أ – كان سر المعمودية، في الماضي وخلال (العصر اذهبي) لليتورجيا المسيحية، يدخل في صلب احتفال الفصح السنوي العظيم، فيقام ليلة الفص بالذات (1). ولا يزال طابع الارتباط العريق بين طقس المعمودية وليتورجيا الفصح محفوظاً بشكل ثابت حتى اليوم، على رغم مضي زمن طويل على انفكاك واحدهما عن الآخر (2). إلاّ أنّ المسيحيين الذين يدركون هذا الأمر قلة، وكذلك حال من يعرفون أنّ ليتورجيا الفصح هي، في المقام الأول، ليتورجيا للمعمودية، وأنّ ما يسمعونه مساء الفصح من القراءات الكتابية عن عبور البحر الأحمر أو الفتية الثلاث في الآتون أو يونان في بطن الحوت، يُمثِّل أقدم (صُوَر) المعمودية، وأنّهم يشتركون في سهرانية المعمودية العظمى، وأنّ الفرح الذي يضيء هذه الليلة المقدّسة مع دوي الإعلان المجيد: (المسيح قام!) هو فرح الذين (اعتمدوا بالمسيح ولبسوا المسيح)، أي الذين (دُفنوا معه بالمعمودية ليموتوا فيحيوا (حياة جديدة)، كما أُقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب) (رو4:6) {المقاطع الإنجيلية مأخوذة من (العهد الجديد) – منشورات المطبعة الكاثوليكية بيروت – الطبعة الرابعة، 1974}. وقليلون هم المسيحيون الذين تعلّموا أنَّ الفصح بوصفه عيداً ليتورجياً، وأنَّ الصوم الكبير بوصفه تحضيراً ليتورجياً له، ناشئان أساساً من الاحتفال بالمعمودية، وأنَّ الفصح، (عيد الأعياد)، هو بالحقيقة ملءُ المعمودية، وأنَّ المعمودية هي بالحقيقة سرٌّ فصحيّ.
ولكنّ معرفة هذا الأمر تتجاوز كونها فصلاً ممتعاً من الأرخيولوجيا الليتورجية، لأنها الطريقة الوحيدة، فعلياً لفهمٍ أفضل للمعمودية ولمعناها في حياة الكنيسة وحياة المسيحيين الفرديّة. وهذا الفهم الأكمل لسر الإيمان المسيحي الأساسي، والحياة المسيحية، هو ما نحتاجه اليوم أكثر من أيّ أمر آخر.
لماذا؟ لأنّ المعمودية، ببساطة كلّية، غائبة عن حياتنا. من المؤكد أنّ الجميع يقبلونها كضرورة بديهية، وأنها ليست موضع اعتراضٍ أو جدال، وتُقام في كنيستنا دائماً. وبعبارة أخرى، هي أمر (مفروغ منه)، لكنني أتجاسر أن أؤكّد على رغم كل ذلك أنّها في الحقيقة غائبة، وأنّ غيابها في أساس كثيرٍ من المآسي التي تعيشها الكنيسةُ اليوم.
فالمعمودية، بادئ ذي بدء، غائبة عن ليتورجيا الكنيسة، إذا أردنا بلفظة ليتورجيا ما عناه تعبير leitourgia دائماً: أي العمل الجماعي الذي تنصرف إليه الكنيسة كلها، (الجماعة بكاملها)، وتشترك فيه اشتراكاً حقيقياً. أوَ ليس الحاصلُ فعلاً، بالمنظار الليتورجي، أنّ المعمودية صارت اليوم احتفالاً عائلياً خاصاً، يُقام في العادة خارجَ إطار العبادة الجماعية للكنيسة، وتحديداً خارج ليتورجيتها leitourgia؟ أوَ ليس الحاصلُ فعلاً أنّ المؤمن قد يواظب على الذهاب إلى الكنيسة سنين طويلة دون أن يشترك في معمودية واحدة، أو أن يعرف كيف تُقام؟
وما دامت المعمودية غائبة عن الليتورجيا، فمن الطبيعي أن تغيب عن تقوانا أيضاً. لقد كان المسيحي في الماضي يعلم أنّ عيد الفصح هو احتفال سنوي بمعموديته، أي بدخوله ومشاركته في حياة المسيح الناهض من بين الأموات. وكان يعرف أيضاً أنّ قيامة المسيح تُعْلَن مجدداً وتؤكَّد في عمل التجديد وإعادة الولادة، أي بالمعمودية التي تُدخل أعضاءَ جدداً في (جِدَّة الحياة). أمّا المسيحي اليوم فلا يرى أيّة علاقة تربطه هو والكنيسة بالمعمودية. هو يعرف طبعاً أنّه قد تعمّد، وأنّ المعمودية شرط أساسيّ لانتمائه إلى الكنيسة. ولكنّ معرفته تبقى معرفة مجرّدة، لأنها لا تربط الكنيسة بالذين ماتوا مع المسيح فوُهبوا فيه حياةً جديدة. وتالياً، فإنّ تقواه لا تبقى ذات طابع اعتماديّ، كما كانت تقوى المسيحيين الأوائل. فالمعمودية لم تعد بالنسبة إليه حقيقةً واختباراً دائمين، ينيران حياته بكاملها، ويمدّانه أبداً بالفرح والرجاء. صحيح أَنّها مسجلة على شهادة معمودية في مكان ما، لكنّ المؤكَّد أنّها ليست مسجلةً في ذاكرته المسيحية، لأنه فقد القدرة على اختبار العلاقة المباشرة بين الفصح والعنصرة والميلاد والظهور وكامل ليتورجيا الكنيسة، وبين المعمودية، وصار عاجزاً عن إدراك أنّ الليتورجيا لا تٌحقِّق معناها وفعاليتها في الكنيسة إلاّ بالمعمودية ومن خلالها.
فإذا كانت المعمودية قد توقّفتْ عن تغذية التقوى المسيحية، فلا شك في أنها قد فقدتْ قدرتها على تحديد الرؤية المسيحية للعالم، أي مواقفنا ودوافعنا وقراراتنا الأساسية. فليس في المسيحية اليوم (فلسفةُ حياة) تحتضن كاملَ وجودنا، سواء في العائلة أو المهنة أو التاريخ أو المجتمع أو الخلقية أو العمل. وما من فارقٍ بين (القِيَمِ) و (المُثُلِ) المقبولة داخل الجماعة المسيحية، وتلك المقبولة خارجها. وقد يكون المسيحي اليوم (مؤمناً مواظباً في الرعية)، بينما يعيش حسب مقاييس وفلسفات لا علاقة لها بالإيمان المسيحي، أو متعارضة معه بوضوح.
كان المسيحي في الماضي يعلم بكامل كيانه، لا بعقله وحسب، أنّ المعمودية تجعل علاقته بكافة نواحي الحياة، وبالعالم نفسه، علاقةً جديدةً جذرياً، وأنّه حصل، إلى جانب إيمانه، على مفهوم للحياة جديد تماماً. فالمعمودية بالنسبة إليه كانت نقطة انطلاق وأساساً لـ(فلسفة حياة) مسيحية، وموجِّهاً دائماً يرشده بثبات عبر وجوده كله، ويزوِّده بأجوبة عن جميع أسئلته ويحلّ سائر مشكلاته.
ويبقى هذا الأساس موجوداً، ما دامت المعمودية تُقام، لكنها لم تعدْ في ذهننا باباً مؤدّياً إلى حياة جديدة، ولا قوة للجهاد من أجل المحافظة على هذه الحياة ونموِّها فينا.
ب – تلك هي النتيجة المأساوية لما قد يبدو للكثيرين أنّه تطوّر ثانوي أو خارجي محض، ألا وهو تحوّل المعمودية إلى احتفال خاص، وتوقّفها عن كونها قلب ليتورجيا الكنيسة وتقواها.
قد يبدو هذا الأمر بالمنظار الرسمي البحت – سواء أكان عقائدياً أم قانونياً – غير ذي أهمية. أوَ ليست المعمودية سارية المفعول، بغض النظر عن عدد الأشخاص الذين يحضرونها، أو زمانها ومكانها، أو كمية المياه المستعملة فيها؟ إلاّ أنّ مجرد وجود (وجهة نظر) كهذه، يُظهر مدى انفصال وعينا العقائدي والقانوني المعاصر عن روح كنيستنا وتقليدها الأصيل، وبعده التام عن المبدأ القديم: lex orandi lex est credendi (معيار الصلاة هو معيار العقيدة).إنّ (وجهة النظر) هذه، التي تُعلَّم اليوم على أنّها قاعدة أرثوذكسية، ليست سوى نتيجة لتلك (القولبة الغربية المغلوطة) للاهوت الأرثوذكسي، التي بدأتْ بعد انتهاء عصر الآباء وسمَّمَتْ الكنيسة بما أدخلتْه إليها من روح قانونية غريبة كلياً عن الآباء والتقليد القديم. وكانت نتائج هذا التأثير الغربي انحسار مفهوم المعمودية نفسه. بإمكاننا، دون شك، قراءة مؤلفات معاصرة في اللاهوت الأرثوذكسي مراراً وتكراراً، دون أن نعثر في أيّ منها على إجابة عن الأسئلة التالية: ما سبب استعمال المياه في المعمودية؟ وما علاقة المعمودية بموت المسيح وقيامته؟ ولماذا يُكرِّس الأساقفة، دون سواهم، المسحة المقدّسة؟من الواضح أنّ الإجابة عن أسئلة كهذه أمر أساسي لفهم سر المعمودية. لكنّ تلك المؤلفات تعرِّف المعمودية بأنها (إزالة الخطيئة الأصلية) و(منح النعمة)، وأنّ هذين العملين ضروريان للخلاص، وبالمعنى القانوني للكلمة (3). أما كون المعمودية سرَّ تجدّد و(عبوراً) من حياة قديمة إلى حياة جديدة، وإعادةَ خلق، وفصحاً شخصياً، وعنصرةً شخصية، واندماجاً في شعب الله، وظهوراً لملكوت الله، أي كلَّ المعاني التي جعلت المعمودية محور التقوى المسيحية في العصور الأولى وأساسها، فقد أُغفلتْ تماماً. والسبب في ذلك أنّها تقع خارج الإطار القانوني الذي تسرَّب إلى الكنيسة من الغرب.
لقد تناول هذا النوع من اللاهوت كل ما يختص بسريان مفعول الأسرار عامة، والمعمودية بصورة خاصة. ولكنّ السؤال الوحيد الذي لا يَظهر أيُّ أثر له في اهتماماته: ما هو هذا الشيء الذي يسري مفعوله في المعمودية؟ وهكذا ساعد اللاهوت الرسميّ فعلياً على الانحطاط الليتورجي، وأدَّى شيئاً فشيئاً إلى إخراج المعمودية من إطار Ayin الكنسيّة وجعلها احتفالاً خاصاً. فإذا كان (سريان مفعول) هذا السر لا يتطلّب سوى كاهن شرعي وقليل من المياه، وإذا كان (سريان المفعول) هو الأمر المهم وحده، فلماذا لا يقتصر السر على هذه المتطلّبات الأساسية دون سواها؟ ولماذا لا نبارك الماء والزيت مسبقاً، فلا نضيّع وقتنا الثمين؟ ولماذا نهتم بقواعد ليتورجية قديمة تفرض أن (تُضاء جميعُ الشموع)، وأن (يرتدي الكاهن ثوباً أبيض)؟ لماذا نورّط الرعية، جماعة المؤمنين، شعبَ الله، في كل هذا؟ إننا لا نحتاج اليوم إلى أكثر من خمس عشرة دقيقة، و(مرتّل) واحد حتى نقيم، في زاوية مظلمة من الكنيسة، ما رأى فيه الآباء أعظم احتفال على الإطلاق فهلّلوا له، لأنه (السر الذي يملأ بالفرح كل الملائكة ورؤساء الملائكة والقوات العلوية والمخلوقات الأرضية)، السر الذي استعدّتْ له الكنيسة بالصوم الأربعيني، والذي يشكّل جوهر فرحها الفصحي نفسه.
هذا هو وضعنا الحزين اليوم: أن نجد أنفسنا إزاء ليتورجيا انحطاطية يدعمها لاهوت انحطاطيّ وتؤدي بنا إلى تقوى انحطاطية. وهذا بالضبط هو الوضع الذي لا بد من تصحيحه إذا كنّا نحب الكنيسة ونرغب في أنْ تستعيد القوّة التي بها تُحَوِّلُ حياةَ الإنسان.
ج – علينا أن نكتشف المعمودية مجدّداً: معنىً وقوةً وفاعلية. وهدف هذه الدراسة هو المساعدة على هذا الاكتشاف، أو بالأحرى على إثبات الشروط التمهيدية له، إذ إنّ إعادة الاكتشاف الحقيقية يجب أن تحدث كلّما احتفلت الكنيسة بهذا السر العظيم وجعلتنا جميعاً مشاركين فيه وشهوداً له.
هدف اللاهوت الليتورجي، كما يدلّ اسمه، هو التغلّب على الانفصال المأساوي الحاصل بين اللاهوت والليتورجيا والتقوى، كما حاولنا أن نبيّن في مكان آخر (4). فقد كانت لهذا الانفصال عواقبُ وخيمة على هذه الأمور الثلاثة كلها، لأنه حَرَمَ الشعب من فهم الليتورجيا، فبات يرى فيها طقوساً جميلةً تكتنفها السريّة، ويحضرها دون أن يكون له أي دور حقيقي فيها؛ وحَرَمَ اللاهوت من منبعه الحيّ، فأمسى تدريباً عقلياً للمفكّرين وحدهم؛ وحَرَم التقوى من مضمونها الحيّ ونقطة ارتكازها. ولكنّ حال الآباء لم تكن على هذا المنوال. وإذا كان لاهوتهم ما يزال مقياساً ومصدراً للإلهام بالنسبة إلينا، فلأنه متأصِّلٌ في خبرة الكنيسة الحيّة، وفي حقيقة الجماعة الليتورجية.
لقد نشأ تفسير المعمودية اللاهوتي في إطار تعلم الموعوظين طقوسَ المعمودية، وكان جزءاً عضوياً من الليتورجيا نفسها، وتأملاً ملهماً فيها وإعلاناً لمعناها الحقيقي. فعندما نقرأ الآباء نفرحُ بكوننا بعيدين عن تلك الشروحات الرمزية السطحية الخاصة بالطقوس الليتورجية، والتي يمتاز بها أدب ما بعد الآباء، وعن التعريفات القانونية الباردة التي تَرِدُ في مؤلفاتنا التعليمية!
يهدف اللاهوت الليتورجي إلى فهم الليتورجيا من الداخل، واكتشافِ ما تذيعه عن (ظهور) الله والعالم والحياة واختبارِه، وجعلِ هاتين الرؤيا والقوة متصلتين بوجودنا وكلِّ مشاكلنا. والمعمودية هي بداية كلِّ هذا وأساسُه ومفتاحُه. فحياة الكنيسة بكاملها متأصّلة في الحياة الجديدة البازغة من القبر في اليوم الأول للخليقة الجديدة. وهذه الحياة تُعطى في المعمودية وتكتمل في الكنيسة.
لقد بدأنا مقدّمتنا بالإشارة إلى علاقة الفصح بالمعمودية. وهذه الدراسة ليست سوى محاولة لتفسير معنى تلك العلاقة، ومقدار الفرح الذي به تملأ حياتنا المسيحية.
1- في مسألة العلاقة الليتورجية بين المعمودية والاحتفال الفصحي، راجع ترتليانوس:
(الفصح هو أكثر الأيام ملائمة لإقامة المعمودية، ففيه تمّت آلام الرب وإليها نعتمد… تلي الفصح فترة العنصرة التي فيها أُعلنت قيامة الرب للتلاميذ أكثر من مرة، وفيها وُهبت نعمة الروح القدس أوّل ما وُهبت…) (في المعمودية، 19).
راجع أيضاً وصفاً قديماً لمعمودية الفصح في أورشليم ضمن كتاب:
_ Etheria’s Pilgrimage، E.C. Whitaker، op. cit.، pp. 41- 44.
أما عن كيفية إقامتها في كنيسة القسطنطينية، فراجع كتاب:
_Codex Barberini، fol. 260ff، in Whitaker، p.69ff.
الميلاد والظهور والعنصرة (أنظر: A.Baumstark، Comparative Liturgy، tr.F. (Cross، rev. B.Botte، Westminster، Md.، 1958، pp.158-9.
ولكنّ الملفت للانتباه أنّ الترتيب الليتورجي للاحتفال بعيدي الميلاد والظهور ما يزال حتى اليوم مماثلاً للاحتفال بالفصح. وفي كتب tipikon القديمة يوصفان بأنهما (فصح – عيد ثلاثي الأيام). والمقصود بلفظة (فصح) هنا، السماح بإقامة المعمودية خلال الاحتفال بهما (راجع L. Bouyer، the Paschal Mystery).
2- أُنظر القراءات التي تُتلى في صلاة الغروب ليوم السبت العظيم المقدّس (وهو الغروب الذي كان بداية سهرانية الفصح العظيمة). إنَّ هذه القراءات المأخوذة من العهد القديم يغلب عليها طابع المعمودية. (راجع: P. Lundberg، La typologie baptismale dans l’ancienne Eglise، Uppsala، 1942، and J. Daniélou، Bible and liturgy، Notre Dame، 1956.). ولاحظ إبدال التريصاجيون، أي التسبيح المثلّث التقديس، وهو ترنيمة الدخول والزياح قديماً، بترنيمة: أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم، هليللوييا!). ولاحظ أيضاً: قراءة فصلين من العهد الجديد عن المعمودية: (رو6، متى28) الخ…
3- راجع كتيّبات العقيدة، الواردة في هذا الكتاب تحت عنوان (ثبت المراجع).
4- راجع كتاب المؤلف: Introduction to Liturgical Theology، Faith press، London، 1966.

