، يكون في الوقت نفسه كشفاً لـ(الجوهر). كما أنّ المعمودية التي تقام على (شبه) و(مثال) الموت والقيامة هي موت وقيامة حقاً. فالكنيسة الأولى قبل أن تفسِّر – إذا كانت تفسّر أصلاً – ما يتعلّق بالموت والقيامة من أسئلة مثلِ (لماذا) و(ماذا) و(كيف)، كانت تعلّم ببساطة تامة، أنّ من يريد أنْ يتبع المسيح، يجب أنْ يموت ثم يقوم معه وفيه، وأنّ الحياة المسيحية تبدأ بحدث حقيقي، يكون التمييز فيه بين (الشكل) و(الجوهر) تجريداً لا أهمية له، مثلُه في ذلك مثل أي حدث حقيقي آخر. ففي (حدث) المعمودية يتطابق الشكل والجوهر، (العمل) و(الحدث)، الرمز والمعنى، لأنّ غاية كل منها تكمن في أنْ يكون هو الآخر، وفي أن يكشفه ويحقّقه. المعمودية هي ما تصوِّره المعمودية. وما تصوِّره – أي الموت والقيامة – حقيقيٌ. فهي لا تصوِّر (فكرةَ) الإيمان المسيحي، بل فحواه وحقيقته. والإيمان بالمسيح هو (أنْ نكون قد متنا وحياتنا محتجبة مع المسيح في الله) (كولوسي 3:3). هذه هي الخبرة الأساسية الشاملة للكنيسة الأولى. وقد كانت خبرة بديهية ومباشرة إلى حد أنها لم (تفسرها)، بل نظرتْ إليها بوصفها مصدَر كلِّ التفاسير وكل اللاهوت وشرطهما الأساسي.
يمكن القول، دون مبالغة، إنّ فصلاً جديداً من تاريخ الكنيسة قد بدأ، عندما تسبّب اللاهوت في حصول شرخ في (الكلِّيَّة) التي ميَّزتْ رؤيةَ الأسرار وعيشَها في العصور الأولى، بجعله التمييز بين (الشكل) و(الجوهر) شرطاً تمهيدياً لـ(فهم) الأسرار (فهماً) صحيحاً. وبكلام آخر، عندما قرَّر اللاهوت أنه يمكن – بل يجب – أنْ يُعْرَف (جوهر) السر ويَحدَّد ويُعَرَّف بالانفصال عن شكله. لا يمكننا في هذه الدراسة أنْ نعالج العوامل التاريخية التي أَدَّتْ إلى هذا التغيير الحاسم، أو إلى هذه (الخطيئة الأصلية) – حسب رأينا على الأقل – التي ارتكبها اللاهوت المعاصر، لاهوت ما بعد الآباء، الواقع تحت التأثير الغربي. فما يهمنا الآن، أنّ هذا التغيير قاد تدريجياً إلى فهمِ الأسرار عامة، والمعمودية خاصة، فهماً مغايراً تماماً.
لا شكّ في أنّ المنطلق الجديد حافظَ على الأمية الفائقة لـ(شكل) السر. إلاّ أنّ أسباب ذلك عنده تختلف كثيراً عنها في الكنيسة الأولى. فقد كان الشكل مهماً في التقليد القديم لأنه بطبيعته، وفي وظيفته، (ظهوريٌّ)، فهو يُظهر الجوهر ويحققه ويكون إيّاه نفسه. ولأنّ الشكل هو ظهور الجوهر، فإنه يكون وسيلة معرفته وتفسيره. أما في المنطلق الجديد فإنّ الشكل لم يعد (ظهوراً) بل صار رمزاً خارجياً وحسب، أي ضمانةً على أنّ (جوهراً) محدّداً قد مُنح ونُقل بطريقة وافية. أمّا (الجوهر) نفسه، فيمكن – بل يجب – أنْ يُعرف ويحدَّد بالانفصال عن (الشكل)، وحتى قبله. وإذا لم يحصل ذلك، فلن يكون بإمكاننا أنْ نعرف ما هو الأمر الذي (يرمز) إليه هذا الشكل و(يضمنه). ففي التعبير الأساسي لهذا اللاهوت الأسراري، أنّ (الشكل) يجعل السرّ ساري المفعول، ولكنه لا يكشف ماهية الأمر الذي يسري مفعولُه بواسطة هذا السر.
والملفت فعلاً، أنّ معظم الخلافات حول (شكل) المعمودية، كالتغطيس والرش وصيغة المعمودية وسواها، تدور كلها على مسألة سريان المفعول لا على مسألة المعنى والجوهر(12). فالذين يدافعون عن التغطيس باعتباره الشكل الصحيح للمعمودية، ويشجبون الرش لأنه (هرطقة)، ينطلقون في دفاعهم من أُسسٍ شكلية محضة: فالرش هو انحراف عن ممارسة الكنيسة الأولى التي هي المرجع الأخير والمقياس لسريان المفعول. إلاّ أنّ موقف الذين يدافعون عن (الرش) ويفضّلونه ينطلق فعلاً من نوع مماثل من التفكير. فهم يعترفون أنّ الكنيسة الأولى كانت تمارس التغطيس، ولكنهم يلاحظون أنها قد عرفتْ الرش أيضاً، في حالات طارئة كالمعمودية على فراش المرض أو سواها. لذلك لا يمكن اعتبار التغطيس، حسب رأيهم، الشرطَ الأساسي لسريان المفعول. والواضح هنا أنّ مسألة الجوهر أو الفحوى غير مطروحة لديهما. فكلاهما متّفقان فعلاً حولها، ومتّفقان أيضاً أنها لا تتعلّق بمسألة (الشكل). غير أنّ مثل هذه النزاعات حول (سريان المفعول) توضح تماماً مقدار الضرر العميق الذي يلحقه هذا المنطلق الجديد بكامل الرؤية الأسرارية للكنيسة وبخبرتها كلِّها.
والمأساة الحقيقية هي أنّ تطبيق هذا الفصل بين (الشكل) و(الجوهر) على الأسرار، واختزال فكرة (الشكل) إلى فكرة (سريان المفعول) وحدها، جعلا هذا اللاهوت الأسراريّ الجديد يغيِّر في النهاية فكرةَ (الجوهر) نفسها ويفقرها كثيراً. لا يوجد شيء جديد، ظاهرياً، في تحديد الجوهر بأنه (نعمة)، فهذا التحديد هو تعبير كتابي تماماً، وتقليدي فعلاً، وغالباً ما استعملتْه الكنيسة الأولى في تفسير الأسرار. ولكنّ الواقع أنّ هذا التعبير قد اكتسب دلالات جديدة ونوعاً من (الاكتفاء الذاتي)، لم تكن له من قبل. وقد اكتسب ذلك لأنه يتطابق مع اعتبار (الجوهر) شيئاً ممّيزاً عن (الشكل). في الكنيسة الأولى كانت النعمة تعني، قبل كل شيء، انتصار الذات على كل انقسام: (شكل) و(جوهر)، (روح) و(مادة)، (رمز) و(حقيقة). وهذا الانتصار يظهر بوضوح في السر وفي كامل حياة الكنيسة، لأنه في النهاية انتصار المسيح نفسه. فكل (أشكال) هذا العالم يمكنها، بالمسيح وفيه، أنْ تَنقُل وتُحقِّق فعلاً ما (تصوِّره): أي ظهور ملكوت الله في (هذا العالم) وتجلّي (الحياة الجديدة). ونعمة المعمودية هي هذا الحدث بالذات: إنسان يموت ثم يقوم مجدّداً على (شبه) و(مثال) موت المسيح وقيامته. فالموهبة الممنوحة له لا تتعلّق بـ(شيء) ناتج عن هذه الأحداث، بل بتلك الإمكانية الفريدة والجديدة في آن: أنْ يموت فعلاً مع المسيح، وأنْ يقوم فعلاً مع المسيح، حتى (يسير في جدة الحياة). فالنعمة تكمن في أنْ يكون (الشبهُ) معلَناً ومعاشاً (كحقيقة)، وأنْ (يُظهر) الموتُ في المعمودية تحطيمَ المسيح للموت، وأنْ (تؤكّد) القيامةُ في المعمودية قيامةَ المسيح، أي موهبةَ الحياة التي شعّتْ من القبر. هكذا كانت النعمة، والكنيسة الأولى التي أعلنتْ النعمة دائماً ووجَّهتْ حياتها بحسبها، لم تشعر بأية حاجة إلى أنْ تفسِّرها (بذاتها)، أي كشيء موجود يمكن معرفته وتحديده، وحتى قياسه، بشكل منفصل عن هذه (الظهورات) التي تعني وتهدف إلى تجاوز ومعالجة كل (شرخٍ) أو (انفصامٍ)، إلى أنْ توحِّد البشريّ والإلهي في جدّة الحياة.
ولكنّ هذا المفهوم للنعمة أخذَ يتغيَّر تدريجياً. فعندما صار التمييز بين (الشكل) و(الجوهر)، أي بين السر بوصفه (وسيلةً للنعمة) وبين النعمة نفسها، أمراً طبيعياً وبديهياً، لم يعد (الجوهر) هو الذي يحقّق (الوسيلة) ويجعلها واقعاً و(إمكانية رؤية) ما هو غير منظور، بل صار يُفهَم ويُحدَّد ويُحلَّل على أنه (جوهرٌ بذاته)، يُعطى ويُؤخذ بواسطة كافةِ (وسائل النعمة)، ولكنه مميّز عن كل منها(13).
لقد نشأ هذا المنطلق وتطوّر في الغرب المسيحي، فقاد إلى نتيجته المنطقية التي نعلمها جميعاً: تعريف النعمة بأنها ماهيّة مخلوقة، وبالتالي مميّزة عن الله وعن العالم، مع أنها تهدف إلى ضمان الاتصال الدائم بينهما. أما الشرق الأرثوذكسي فقد شجب عقيدة (النعمة المخلوقة)، واعتبرها هرطقة غربية، فحافظ على الأرثوذكسية العقائدية، ولكنه تبنّى عملياً هذا المنطلق في لاهوته الأسراري الواقع تحت التأثير الغربي. ففيه أيضاً، نجد أنّ (نعمة) مجرّدة قد حلّتْ محل (الحدث) الذي تركّز عليه التفاسير اللاهوتية للأسرار، وتركتْ لـ(الشكل) مهمة تأمين (سريان المفعول)، وهي مهمة مجردة أيضاً.
يمكننا أن نفهم الآن لماذا يكاد هذا (اللاهوت المنهجي) الجديد أنْ يتخلّى عن تفسير المعمودية بحسب مدلولات الموت والقيامة، وهي مدلولات كانت (بديهية) في التقليد القديم. فهذا المنطلق الجديد لا يهتم بالموت أو بالقيامة، فليس المسيح هو الذي يموت، لأنه بموته وقيامته مرة واحدة وإلى الأبد (لن يموت ثانية، ولن يكون للموت عليه من سلطان) (رو 9:6). وليس الإنسان هو الذي يموت أيضاً، ولو كانت معموديته (في شبه) موت المسيح وقيامته و(على مثالهما)، لأنّ معناها الحقيقي وسريان مفعولها، حسب المنطلق الجديد، يكمنان في منحها المعتمِد (نعمة). قد تكون هذه النعمة، على غرار (نعمة) الأسرار الأخرى، ثمرة لموت المسيح وقيامته، ولنقله قوتهما المخلِّصة وفعاليتهما إلى الإنسان، ولكنها ليست حدثاً يمكن – بل يجب – اعتباره موتاً وقيامة جوهريين، لا رمزيين أو مجازيين.
لذلك وصفنا هذا المنطلق بالمأساة، ورأينا فيه إفقاراً جذرياً لرؤية الكنيسة وخبرتها الأسراريتين. فإذا كانت الأسرار قد صارت اليوم، بالنسبة إلى عدد كبير من الناس، مجرد (واجبات) غير مفهومة، عليهم إتمامها مرة في الحياة، أو مرة في السنة؛ وإذا كانت قلةٌ ضئيلة منهم تختبرها بوصفها نبعاً لفرحها وغذاء لحياتها المسيحية؛ وإذا كان الكثيرون منهم يتساءلون ببساطة: (لماذا نقيم الأسرار أصلاً) أو يسعون إلى إعادة تقييمها من خلال معانٍ جديدة ورموز جديدة، أفليس سبب كل ذلك أنّ اللاهوت نفسه هو الذي جعلها (واجبات)، ولِنَقُلْها بصراحة، أليس هو الذي جعلها (وسيلة) غير مفهومة لـ(نعمة) غير مفهومة؟ أليس هذا هو سبب توقّف الإيمان والتقوى عن معرفة الأسرار واختبارها بوصفها أحداثاً حقيقية تندرج ضمن إطار (جِدّة الحياة) في المسيح، أي (النعمة)؟ الواقع أنه حين كان اللاهوتيون يعرّفون ويقيسون النعمة و(عملها) في كل سر، وحين كان القانونيون يناقشون أشكال (سريان المفعول) وشروطه، كان المؤمنون، دون أيّ مبالغة، (يفقدون اهتمامهم) بالأسرار. يقال لهم إنّ الأسرار ضرورية، فيقبلونها كعرف كنسي بديهي، دون أن يعرفوا لماذا هي ضرورية. والأخطر من ذلك، أنهم لا يهتمّون بأنْ يعرفوا. إنهم يبذلون المستحيل ليعمّدوا أولادهم و(يجعلوهم) مسيحيين، ولكن كم شخصاً بينهم يهتم حقاً بأنْ يفهم كيف تجعل المعموديةُ الإنسانَ مسيحياً، وماذا يحصل فعلاً في المعمودية، ولماذا يحصل ما يحصل؟
على شبه موت المسيح وقيامته
ولكنّ الكنيسة الأولى عرفتْ ذلك، وعرفتْه حتى قبل أنْ يصبح بإمكانها التعبيرُ عن معرفتها بواسطة نظرياتٍ منطقية وثابتة. عرفتْ أننا بالمعمودية نموت حقاً، ثم نقوم حقاً مع المسيح، لأنها اختبرتْ هذا الأمرَ في سرِّ معموديتها. فإذا أردنا أنْ تستعيد المعمودية مكانتَها الأصلية ووظيفتَها في الكنيسة، علينا أنْ نعود إلى هذه المعرفة الأسرارية التي أنارتْ حياة الكنيسة الأولى كلَّها بالفرح الذي لا يوصف، وجعلتْها بالفعل حياةً فصحية وذاتَ سمة اعتمادية.
وهنا تُطرح الأسئلة الأساسية: كيف نموت على شبه موت المسيح؟ وكيف نقوم معه ثانيةً على مثال قيامته؟ ولماذا يكون هذان الأمران مدخلَنا الوحيدَ إلى الحياة الجديدة في المسيح ومعه؟
جواب هذه الأسئلة يكمن في حقيقة جوهرية، وهي أنّ موت المسيح كان موتاً إرادياً: (أبذلُ نفسي لأستعيدها. ما من أحد ينتزعها مني، ولكني أبذلُها برضاي. فليَ القدرة على بذلها، وليَ القدرة على استعادتها) (يو17:10- 18). تُعلِّمنا الكنيسةُ أنّ ناسوتَ المسيح الخالي من الخطيئة لم يكن خاضعاً للموت خضوعاً (طبيعياً)، فقد كان منزّهاً عن الموت البشري، أي عن قَدَرِنا المشترك الذي لا مفرَّ منه. لم يكن عليه أنْ يموت. وإذا كان قد مات، فلأنه أراد أنْ يموت، واختار أنْ يموت، وقرّر أنْ يموت. وهذه السمة الإرادية التي تتّصف بها طبيعة ذلك الموت، موتِ من هو غيرُ مائت، هي التي تجعله موتاً خلاصياً، وتصيِّرُه خلاصاً لنا، وتملأه بالقوة المخلِّصة. ولكن قبل أنْ نجيب عن السؤال عن العلاقة بين موت المسيح وموتنا نحن في المعمودية، لا بدَّ أنْ نستعيد المغزى الحقيقي لرغبة المسيح في أنْ يموت.
أقول (نستعيد)، لأنّ (هرطقة) عصرنا الكبيرة، التي يمكن أنْ تبدو غريبة، تتعلّق تحديداً بالموت. وهي تكمن في الاهتمام الأساسي الذي يسيطر على إيماننا وتقوانا، والذي أدَّى إلى تحوّل واضحِ التناقض، ولكنه غيرُ واعٍ، وأزال من نظرتنا إلى العالم الرؤيةَ المسيحيةَ للموت والخبرةَ المسيحيةَ له. وبكلام أبسط، أو بعبارات مبسَّطة أكثر من اللزوم، إنّ هذه الهرطقة تكمن في تخلّي المسيحيين أنفسهم تدريجياً عن معنى الموت ومحتواه الروحيين، أي الموت الذي هو قبل كل شيء حقيقةٌ روحيةٌ لا حقيقةٌ (بيولوجيةٌ) وحسب. فالموت بالنسبة إلى الأكثرية الساحقة من المسيحيين يعني تحديداً الموتَ الجسدي. إنه نهاية هذه الحياة. أما بعد هذه النهاية، فإنّ الإيمان يؤكّد ويثّبت وجودَ حياة ثانية، حياةٍ روحية خالصة ولا نهائية، حياةٍ للنفس غير المائتة. وهكذا يكون الموت انتقالاً من الأولى إلى الثانية. ولكنّ هذا المدخل إلى المسألة، غير المختلف عن التقليد الأفلاطوني والمثالي والروحاني، يبدِّلُ تشديدَ المسيحية الأولى على تحطيم المسيح للموت [1]دائساً الموت بموته، ويقلِّلُ من إمكانية (فهمه)، و(وجوده)، و(نفاذه) إلى الإيمان والتقوى والحياة. لقد كان الفرح المسيحي الفريد بـ(إبادة) الموت واضحاً جداً في الكنيسة الأولى: (ابتلَعَ الظفرُ الموتَ. فأين شوكتُكَ يا موت؟ وأين غلبتُكَ يا موت؟) (1كو54:15- 55). وهو لا يزال واضحاً في تقليدنا الليتورجي [2]قام المسيح ولم يبقَ ميتٌ في قبر. ولكنّ الهرطقة المعاصرة تجعل موت المسيح وقيامته وكأنهما (حدثان قائمان بذاتهما)، يجب أنْ نقيم تذكارهما ونعيّد لهما ونفرح بهما، وخاصةً يوم الجمعة العظيمة ويوم الفصح، ولكنهما ليسا على صلة كيانية حقيقية بموتنا وبما بعد موتنا، وهما الأمران اللذان ننظر إليهما ونفهمهما من خلال منظار مختلف تماماً، ألا وهو منظار الموت (الطبيعي) أو البيولوجي، ومنظار الخلود الذي هو (طبيعي) أيضاً، مع كونه (روحانياً). فالموت يختص بالجسد، والخلود يختص بالنفس. والمسيحي الذي لا يرفض إيمان الكنيسة الأولى صراحةً بل يحتفل به بشكل وافٍ، لا يعرف بالحقيقة ماذا يفعل بـ(تحطيم الموت) و(قيامة الجسد)، ولا يدري كيف يجعل هذين المفهومين على صلة باختباره للحياة، وبعالمه الفكري الذي يمكنه أنْ يجمع بسهولة (كما يحصل في الانبعاثات الروحية الكاذبة في عصرنا) بين ما هو وضعي وما هو روحاني. وهكذا يغلق على نفسه الطريق إلى فهم الخبرة الكونية والأخروية للكنيسة الأولى.
إنّ أسباب هذا التناقض، وهذه (الهرطقة) المعشّشة في الجميع بطريقة غير واعية، واضحة تماماً. فهي، ولنستعملْ تعبيراً معاصراً، تتعلّق بدلالة الألفاظ (semantic). فالإنسان المعاصر الذي يفهم الموت فهماً (بيولوجياً)، ولو كان إنساناً مسيحياً، لا ينصت إلى الإنجيل المسيحي الذي يتحدّث عن (تحطيم) الموت و(إبادته). فبعد موت المسيح لم يتغيّر أي شيء في الموت على الصعيد البيولوجي. وبهذا المعنى فإنّ الموت لم يتحطّمْ ولم يَبِدْ، بل بقي هو الناموس الطبيعي الذي لا يستطيع أيُّ إنسان أنْ يفرَّ منه، سواء أكان قديساً أم خاطئاً، مؤمناً أم غير مؤمن، لأنه المبدأ العضوي لوجود العالم نفسه. وهكذا يبدو للإنسان المعاصر أنّ الإنجيل المسيحي لا ينطبق على الموت كما يفهمه، فيعود إلى التقسيم القديم و(الأكثر قبولاً): موت الجسد وخلود النفس.
ما لا يفهمه الإنسان المعاصر، وما صار أعمى وأصمّ عنه، هو هذه الرؤية المسيحية الأساسية للموت، ومفادها أنّ الموت (البيولوجي) أو الجسدي ليس كاملَ الموت، ولا جوهَره النهائي. فالموت، حسب الرؤية المسيحية، هو قبل أي شيء آخر حقيقةٌ روحانيةٌ، يمكن أنْ يشترك فيها الإنسان وهو حيٌّ، ويمكن أنْ يتحرّر منها وهو راقدٌ في القبر. فالموت هو انفصال الإنسان عن الحياة، أي عن الله الذي هو وحده معطي الحياة، والذي هو نفسه الحياة. الموت ليس اللفظة المناقضة للخلود – فالإنسان لم يخلق نفسه، وليست له القوة لإبادة نفسه، أي للعودة إلى العدم الذي منه أتى به الله إلى الوجود، وبهذا المعنى هو خالد – ولكنّ الموت هو اللفظة المناقضة للحياة الحقة (التي كانت نور الناس) (يو 4:1). غير أنّ الإنسان قادرٌ على رفض هذه الحياة الحقة، وهكذا يموت، حتى أنّ (خلوده) نفسه يصير موتاً أبدياً. وقد رفض الإنسان هذه الحياة، فكانت الخطيئة الأصلية، أي تلك الكارثة الكونية التي حصلتْ في البدء، والتي لا نعرفها معرفة (تاريخية) أو فكرية، بل بواسطة (الحس الديني)، أي القناعة الداخلية الخفية الكامنة في الإنسان، والتي لا تستطيع أيةُ خطيئة أنْ تحطِّمها، وهي التي تجعل الإنسان، دائماً وفي كل مكان، يسعى إلى الخلاص.
وهكذا، فإنّ كامل الموت ليس تلك الظاهرةَ البيولوجيةَ للموت، بل هو الحقيقة الروحية التي (شوكتها… الخطيئة) (1كو56:15)، أي رفض الإنسان للحياة الحقيقية الوحيدة التي منحه إياها الله. (دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة دخل الموت) (رو 12:5). لا توجد حياة سوى حياة الله، ومن يرفضها يموت، لأنّ الحياة من دون الله موت. وهذا هو الموت الروحي الذي يملأ كامل الحياة بـ(الموت). إنه انفصال عن الله، لذلك يجعل حياة الإنسان عزلةً وألماً، خوفاً ووهماً، تعبّداً للخطيئة وعداوةً، فقداناً للمعنى، شهوةً وفراغاً. وهذا الموت الروحي هو الذي يجعل موتَ الإنسان الجسدي موتاً حقيقياً، وثمرةً نهائية لحياته المملوءة بالموت، ورعبَ (الجحيم) الذي ذكره الكتاب المقدّس، فلا يكون البقاء والخلود نفسيهما سوى (حضور العدم)، أي الانفصال التام والعزلة التامة والظلمة الكاملة. فإذا لم نَسْتَعِدْ هذه الرؤية المسيحية، وهذا (الإحساس) بالموت بوصفه قانونَ الخطيئة الرهيب لحياتنا (وليس لـ(موتنا) فقط)، أي الإحساس بالموت الذي (يسود) هذا العالم (رو 14:5)، فلن نستطيع أن نفهم مغزى موت المسيح من أجلنا ومن أجل العالم. فقد أتى المسيح ليحطّم ويبيد هذا الموت الروحي، ويخلّصنا منه.
بعد كل ما ذكرناه، صار بإمكاننا الآن أنّ نفهم المعنى الأساسي لموت المسيح الإرادي ولرغبته في أن يموت. لقد مات الإنسان لأنه رغب في الحياة لنفسه وفي نفسه، وبكلام آخر، لأنه أحبّ نفسه وحياته أكثر من الله، وفضّل على الله شيئاً آخر. وهذه الرغبة هي المعنى الحقيقي لخطيئته، والجذر الحقيقي لموته الروحي و(شوكته). أمّا حياة المسيح فهي مكوّنة – كلياً وحصرياً – من رغبته في أنْ يخلّصَ الإنسانَ ويحرِّرَه من الموت الذي استبدله بحياته، ويعيده إلى الحياة التي فقدها بالخطيئة. إنّ رغبة المسيح في أنْ يخلِّص هي المحرك والقوة لحبِّه الكامل لله والإنسان، ولطاعته الكلية لمشيئة الله، وهما الأمران اللذان انقاد الإنسان إلى الخطيئة والموت عندما رفضهما. وهكذا صارت حياة المسيح بكاملها (دون موت). فلا موت في حياته لأن ليست لديه (رغبة) في الحصول على أي شيء سوى الله، ولأنّ حياته كلها هي في الله، وفي محبة الله. إنّ رغبته في أنْ يموت ليست إلاّ تعبيراً أخيراً وتحقيقاً لمحبته وطاعته، فموته ليس إلاّ محبة ورغبة في تحطيم العزلة، والانفصال عن الحياة، والظلمة، ويأسِ الموت. إنه محبةٌ لأولئك الذين ماتوا. لذلك لا وجود لـ(الموت) في موته. فموته الذي تتجلّى فيه المحبة بوصفها حياة، والحياة بوصفها محبة، يزيل من الموت (شوكته)، أي الخطيئة، ويحطّم الموت الذي هو قوة الشيطان والخطيئة في العالم.
إنّ المسيح لا (يُبيدُ) ولا (يحطِّم) الموت الجسدي، لأنه لا يُبيد هذا العالم الذي يشكّل الموتُ الجسدي مبدأ الحياة والنمو فيه، وليس (جزءاً) منه وحسب. ولكنه يفعل ما يفوق هذا الأمر كثيراً، فإنه بإزالته شوكة الخطيئة من الموت، وبإبادته الموت كحقيقة روحية، وبملئه إيّاه من نفسه ومحبته وحياته، يجعل الموت، الذي كان انفصال الحياة وفسادها، يجعله (انتقالاً) مشعاً وفرحاً – عبوراً – وامتلاءً من الحياة والشركة والمحبة. يقول القديس بولس: (الحياة عندي هي المسيح، والموت ربح) (فيلبي 21:1)، وهو لا يتحدّث عن خلود النفس، بل عن معنى الموت وقوّته الجديدين، عن الموت بوصفه (وجوداً مع المسيح)، عن الموت الذي صار، في هذا العالم المعرّض للموت، رمزَ انتصارِ المسيح وقوّته. والذين يؤمنون بالمسيح ويعيشون فيه، فعندهم أنّ (الموت قد زال) و(ابتلَعَه الظفرُ) (1كو54:15)، وأنّ كل قبر قد صار مملوءاً بالحياة لا بالموت.
يمكننا أنْ نعود الآن إلى المعمودية وإلى السؤال الذي طرحناه عن المعنى الحقيقي لإتمامها على شبه موت المسيح وقيامته، فقد صار بإمكاننا أنْ ندرك أنّ هذا الشبه – قبل أنْ يتمّ في الشعائر – هو فينا: في إيماننا بالمسيح، وفي محبتنا، وتالياً في رغبتنا بما رغب هو فيه. الإيمان بالمسيح لا يعني أن نعترف به أو أن نأخذ منه وحسب، بل قبل أي شيء آخر أنْ نعطيه أنفسنا. وهذا هو معنى وصيته لنا بأنْ نتبعه. فما من طريقة للإيمان به إلاّ قبولُ إيمانه بوصفه إيماننا نحن، ومحبته بوصفها محبتنا نحن، ورغبته بوصفها رغبتنا نحن. فليس ثمة مسيح بـ(معزل) عن هذا الإيمان وهاتين المحبة والرغبة. ومن خلالها وحدها نستطيع أنْ نعرف المسيح الذي هو الإيمان والطاعة والمحبة والرغبة. الإيمان بالمسيح دون الإيمان بما آمن به، ودون محبة ما أحبه، ودون الرغبة في ما رغب هو فيه، يعني أنْ لا إيمان به. وفصلُه عن (محتوى) حياته، وانتظارُ المعجزات والمساعدة منه، دون فِعْل ما فَعَلَه يعني أن لا إيمان به. ودعوته (رباً) وعبادته دون إتمام مشيئة أبيه، يعني أيضاً أنْ لا إيمان به. إننا لا نَخْلُص بمجرد إيماننا بقواه (الفائقة الطبيعة)، فهو لا يريد منا إيماناً كهذا، ولكننا نَخْلُص لأننا نقبل رغبته بكامل وجودنا ونجعلها رغبتَنا نحن. فتلك الرغبة هي التي تملأ حياته، وهي حياتُه نفسها، وهي التي تجعله في النهاية ينحدر إلى الموت ليبيده.
إنّ الرغبة في إتمام هذا الإيمان وتحقيقه، حتى يمكن أَنْ يُسمّى موتاً وقيامةً، ويُختبَر بوصفه موتاً وقيامةً، هي الثمرة الأولى و(العمل) الأوّل للإيمان نفسه، ولمشابهته إيمان المسيح. لا يمكن أنْ نعرف المسيح دون الرغبة في أنْ نتحرّر جذرياً من (هذا العالم) الذي أعلن المسيح أنّه عالمٌ مستعبَدٌ للخطيئة والموت، وكان رغم عيشه فيه مائتاً عنه: مائتاً عن اكتفائه بذاته، مائتاً عن (شهوة الجسد وشهوة العين وكبرياء الغنى) (1يو 16:2) التي تملأه وتميّزه، مائتاً عن (الموت الروحي) السائد فيه. لا يمكن أن نعرف المسيح دون أنْ نرغب في أنْ نكون معه حيثما هو. وهو ليس في (هذا العالم) الذي (يزول شكله)، وليس (جزءاً) منه. لقد صعد إلى السماء، لا إلى أي (عالم آخر) والسماء – حسب الإيمان المسيحي – ليست مكاناً (خارجياً)، بل هي حقيقة الحياة في الله، أي الحياة المتحرّرة من موت الخطيئة ومن خطيئة الموت، المتحرّرة من الانفصال عن الله، أيْ من خطيئة هذا العالم التي حكمتْ عليه بالموت. أنْ نكون مع المسيح يعني أنْ نقتني تلك الحياة الجديدة – مع الله وفي الله – أي الحياة التي (ليست من هذا العالم). وهذا غير ممكن إلاّ إذا فعلنا ما عبّر عنه القديس بولس بكلمات بسيطة جداً، ولكنها غير مفهومة عند المسيحي المعاصر، أي إلاّ إذا (متنا وحياتنا محتجبة مع المسيح في الله). (كولوسي 3:3). لا يمكننا أنْ نعرف المسيح إلاّ إذا رغبنا في أنْ نشرب الكأس التي شربها، وأنْ نصطبغ بالصبغة التي اصطبغ بها (متى22:20). وبكلام آخر، لا يمكننا أنْ نعرف المسيح إلاّ إذا رغبنا في أنْ نجابه ونصارع الخطيئة والموت، وهما المجابهة والصراع النهائيان اللذان جعلاه (يترك حياته) من أجل خلاص العالم.
إنّ الإيمان لا يقودنا فقط إلى الرغبة في الموت مع المسيح، بل هو فعلاً تلك الرغبة نفسها، ومن دونها يكون الإيمان مجرد (عقيدة) معرّضة للشك وطارئة مثل أية (عقيدة) أخرى. أمّا الإيمان الصحيح فهو الذي يرغب في المعمودية، ويعرف أنها موت حقيقي مع المسيح وقيامة حقيقية معه.
Batismo
الله وحده هو الذي يمكنه الإجابة على هذه الرغبة وتحقيقها، فهو وحده الذي يسعه (أنْ يمنحنا ما يرغب فيه قلبنا، وأنْ يحقّق كل ما في فكرنا). صحيح أنّ هذا التحقيق لا يمكن أنْ يحصل إلاّ بوجود الإيمان والرغبة، ولكنه في مطلق الأحوال عطيةٌ حرّة من الله، ونعمةٌ بأعمق ما في هذه الكلمة من معنى. وهنا بالضبط يكمن السر: إنّه معركة الإيمان الأخيرة والجواب الإلهي عليها، أي تحقيق الواحد عن طريق الآخر. فالإيمان بوصفه رغبة، هو الذي يجعل السر ممكناً، ولولا الإيمان لكان السر (سحراً) أي عملاً خارجياً واعتباطياً ومحطِّماً لحرية الإنسان. ولكنّ الله في إجابته عن الإيمان يحقّق هذه (الإمكانية)، ويجعلها فعلاً ذلك الأمر الذي يرغب فيه الإيمان: الموت مع المسيح ثم القيامة معه. فوحدها نعمة الله الحرّة وغير المقيّدة تعرّفنا أنّ (هذا الماء هو بالحقيقة قبر وأم لنا…)، كما يقول القديس غريغوريوس النيصصي.
قد يعترض البعض أو يتساءل: كيف يمكن تطبيق هذا على معمودية الأطفال، أي على أطفال، من البديهي أن لا يكون لديهم إيمان شخصي واعٍ، أو (رغبة) شخصية؟ والواقع أنّ هذا الاعتراض (مفيد)، لأنَّ الإجابة عنه تمكّننا من فهم المعنى النهائي لسر المعمودية. ونبدأ أولاً بعدم ربط هذا السؤال بمعمودية الأطفال وحدها، بل توسيعه وجعله يشمل كل معمودية. فإذا كان ما ذكرناه عن الإيمان والرغبة قد فُهم منه أنّ حقيقةَ المعمودية وفعاليتها متوقفتان على الإيمان الشخصي ومشروطتان برغبة الفرد الواعية، فيجب إذّاك الشك في (سريان مفعول) كل معمودية، سواء أكانت معمودية طفل أم راشد. فمَن هو الإنسان الذي أُعطِيَ القدرة على قياس الإيمان وإطلاق الأحكام حول درجة (فهمه) و(الرغبة) فيه؟
لقد ظلّت الكنيسة الأرثوذكسية بعيدة عن النقاش الغربي الطويل الدائر حول معمودية الأطفال التي تقابل معمودية الراشدين. ذلك أنها لم تقبل أبداً اختزال الإيمان إلى (إيمان شخصي) فقط، وهو اختزال جعل ذلك النقاش أمراً لا مفر منه. فالسؤال الأساسي عن الإيمان وعلاقته بالسر هو، حسب وجهة النظر الأرثوذكسية: أي إيمان؟ وبكلام أدق: إيمان مَنْ؟ والجواب الأساسي عن هذا السؤال: إنه إيمان المسيح، الإيمان الذي أُعطي لنا وصار هو إيماننا ورغبتنا، أو كما يقول القديس بولس: إنه الإيمان الذي بواسطته (يُقيمُ المسيح في قلوبنا، حتى إذا ما تأصّلنا في المحبة وأُسِّسنا عليها أَمكَنَنَا أن ندرك، وجميعَ القديسين، ما هو العرض والطول والعلو والعمق) (أفسس 17:3- 18). ثمة اختلاف بين الإيمان الذي يحوِّل غير المؤمن أو غير المسيحي إلى المسيح، وبين الإيمان الذي يشكّل حياة الكنيسة نفسها وحياة أعضائها، والذي حدّده القديس بولس بأنه اقتناء فكر المسيح، أي إيمانه ومحبته ورغبته. وهو ليس اختلافاً في الدرجة وحسب، بل في الجوهر أيضاً. صحيح أنّ كلاً منهما عطية من الله، ولكنّ الأول هو جواب على الدعوة، أمّا الثاني فهو حقيقة الأمر الذي تتمّ الدعوة إليه. إنّ الصياد الجليلي الذي دعاه يسوع فترك شباكه وتبعه، فعل ذلك بالإيمان. فقد آمن بالذي دعاه، قبل أنْ يعرف إيمانه ويقتنيه. والإيمان الشخصي هو الذي يقود الموعوظ إلى الكنيسة، ولكنّ الكنيسة هي التي ستعلّمه وتمنحه إيمان المسيح الذي به تعيش. عندما نؤمن بالمسيح يصبح إيمان المسيح فينا، لأنّ كلاً منهما هو تحقيق للآخر، ولأنّ كلاً منهما يعطى لنا لكي نمتلك الآخر. ولكنّ كلامنا على إيمان الكنيسة – الذي به تعيش، والذي هو حياتها نفسها – يُقصد به وجود إيمان المسيح فيها، ووجود المسيح نفسه، الذي هو الإيمان الكامل والمحبة الكاملة والرغبة الكاملة. الكنيسة حياةٌ لأنها حياة المسيح فينا، ولأنها تؤمن بما يؤمن به، وتحب ما يحبه، وترغب في ما ترغب هو فيه. فالمسيح ليس (موضوعَ) إيمان الكنيسة وحسب، بل هو (باعثُ) حياتها كلها.
يمكننا أنْ نعود الآن إلى الاعتراض المذكور آنفاً، والذي لا يتعلّق بمعمودية الأطفال وحدها بل بمعمودية الراشدين أيضاً. فقد عرفنا أنّ حقيقة المعمودية (أي كونها موتاً فعلياً وقيامة فعلية مع المسيح) ليست، ولا يمكن أنّ تكون، (وقفاً) على الإيمان الشخصي، مهما كان هذا الإيمان (راشداً) أو (بالغاً). وهذا الأمر لا يُعزى إلى أي نقصٍ أو قصورٍ في الإيمان الشخصي، بل إلى أنّ المعمودية تتوقّف – كلياً وحصرياً – على إيمان المسيح، لأنها عطية إيمانه ونعمته الحقة. يقول القديس بولس: (فإنكم، وقد اعتمدتم جميعاً في المسيح، قد لبستم المسيح) (غلا 27:3). ولكن ماذا تعني عبارة (قد لبستم المسيح) إذا لم يكن بإمكاننا أن ننال في المعمودية حياة المسيح بوصفها حياتنا نحن، وإيمانَه ومحبَتَه ورغبتَه بوصفها محتوى حياتنا نحن؟ إنّ حضور إيمان المسيح في هذا العالم هو الكنيسة. فلا حياةَ لدى الكنيسة سوى حياة المسيح، ولا إيمانَ ولا محبةَ ولا رغبةَ لها سوى إيمانه ومحبتِه ورغبتِه، ولا مهمةَ لها في العالم سوى أنْ تنقل المسيح إلينا. وتالياً، فإنّ إيمان الكنيسة، والأفضل أنْ نقول إنّ الكنيسة بوصفها إيمان المسيح وحياته، هي التي تجعل المعمودية ممكنة وحقيقية، مثل اشتراكنا في موت المسيح وقيامته. وهكذا تكون المعمودية (وقفاً) على إيمان الكنيسة، لأنّ إيمان الكنيسة هو الذي يعرف أنّ المعمودية (قبر) و(أم)، وهو الذي يرغب في أنْ تكون كذلك، وهو الذي يجعلها كذلك.
كل ما ذكرناه، واضح في ممارسة الكنيسة للمعمودية. فهي لا تكتفي بأنْ تسمح بمعمودية الأطفال المولودين حديثاً (أي الذين لا يسعهم أنْ يكونوا ذوي (إيمان شخصي))، بل إنها تطلب أنْ يتعمدوا. ولكنها لا تعمّد جميع الأطفال، بل أولئك الذين يخصّونها، سواء عن طريق أهلهم أو بواسطة كفلاء مسؤولين، وبكلام آخر، أولئك الذين يقدَّمون إلى المعمودية من داخل الجماعة المؤمنة. فالكنيسة تعتبر أنّ هؤلاء الأطفال يخصّونها، والدليل على ذلك موجود في طقس الإدخال إلى الكنيسة (إنَّ فَهْمَ هذا الطقس فهماً صحيحاً يوجب عدم تطبيقه إلاّ على الأطفال الذين لم يتعمدوا بعد، والمتحدّرين من والدين مسيحيين). الكنيسة لا (تسرق) أبناء غير المسيحيين، ولا تعمِّد الأطفال (من وراء ظهر أهلهم)، أي دون موافقة صريحة من أولئك الذين يملكون الإمكانية الحقيقية لإبقائهم داخل الكنيسة وتربيتهم فيها. أمّا غير ذلك فلا تعتبره الكنيسة معمودية (سارية المفعول). الكنيسة تعرف أنّ كل إنسان في حاجة إلى المعمودية، ولكنها تعرف أيضاً أنّ (جِدّة الحياة) الممنوحة في المعمودية لا تتحقّق إلاّ في الكنيسة، أو بالأحرى إنّ الكنيسة هي تلك الحياة المختلفة جذرياً عن حياة هذا العالم، إلى حد كونها (محجوبة مع المسيح في الله)؛ وتعرف أيضاً أنه على الرغم من منح المعمودية لشخص معيّن، فإنّ الكنيسة هي التي تحقّقها وتنجزها. ولذلك لا تعمّد إلاّ من كان انتماؤه إليها صريحاً ويمكن التأكد منه. وهو في حالة الموعوظين (الإيمان الشخصي) والاعتراف به، وفي حالة الأطفال وعد واعتراف أعضاء الكنيسة – الأهل والعرابين – الذين يمكنهم أنْ يقدّموا طفلهم إلى الله، وأنْ يكونوا مسؤولين عن نموه في (جِدَّة الحياة).
لقد صرنا الآن مستعدين للمعمودية نفسها:
وبعد أنْ يدهن جسد الطفل بالزيت المقدّس يأخذه من عرّابه ويضبطه بيديه مستقيماً موجَّهاً نحو الشرق ويعمّده مغطساً إيّاه كله في الماء وقائلاً:
– يعمَّد عبد الله باسم الآب، آمين.
وينشله، ثم يغطسه مرة ثانية قائلاً:
– والابن، آمين.
وينشله، ثم يغطسه مرة ثالثة قائلاً:
– والروح القدس، آمين.
هكذا هو السر: منحُ موت المسيح وقيامته لكل منا، منحُنا نعمة المعمودية. إنه العطية والنعمة الحاصلتان من اشتراكنا في حدثٍ موجَّهٍ إلى كل منّا، لأنه حصل من أجلنا ومن أجل خلاصنا. إنه عطيةٌ يمكن، بل يجب على كل منّا أنْ يأخذها ويقبلها ويحبها ويمتلكها. موت المسيح وقيامته يتحقّقان في المعمودية بوصفها موتاً من أجلي أنا وقيامة من أجلي أنا، أي موتي أنا في المسيح، وقيامتي أنا فيه.
أما الـ(آمين) التي بها (تَخْتِم) الكنيسة كلاً من التغطيسات الثلاث فهي الشهادة على أننا قد رأينا واختبرنا مرة أخرى أنّ المسيح مات حقاً وقام من الموت حقاً، لكي نموت فيه عن الحياة المعرّضة للموت، ولكي نشارك – والآن وهنا – في (النهار الذي لا يغرب). فماذا يعني إيماننا بالقيامة في اليوم الأخير، إذا لم نتذوّق ما يجعل القيامة يقيناً مليئاً بالفرح؟
لقد رأينا كل هذا، وجُعلنا شهوداً على (هذه الأمور)، لذلك نرتل الآن المزمور الثاني والثلاثين المليءَ بالفرح:
طوبى لمن غُفرتْ ذنوبه وسُترتْ خطيئته. طوبى للرجل الذي لا يَحسب الربُّ عليه خطيئتَه وليس في روحه غش.
هذا المزمور هو تكملة وتوسيع للـ(آمين) الجليلة. فقد جُعلنا مرة أخرى شهوداً على الرحمة الإلهية والمغفرة، وعلى إعادة خلق العالم والإنسان فيه. ومرة أخرى نعود إلى البدء، فإنّ إنساناً جديداً قد جُعل على شبه الله الذي خلقه، في عالم جديد ممتلئ من المجد الإلهي:
افرحوا بالرب وابتهجوا أيها الصدّيقون. وافتخروا يا جميع المستقيمي القلوب(14).
1- من الأمور الدالَّة على حالتنا الراهنة، أنَّ كل المحاولات الهادفة إلى جعل الاحتفال بالمعمودية احتفالاً ليتورجياً كاملاً، تُقابَل بالمعارضة الصريحة (لأنها تشكِّك المؤمنين!)، في حين أنّ عدم التقيّد بالتعليمات الليتورجية الصريحة يُعتبر أمراً طبيعياً. وهذا واضح تماماً بالنسبة إلى هذه التعليمات الأساسية، والتي طالما بقيتْ محفوظة في كتبنا الليتورجية، فهي تدين احتفالاتنا (الخاصة) بالمعمودية، وتظهر أنها مخالفةٌ كلياً لتقليد الكنيسة الليتورجي.
2- حول معنى الماء الديني ورمزيته، راجع:
_G. Van der Leeuw، Religion in Essence and Manifestation، Harper Torchbooks، New York، 1963;
_M. Eliade، the Sacred and the profane: the Nature of religion، Harper Torchbooks، New York، 1961;
_M. Eliade، patterns in Comparative in Religion، Engl. tr. Meridian Books، Clevland، 1963.
عن المسيحية الأولى، راجع:
_H. Rahner، (the Christian Mystery and the pagan Mysteries) in the Mysteries، papers from the Eranos Yearbooks II، New York، 1955;
_A.D. Nock، (Hellenistic Mysteries and Christian Sacrements) in Mnemosyne Series 4،5 (1952).
عن المعمودية المسيحية واستعمال الماء عند جماعة الآسانيين، راجع:
_K. Stendhal، ed.، the Scrolls and the New Testament، New York، 1957;
_J. Daniélou، primitive Christian Symbols، Baltimore، 1964.
3- من أجل دراسة مفصلة عن هذه (الرمزية الثلاثية)، راجع:
_per Lundberg، La typologie baptismale dans L’ancienne Eglise، Uppsala، 1942;
_J. Daniélou، the Bible and the Liturgy.
4- عن معنى الرمزية في الأسرار، راجع مقالة المؤلف:
(Sacrement and symbol) in (For the World)، St. Vladimir’s Seminery press، Crestwood، N.Y.، rev. ed. 1973.
5- كانت العادة المسيحية القديمة أن يتم التعميد في ماء حي:
أما عن المعمودية، فعمدوا في (ماء حي) (έν ύδατι ζώντι)، باسم الآب والابن والروح القدس (تعليم الرسل الاثني عشر، 1:7).
وهذا التعبير ليس مجرد مصطلح تقني للتمييز بين الماء الجاري والماء الراكد، كما أظهر:
_O. Cullmann، Les sacrements dans L’Evangile Johannique، paris، 1951، p.22،
_J. Daniélou، (Living Water and the Fish) in primitive Christian Symbols، p.42ff،
وآخرون سواهم، ولكنه يحمل معاني وإشارات كتابية غنية جداً. فهو رمز يظهر فعلياً الأبعاد الكونية والخلاصية والأخروية للمعمودية، ويجعلها أبعاداً متماسكة. وعندما صارت المعمودية، في تاريخ مبكر، تقام في بيت المعمودية، كانت معرفة الكنيسة بأنّ ماء المعمودية (ماءٌ حيٌّ) هي التي حدّدت لاهوت (جرن المعمودية) وشكله، وخصوصاً كونه مُثَمَّن الأضلاع (راجع:
F.J. Dölger، (Zur Symbolik des altchistichen taufhauses) in (Antike und Christentum) 4 (1933) 153-187)
فالصفة المميزة لبيت المعمودية هي أنّ الماء كان يجر إليه بواسطة قناة، وهكذا يبقى (ماءً حياً) (راجع:
T. Klauser، (Taufet in libendigem Wasser)، in pisculi، Münster، 1969، pp. 157-60).
وبالتالي فإن تعبير (تقديس جرن المعمودية) يشير إلى تقديس ماء المعمودية.
6- عن أصل هذه الصلاة وتطورها، راجع:
_H. Schedit، (Die Taufwasserweihegbete in sinne Vergleichender Liturgieforschung untersucht)، in Liturgiegeschichtliche Quellen und Forschungen 29 (1935)
7- حول مسألة استدعاء الروح القدس في تقديس ماء المعمودية، راجع:
_J. Quasten، (The Blessing of the Baptismal Font in the Syrien Rite of the Fourth Century)، in theological Studies 7 (1946);
_F. Cabrol، (Epiclèse)، in Dictionnaire d’Archéologie Chrétienne et de Liturgie 5، 1،pp. 142-82.
وراجع أيضاً القديس يوحنا الذهبي الفم:
عندما تُقبل إلى الشعائر المقدّسة للانتماء إلى الكنيسة، فإنّ أعين الجسد ترى ماءً، وأمّا أعين الإيمان فترى روحاً (التعليم عن المعمودية 11، 12).
8- على الرغم من سقوط العالم كله تحت وطأة (أمير هذا العالم)، فإنّ الماء بوصفه العنصر الأوَّليّ و(العمق الذي لا يُسبر غَوْرُه)، يبقى هو مركز وجود هذه القوة ومسكنها. وهكذا فإنّ الماء يمثِّل الموت، ومعموديةُ يسوع في الأردن هي بداية نزوله إلى الجحيم وصراعِه مع الموت. فالأردن يمثّل المياه كلَّها، وتطهير الأردن هو انتصار كوني.
حول هذه المواضيع في ليتورجيا عيد الظهور، راجع:
_J. Lemarié، La Manifestation du seigneur، Lex Orandi 23، Paris، 1957، p. 305 ff;
_J. Daniélou، the Bible and the Liturgy;
_P. Lundberg، op. cit.، p.10ff.
9- عن معنى الزيت واستعماله في العالم القديم، راجع:
_A.S. pease، (Oleum)، in pauly-Wissowa، Real Encyclopedie der Classischen Altertumswissenschaft.
وعن هذا الموضوع في العهد القديم، راجع:
_A.R.S Kennedy، (Anointing) in Hasting’s Dictionnary of the Bible، New York، 1909، p. 35;
_L.L.Mitchell، Baptismal Anointing، London، 1966.
10- إنّ معنى هذه المسحة السابقة للمعمودية، بوصفها إعادة خلق الإنسان بغفران خطاياه وشفائه، قد عُبِّر عنها بشكل رائع في صلاة الأسقف سيرابيون (أسقف تمويس – القرن الرابع)، وهي صلاةٌ خاصة بمسح المعتمدين بالزيت:
أيها السيد المحب البشر، والمحب النفوس، الشفوق والرحوم، يا إله الحق، إننا نتضرَّع إليك تابعين ومطيعين وعودَ ابنك الوحيد الذي قال: (كل من غفرتم خطاياه تغفر له) (يو23:20). ونمسح بهذا الزيت الذي يقتربون بتصميم إلى هذا التجدّد الإلهي. ونتوسّل إليك لكي يشفيهم ربنا يسوع المسيح ويهبهم قوة، ويعتلنَ بواسطة هذه المسحة، ويزيلَ من نفوسهم وأجسادهم وأرواحهِم كل أثر للخطيئة والتمرد والعيب الشيطاني، ويمنحَهم الغفران بنعمته الخاصة، حتى إذا ماتوا عن الخطيئة يعيشون بصلاح، وإذا أعيد خلقهم بهذه المسحة، وطُهِّروا بالغسل، وجُدِّدوا في الروح ينتصرون على قوى هذا العالم المعاكسة وحِيَلِه الغاشّة التي تهاجمهم، وهكذا ينتمون ويتّحدون بقطيع ربنا ومخلصنا يسوع المسيح
– John Wordsworth، Bishop serapion’s prayers Book، pp. 74-76).
سنرى لاحقاً في هذه الدراسة أنّ المغزى الدقيق للمسحة السابقة للمعمودية صار موضوع جدال عنيف بين عدد من اللاهوتيين الغربيين، وخصوصاً بسبب غياب الإشارة إلى أيّة مسحة لاحقة للمعمودية (الميرون أو التثبيت) في التقليد السوري القديم. فمثل هذه الإشارة غير موجودة عند الذهبي الفم (أنظر الأب فين في المرجع المشار إليه، ص139 وما يليها) ولا في تعاليم الرسل ولا في العظات الليتورجية للأسقف نارسيوس (أنظر: R. Connolly، Didascalia Apostoloum، pp. 48-50; ibid. Lit. Hom. Of Narsai، pp. 42-49) ولا في سواها من الوثائق (أنظر: H. Green، (The Significance of the pre-Baptismal Seal in John Chrysostome). in Studia Patristica 6.6 (1962) pp. 84.90).
وقد أدّى هذا الغياب إلى نقاش حاد حول التثبيت وعلاقته بالمعمودية. وأنا مقتنع أنّ هذا النقاش كان بسبب الفرضيات المغلوطة الناتجة عن المدخل الغربي إلى الأسرار عموماً، وإلى المعمودية خصوصاً. فسرّ المعمودية بكامله هو سرّ في الروح وبواسطة الروح، لأنّ الروح القدس هو الذي يعمله ويحققه في مراحله الثلاث (المسحة السابقة للمعمودية – المعمودية – مسحة الميرون). فالإنسان الذي أُعيد خلقه بالروح القدس (المسحة السابقة للمعمودية) هو الذي يموت مع المسيح في جرن المعمودية، وهو الذي يجدد بالروح القدس (المعمودية) ليحصل على الروح القدس نفسه بوصفه حياة جديدة أبدية في ملكوت الله (الميرون). كل عمل وكل عطية يفترضان وجود العمل والعطية اللاحقين، ويتحققان فيهما. ولهذا فإنّ معنى الليتورجيا الكامل لا يظهر إلاّ في (ترتيب الطقس) بكامله.
11- عن المعمودية في اللاهوت الأكاديمي للقرن التاسع عشر، راجع:
_F. Gavin، Some Aspects of Contemporary Greek Orthodox Thought، pp. 306- 316.
_Bp. Sylvester، Opyt Pravoslavnogo Dogmaticheskogo Bogosloviia (Orthodox Dogmatic Theology) Vol. 4، ed. 2، pp. 422-425.
12- حول هذه الخلافات، راجع:
_A. Almazov، Istoriia، p. 183 ff;
_Trempelas، Vol. 3، pp. 99 ff;
13- بالنسبة إلى ترامبلاس (Trempelas) مثلاً، فإنّ الأسرار ليست سوى (وسيلة نعمة)، وهو يقول:
إنّنا لا نتجاهل قوة الصلاة والوعظ وضرورتهما، ولكننا لا نعدّدهما بين الوسائل المحدّدة التي تمنح النعمة. فالأسرار التي أسّسها الله هي وحدها هذه الوسائل… (المرجع المشار إليه سابقاً، ص9).
وراجع أيضاً:
_ Gavin، op. Cit.، pp. 272 ff.
14- حول استعمال هذا المزمور، راجع:
_ Almazov، Istoriia، pp. 426-27.

