لا يعلّمنا مثال السيد الوداعة فقط بل العطف نحو الآخرين. نحن لا نستحق بسبب خطايانا رحمة وعطفاً، فقد رحمنا االله وما كنا ننتظر رحمة. حررنا المخلص من عبودية الشيطان واعتقنا من هوس العدو غير المنظور وخلصنا من عبودية الخطيئة ورباطاتها. كانت الأهواء تحزننا وكانت كالجبال بثقلها تضغط صدورنا، وكانت عبودية الشيطان تزداد ظلماً يوماً بعد يوم. وأمام هذه المأساة وقفنا في حيرة كاملة. وصلنا الى درجة العري النفسي الكامل. لم يكن لأحد أن يمد لنا يد المساعدة. صرنا موطىء قدم للعدو. ممن نستقي ماء التعزية عن خطايانا المرة؟ أمنّا نحن؟ أمن الغير؟ البشر كلهم يشعرون بعجزهم الكامل عن مساعدة الآخرين. وماذا أقول؟ أدواء؟ أعون وشفاء وقد وصلنا الى مثل هذه الحالة المؤسفة التي لا تمكننا من التفكير حتى بضرورة الطبيب؟ لقد خلصنا السيد بذاته من هذه الحالة الشقية. لم تخلصنا لا الملائكة ولا أي مرسل من المرسلين. خلصنا المخلّص الذي نشتمه ونهينه بحياتنا الخاطئة.
هنا يقوم التعجب العظيم الذي لا يستطيع أن يدركه الإنسان ولن. أن المسيح لم يرد أن يخلصنا من عذابات الشر فقط بل أخذ على عاتقه آلامنا وعذاباتنا ليجعلنا نحن الخطأة سعداء، لأنه في “أيام حياته البشرية” (عبرانيين 5: 7)، في حياته على الأرض، تحمل كثيراً تحنناً ورحمة بنا لما ظهر لأعين الكثيرين جديراً بالرحمة. عندما سيق إلى موته غير العادل على الصليب ” كان يتبعه جمع غفير ونساء كن يلطمن صدورهن وينحن باكيات” (لوقا 23: 27). لم تتألم النسوة فقط بل بكاه أيضاً النبي أشعيا قبلهن بزمنٍ طويل، عندما رأى آلامه بعين النبوة، وإزاء هذا المشهد الذي رآه فيه ” لا صورة له ولا جمال ولا منظر” لم يتمكن من حبس دموعه.
يا للسر العظيم! أن المخلّص أثار عطف البشر عندما كان يمر في نزاع العذاب ليرحمنا. لم يرد أن يصير شريكاً لنا بالآلم فكرياً أو بتعبير إرادي بسيط بل تنازل ليعاني كل ألم،ٍ تنازل ليموت البريء من الخطأ. لا يمكن أي حنان، مهما كان عظيماً، أن يقارن بالقليل من حنان المخلص ومحبته. يكفي أن نفكر بعطف المخلص نحونا وبمقداره حتى تستيقظ فينا محبة إخواننا فنشاركهم الآلم الذي يعانون، العذاب الذي يذوقون. أي حزنٍ لم نذق؟ ألم نسقط من السماء موطننا الحقيقي؟ ألم نمر في فقر روحي؟ ألم نعذّب بجراحات الخطيئة؟ ألم نشعر بثقل نهر العبودية والأهواء المحمومة؟ ألم نصبح خارج نفوسنا كالابن الشاطر؟ لقد تحررنا من هذه الآلام كلها ” لكثرة رحمة إلهنا”، فلنغفر نحن لغيرنا إذا أخطأوا نحونا متشبهين بسيد الكل. إن المخلص يدعونا هذه الدعوة، يدعونا لتوحيد موقفنا بالنسبة للآخرين مستوحين رحمته الإلهية: “كونوا رحماء كما أن أباكم السماوي رحيم” (لوقا 6: 36).
#!trpst#trp-gettext data-trpgettextoriginal=2793#!trpen#Related Posts#!trpst#/trp-gettext#!trpen#
في مديح القديس بولس - سبع عظات للقديس يوحنا الذهبي الفم
بين القديس يوحنا الذهبي الفم والرسول بولس صداقة فر...
الكتاب العاشر: في روح الضجر أو الملل
مقاومة الضجر بالعمل لا بالهروب! يقدم لنا القديس يو...
لا يستطيع أحد أن يؤذي إنسانًا ما لم يؤذ هذا الإنسان ذاته - يوحنا الذهبي الفم
من يقدر أن يؤذيك؟ لا يستطيع أحد أن يؤذي إنسان...
الكنيسة تحبك - عظتان للقديس يوحنا الذهبي الفم عن أتروبيوس
الكنيسة تحبك (1) مع عرض روحي رائع عن "التجسد الإله...
العظة الثالثة والعشرون: الموعظة على الجبل، إنجيل متى 7: 1-20
18. انتقاد إخوتكم! 1. "لا تدينوا. لكي لا تُدانوا"...
اللقاء العشرون: مع الأب بينوفيوس - ثمار التوبة وعلامات الصفح
1- مقدمة الآن إذ أروى لكم تعاليم الأب بينوفيوس، ال...
العظة الخامسة عشر: الموعظة على الجبل، إنجيل متى 5: 1-16
1. مقدمة في التطويبات الهروب من حب التظاهر والاست...
في الكهنوت
توطئة ننشر في ما يلي ,,دروساً،، تلقاها رهبان دير ...
نحن والمراهقون
يعاني الطفل أزمات نمو أساسية ثلاث ثم يبلغ خلال الط...
شرح المغبوط أوغسطينوس للعظة على الجبل، متى 7
ثالثًا: عدم إدانة الآخرين 59 وطالما يصعب علينا معر...


