الفصل الثامن: الملكوت في الأناجيل
ملكوت الله كان يسوع يكرز في الجليل قائلاً: “قد تم الزمان واقترب ملكوت الله فتوبو وآمنوا بالإنجيل” (مر1: 15). وأعلن […]
هدف هذه الدراسة تعريف القارئ العادي على بعض المسائل الهامة التي برزت في الأبحاث الإنجيلية، والمشاركة في المناقشات الدائرة في الأوساط الأرثوذكسية حول قيمة النقد الكتابي و استخدامه في الكنيسة.
وفي الوقت الحاضر نفتقر نحن الأرثوذكسيين إلى الاهتمام الكافي في هذا الحقل، وذلك يعود في الأصل، إلى الظروف التاريخية خلا الحقبة الطويلة من العزلة والتي ولدت لدينا الفكرة الخاطئة بأن أبحاث النقد الكتابي من اختصاص الإنجيليين وحدهم ولا علاقة للأرثوذكس به، لكن ظروفنا الآن قد تغيرت. فالكنيسة الأرثوذكسية ليست فقط باحتكاك مباشر مع الغرب ولكنها تحيا الإنجيل وتعلنه هناك. فإلى متى يمكنها أن تهمل وتتجاهل ما يدور في حقل الدراسات الكتابية؟ لاشك في أنه ظهر في القرنين الماضيين علماء ولاهوتيون أرثوذكسيون كانوا واعين تمام الوعي أهمية النقد الكتابي ومقدرين له قيمته، بيد أنهم لم يؤثروا التأثير الكافي على الكنيسة ككل. ولا وجدوا الكثيرين يحذون حذوهم ويتممون عملهم خالقين بذلك المناخ الملائم لمتابعة الدراسات الكتابية. بل بالعكس كان الحماس لهم ضعيفاً لأن الكثيرين كانوا ينظرون إلى النقد الكتابي وكأنه شيء سلبي، لا بل وكأنه موجه ضد الإيمان نفسه.
لقد كتب (بضم الكاف وكسر التاء) هذا الكتاب بإيمان راسخ وقناعة بأن النقد الكتابي ليس سلبي، فالوظيفة الحقيقة للنقد ليست للهدم بل للبناء وليست للتعتيم بل للإنارة، وليست لتضليل أعضاء الكنيسة بل لحملهم على فهم أفضل للنص الكتابي وللحقيقة التي يعبر عنها هذا النص. لا يوجد منهج نقدي كامل ومعصوم عن الخط، لكن قد تكون لبعض نتائجه قيمة ثابتة، المصاعب تنشأ من جراء فرضيات العلماء وهذه الفرضيات هي التي تفسر كيف أن الذين يستخدمون المنهج ذاته يصلون أحياناً إلى نتائج متعارضة جداً.
لا تمكن دراسة الإنجيل بدون نقد إنجيلي. لذا على الكنيسة ألا تتردد في تشجيع وخلق الظروف الملائمة لتقدم الدراسات الكتابية. يوجد ترابط بين هذا النمط من الدراسات وبين اللاهوت بحيث يصعب علينا تخيل نهضة لاهوتية بدون اهتمام عميق ومشاركة فعالة في الأبحاث الكتابية. وتاريخياً نما الفكر اللاهوتي عندما كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمعرفة الكتابية، إذ لا يمكن للواحد أن يحصل دون الآخر.
هذا الكتاب يهتم بالأناجيل وبالشخص الذي هو محور الرواية الإنجيلية. ولقد عدنا دائماً إلى أساتذة التفسير الكتابي الذين ساعدونا على رؤية تلك الرواية في موقعها الصحيح و على اجتذابنا إلى يسوع كما كان ينظر إليه معاصروه. ولا بد لنا من أن نعي أن وجه يسوع، إذا أردنا له أن يؤثر في عصرنا هذ، يجب أن يكون هو نفسه الذي تصوره لنا الأناجيل. مهمة هذا الكتاب الرئيسية هي رسم هذا الوجه بمساعدة الأبحاث النقدية الحديثة.
إن نور القيامة يضيء كل صورة المسيح التي في الأناجيل، لأن الإنجيليين رأوا كل شيء في منظار القيامة معبرين بذلك عن اعتقادهم بأن المسيح الناهض من القبر هو نفسه يسوع التاريخي.
وقد زودتنا الأناجيل بالمادة التاريخية التي تخولنا التمييز بين يسوع أثناء خدمته العامة ورب الكنيسة بعد القيامة. لكن هذه المادة نفسها تحظر علينا أي فصل بينهما لأن “يسوع” هو “المسيح”.
هذه وجهة نظر من النقاد المعاصرين. لكن ينزع البعض الآخر منهم إلى التشكيك بالرواية الإنجيلية، ويذهب إلى مواقف متطرفة. وهؤلاء غالباً ما يرتكزون على ما يبدو لهم معقولاً مما هو خلقي ولاهوتي ولربما نفسي. ويفرقون بين يسوع الناصري ومسيح الإيمان. هذا النوع من النقد عامة ينطلق من رغبة الناقد في التخلص من كل عنصر فائق الطبيعة ومن نفي أي تدخل لهذه العناصر في التاريخ.
المنهج النقدي المطبق حالياً لم يبلغ حد الكمال ولكنه رغم محدوديته يبقى الأفضل بين المناهج الموجودة حالياً. ولا يوجد منهج معصوم من الخطأ. فالمنهج التفسيري الآبائي الذي يبحث في التماثل الداخلي بيت بعض الشخصيات والأحداث التاريخية في العهدين القديم والجديد قد أدى أيضاً إلى بعض التطرف. فتماديهم في البحث عن هذه العلاقات الداخلية أضعف الميزة التاريخية لكل من العهدين القديم والجديد وقلل من شأن الإطار التاريخي للإعلان الإلهي. لكن بالرغم من هذا فإن بعض نتائج التفسير الرمزي للكتاب تبقى ذات قيمة ثابتة. فقد حدد آباء الكنيسة العلاقة بين العهدين وأظهروا في تفاسيرهم وحدة الكتاب المقدس كما عبروا عن المعنى اللاهوتي لأحداث حياة المسيح. وهكذا كان نهجهم ضرورياً من الناحيتين التاريخية واللاهوتية.
أما إدخال المنهج الحديث في التفسير الكتابي فلا يعني رفضاً لمنهج التفسير الرمزي بل تشجيع للنقاد الحديثين كي يعتمدوا نتائجه ومنجزاته. فآباء الكنيسة أساتذة لنا وعلينا أن نتبنى موقفهم من الكتاب المقدس. لقد تأملوا الكتاب المقدس جيداً وأحبوه فتمكنوا أن يكتشفوا لأبناء عصرهم ولنا الكثير من أسراره و معانيه. غير أننا لا نستطيع استخدام منهجهم للإجابة عن أسئلة تاريخية تثار اليوم.
وهكذا فإن كان منهجهم لا يلائمنا دائماً فعلينا أن نتبنى مواقفهم ورؤيتهم وأن نقترب من الكتاب المقدس بروح أولئك الذين كرسوا حياتهم من أجل الوصول إلى فهم صحيح له. وتجدر الإشارة إلى أن موقف الآباء من الكتاب المقدس لا يتعارض بالضرورة مع الدراسات التاريخية التي يقوم بها العلماء المعاصرون.
تضطرنا الأناجيل إلى إثارة تساؤلات تاريخية، وعقيدة التجسد نفسها: “الكلمة صار جسداً وحل فينا” (يو1: 14) تستدعي البحث الكتابي. إذ أننا لا نستطيع أن نعلن عن عمل الله في التاريخ ونهمل في الوقت نفسه البحث التاريخي في مدونات هذا الإعلان الإلهي أي الكتاب المقدس. ورفض لبحث كهذا يقود إلى التقليل من أهمية التجسد التاريخي ويؤدي إلى إحياء الميول الدوسيتية وإلى تشجيع التعلق الأعمى بالحرف في الكنيسة على نحو خفي (crypto-fundamentalism).
لقد جعلنا النقد الكتابي نتأكد من أن الهم الأوحد للأناجيل هو الشهادة بأن يسوع هو الرب، علماً بأن الذين يستخدمون المنهج النقدي لا يستطيعون أن يبرهنو و يدحضوا صحة هذا التأكيد.
وعندما اعترف بطرس بألوهية المسيح قائلاً: “أنت هو المسيح ابن الله الحي”، أجابه يسوع: “طوبى لك يا سمعان بن يونا. فإنه ليس لحم ولا دم كشف لك هذ، لكن أبي الذي في السموات” (متى16: 16-17). لا يستطيع النقاد أن يبرهنو ويدحضوا أن يسوع هو ابن الله الحي، لكنهم يستطيعون التأكيد أن تلاميذ المسيح الذين عايشوه وتقبلوا تعاليمه، فأرسلهم ليبشروا به، هؤلاء آمنوا به وتعبدوا له. إننا نعرف يسوع بواسطة شهادتهم. أما الوثائق التي تضم هذه الشهادة فهي تمدنا بالمادة الضرورية التي تصلح لا للتأمل فقط، بل للبحث التاريخي.
تم طبع هذا الكتاب في 15/4/1981
لحساب منشورات النور
ص.ب. 112966- بيروت- لبنان
ملاحظة: عناوين الفصول لكتاب “المسيح في الأناجيل – الكنيسة والنقد النصي الحديث، تم وضعها من قبل الموقع اعتماداً على النسخة الانجليزية الصادرة عام 1972 أو عناوين الفصل. مع العلم أن النسخة الحديثة، الصادرة 1992، تعتبر نسخة جديدة مبنية على أخر دراسات النقد النص حينها. لذا هذا الكتاب يؤخذ منه بعناية إذ يفضل العودة للنسخة الأحدث التي أطلق عليها دار النشر، نفسه: “كتاب جديد بعنوان قديم”… (الموقع)
ملكوت الله كان يسوع يكرز في الجليل قائلاً: “قد تم الزمان واقترب ملكوت الله فتوبو وآمنوا بالإنجيل” (مر1: 15). وأعلن […]
من هو يسوع؟ سؤال لا يمكننا التغاضي عنه إذ بجوابه بتعلق تفسيرنا للأناجيل. إحدى الطرق التي تمكننا من وصف يسوع
الحياة الدينية في فلسطين أيام يسوع المسيح وكيف تعامل يسوع مع الحركات الدينية اليهودية وعلى الأخص الأسانيوس والسامريون، دون إغفال الأمم
كان آباء الكنيسة يعتبرون أنه للتقليد الشفهي سلطة معادلة لسلطة التقليد المكتوب حتى منتصف القرن الثاني الميلادي، إذ بدأوا يميلون للاعتماد على الروايات الإنجيلية المدونة. هذا الميل حصل نتيجة لانتشار المسيحية في العالم الهليني ولقيام أدب هرطوقي ولبروز أولى المحاولات لوضع قانون العهد الجديد.
المادة الإنجيلية وضعت ضمن حدود البشارة الرسولية ناقلة بعمق أن الأحداث تتحرك في اتجاه واحد غاية في الأهمية. لذا بالرغم من الصعوبة في تعيين زمن حدوث بعض أعمال يسوع يبقى خاطئاً الافتراض أنه لا يوجد تسلسل زمني في الأناجيل.
تاريخ كلمة إنجيل ومعناها! وما هي المهمة التي كانت للأنجيليين أثناء تدوين الإنجيل؟ هل يمكن اعتبار الأناجيل أنها سيراً عن حياة يسوع؟ ما هي إذاً مهمة الإنجيليين المزدوجة في التدوين الإنجيلي؟
وحدة العهدين القديم والجديد ليست قائمة على تطور طبيعي ولا على تماثل تعوزه الحياة والحركة إنما على فعالية عمل الله الخلاصي في تاريخ شعب واحد بلغ كماله في المسيح
النقد الكتابي الحديث من وجهو نظر أحد أهم اللاهوتيين الأرثوذكسيين الذين سيقدمون رؤية أرثوذكشية، من وجهة نظره، لكيفية الانخراط في هذا الحقل الدراسي، إذا أن الكتاب المقدس هو أكثر كناب خضع للنقد وخرج العلماء بأنه أكثر الكتب موثوقية بناءً على النقد لا النقل.
