أولاً: حياته
نشأ القديس كيرلس في وقت تغلغلت فيه الأفكار الأريوسية[1] واقتنصت بعض الأساقفة الذين انحرفوا عن رسالة الكنيسة والإيمان المستقيم.
في وسط هذا الجو العاصف وُلد كيرلس من أبوين تقيين مستقيمي الإيمان[2] فأرضعاه إيّاه. ويمكننا أن نلتمس ذلك من مقالاته حيث يتحدث عن شعوره بالدين تجاه والديه وشوقه إلى رد الجميل لهما[3].
هذا وإننا لا نجد في مقالاته التي اتسمت بالصراحة أي تلميح من بعيدٍ أو قريبٍ أنه كان يومًا ما هرطوقيًا أو وثنيًا.
أما عن عائلته، فلا نعرف منها أحدًا بالاسم اللهم إلاّ ابن أخته الأنبا جلاسيوس أسقف قيصرية، الذي أشار إليه عند موت أكاسيوس[4] Acacius سنة 366م.
ويرجح البعض[5] أنه ولد في أورشليم أو على الأقل نشأ فيها وهو طفل، معلّلين ذلك بسببين:
- عادة لا يُرسم رئيس أساقفة على أورشليم إلاّ من كان قد نشأ فيها وعرفه شعبها معرفة قويه منذ نشأة حياته.
- ما أورده بالتفصيل في مقالاته أنه رأى عيانًا الأماكن المقدسة في أورشليم قبل أن تمتد إليها يد الإمبراطور البار قسطنطين والملكة البارة هيلانة سنة 326م لإصلاحها وتزيينها، وهذا يعني أنه رآها وهو أقل من 10 أو 12 سنة.
كيرلس الراهب
جاء في التقليد أنه راهب ناسك، وربما اعتمد في ذلك على ما ورد في مقالاته من عبارات ينسب فيها نفسه إلى فئة المتوحدين. إلا أننا نعلم أن كثيرين لم تتح لهم فرصة الانطلاق إلى البرية أو التمتع بالشركة في دير، فعاشوا في حياة التوحد داخل المدن في بيوت منعزلة، هكذا التهب قلب كيرلس بالحب الإلهي، فعشق الخلوة مع الله، وكرس كل وقته للعبادة والدراسة.
لم يكن يخرج من منزله إلاّ للاشتراك مع المؤمنين في الصلاة مكرسًا نهاره وليله للخلوة مع سيده، حتى قال مختبرًا: [هل يوجد أنفع من الليل ليصير الإنسان حكيمًا؟!] فقد اختبر حياة السهر والجهاد في الصلاة مع القراءة والتأمل ليتعلم الحكمة السمائية[6].
كيرلس الكاهن
جاء عرضًا في إحدى ملاحظات القديس إيرونيموس (جيروم) أن الأنبا مكاريوس أسقف أورشليم رسمه شماسًا. وغالبًا ما يكون هذا في أواخر حياته على الأرض إذ تنيح حوالي آخر سنة 334م، أو على الأكثر بداية سنة 335م[7].
بعد نياحة الأنبا مكاريوس خلفه الأنبا مكسيموس المعترف[8] أسقفًا على أورشليم، وقد أحب كيرلس جدًا ووثق فيه، فرسمه كاهنًا سنة 343م، وأوكل إليه تعليم الموعوظين، وكان ذلك حوالي سنة 347م أو 348م، والتي تكاد أن تكون كل ما وصل إلينا من مؤلفاته.
كيرلس رئيس أساقفة أورشليم
في أواخر عام 350م سيم أسقفًا على أورشليم، وكان ذلك بمساعدة أكاسيوس أسقف قيصرية بفلسطين وبتروفليس اللذين كانت لهما ميول أريوسية ويبغضان الأنبا مكسيموس[9].
إننا لا نعرف ما هو الدافع الذي بعثهما إلى ذلك، إذا كانت رسامته غير واضحة.
وقد بدأ عهده بحادث مفرح، وذلك أنه في 7 مايو سنة 351م حوالي التاسعة صباحًا في يوم صحو مشمس، ظهر صليب منير في السماء أكثر لمعانًا من الشمس، تعلق فوق جبل الجلجثة، وامتد إلى جبل الزيتون، وبقي ساعات طويلة حتى رآه جميع سكان أورشليم: المواطنون والغرباء، المسيحيون واليهود والوثنيون، الشيوخ والصغار، فتدفق الكل نحو الكنيسة وكانوا يسبحون الله ويمجدونه، إذ تأكد لكثيرين صحة الديانة المسيحية.
ارتجت المدينة كلها لهذا المنظر، وبادر الأنبا كيرلس بكتابة رسالة إلى الإمبراطور يصف له ما حدث. ويُشتم من رسالته أن هذا الأمر كان في بدء أسقفيته.
رعايته
نستطيع أن نلتمس مدى ما اتسمت به شخصية الراعي كيرلس مما ذكره عنه المؤرخ سوزومين[10] Sozomen. إذ حدثت مجاعة في أورشليم والبلاد المجاورة لها، وقد تكدس الفقراء في البطريركية يتضورون جوعًا، رافعين أنظارهم إلى أسقفهم المملوء حبًا. وإذ كان الراعي يعيش في حياة نسكيّة تقشفيّة لا يملك في بطريركيته شيئًا، لم يجد مفرًا من أن يبيع بعض أواني الكنيسة ويوزعها على أولاده الفقراء.
قد يبدو هذا التصرف غريبًا، لكن أمام الحب المتقد في قلب الأب لم يجد سبيلاً آخر غير هذا.
وإننا نجد Свети Јован Златоусти يطلب الاهتمام بالفقراء قبل الاهتمام بشراء أوانٍ ثمينة لبيت الرب، إذ يقول[11]: [أتريد أن تكرم جسد يسوع؟! لا تتغافل عنه وهو عريان! فلا تكرمه هنا في الكنيسة بثياب ديباج وفي الخارج تضرب عنه صفحًا وهو يموت من البرد والعري.
إنه غير محتاج إلى كأس ذهبية بل إلى نفس نقية!]
كيرلس والآلام
وقع صدام بين كيرلس وأكاسيوس ربما كان سبب رغبة الثاني في خضوع الأول له في آرائه الأريوسية، الأمر الذي جعل كيرلس يقوم بمقاومته علنًا، مفندًا الآراء الأريوسية ومنددًا بها.
ولما كان قسطنس يحتضن الأريوسيين، أسرع أكاسيوس بعقد مجمع اتهم فيه كيرلس أنه مبدد لأموال الكنيسة. ولكي يقويّ مركزه أسند الاتهام باتهام لاهوتي مدعيًا أن كيرلس يخلط بين الأقانيم الثلاثة، وبهذا صدر الحكم بتجريده من أسقفيته ونفيه.
لم يبالِ كيرلس بهذا، بل قام من جانبه بعقد مجمع يبرئه من الاتهامات الموجهة ضده.
لكن أكاسيوس المتقرب من الإمبراطور جاء ومعه شرذمة من الجنود، وطردوا كيرلس، وأقام أسقفًا أريوسيًا عوضًا عنه.
نُفي كيرلس إلى أنطاكية، وبعد ذلك إلى طرسوس، فقبله أسقفها سلفانوس كزميلٍ له يشاركه أعمال أسقفيته. لكن للأسف كان هذا الأسقف من أتباع الهومائيين[12] الأمر الذي عرض الأنبا كيرلس للنقد.
أسرع أكاسيوس بتحذير سلفانوس ألاّ يشرك كيرلس معه في الخدمة، لكن الثاني لم يبالِ من أجل محبته لكيرلس، ومن ناحية أخرى كان الشعب قد أُعجب بالأسقف الجديد وتعلق به[13].
وفي عام 359م انعقد بسبب أودكسيوس مجمع في سلوكية بـ Isauria غرب أرمينيا. وإذ أثير موضوع نفي الأنبا كيرلس فحدث شقاق حاول البعض إقناعه بالانسحاب[14]، لكن بفضل الهومائيين بقي وانسحب أكاسيوس. وبانسحابه استطاع هو وأتباعه من الالتقاء بعظماء القسطنطينية المتصلين بالقصر الإمبراطوري، وعن طريقهم توصلوا إلى الإمبراطور حيث أثاروا غضبه ضد مجمع سلوكية، مقدّمين شكوى أكاسيوس ضد كيرلس التي تتلخص في اتهامه أنه باع لإحدى الراقصات الثوب المقدس الذي أهداه قسطنطين إلى الأنبا مكاريوس الأورشليمي تكريمًا لكنيسة أورشليم، لكي ما يلبسه أثناء خدمته طقس العماد المقدس، وهو منسوج بالذهب، وقد اُستخدم في المسارح.
هذا الاتهام كان بمثابة عينة قُدمت للإمبراطور لإثارته ضد كل أعضاء المجمع.
وقد قام رجال البلاط بإقناع الإمبراطور إلاّ يستدعي المجمع كله، بل يكتفي بعشرة من قادته منهم: أوسطاسيوس[15] الأرمني وباسيليوس الغلاطي وسلفانوس الطرسوسي وايليسوس من Cyzicus.
نفيه الثاني
مع بداية عام 360م انعقد مجمع في القسطنطينية اُتهم فيه كيرلس ودين بسبب مشاركته لأوسطاسيوس الأرمنّي وباسيليوس من أنقرا[16] وجورج من لاودكية[17]. هؤلاء الثلاثة ليسوا على مبدأ واحد، ولا هم مثقفين في شيء، بل منهم من هو أريوسي المذهب كأكاسيوس لكنه كان يبغضهم لدوافع شخصية، خاصة بعدما قبلوا كيرلس عدوه.
هذا وقد شهد التاريخ الكنسي الأول للقديس كيرلس أنه بالرغم من اختلاطه بهؤلاء الأساقفة وغيرهم، إلاّ أنه لم ينحرف قط عن مبادئه ولا في سلوكه، بل بقي أرثوذكسي العقيدة والمسلك. وهذا ما أكده أيضًا مجمع القسطنطينية سنة 381م في إحدى محاضره.
نعود لنؤكد أن أكاسيوس لم يستطيع أن يثبت عليه أي اتهام، ولم يكن غايته العقيدة الإيمانية، بل كان كل همه الانتقام منه.
انتهى المجمع بالحكم على الأنبا كيرلس بالنفي للمرة الثانية، وإن كنا لا نعلم عن مكان نفيه شيئًا.
كيرلس في عهد يوليانوس
لم يبقَ كيرلس في النفي أكثر من سنتين، إذ في 3 نوفمبر من سنة 361م مات قنسطنس Constantius وهو يستعد لمحاربة ابن عمه يوليانوس، الذي بعدما تولى الحكم أصدر أمرًا بعودة جميع الأساقفة المنفيين إلى كراسيهم. ويقول المؤرخ سوزومين[18] إنه لم يكن الدافع هو الإشفاق عليهم ولا حبًا فيهم، لكنه كان يلذ له أن يري الكنيسة منقسمة متنازعة في داخلها.
عاد كيرلس إلى إيبارشيته مارًا على أنطاكية حيث استقبله أسقفها القديس ميليتوس استقبالاً حارًا.
وفي سنة 363م قرّب يوليانوس الجاحد جماعة اليهود إليه. لا محبة فيهم بل إثارة للمسيحيين ولإغاظتهم. يذكر لنا المؤرخون أنه أمد اليهود بالمال، وساعدهم مشجعًا إياهم على بناء الهيكل تكذيبًا لقول السيد المسيح بخصوص خراب الهيكل. وفعلاً أُعدت جميع أدوات البناء، وتهيأ العمال للعمل، وكان القديس كيرلس يُطمئن نفوس شعبه أن كلمات ربنا يسوع لن تسقط.
ذكر لنا سقراط ثلاث معجزات حدثت في ذلك الوقت[19].
أ. حدثت بالليل زلزلة عنيفة جدًا أرعبت العمال اليهود.
ب. جاءت نار، أحرقت مواد البناء استمرت من الصباح حتى المساء.
ج. في الليلة التالية ظهرت انطباعات لصلبان منيرة على ثيابهم، باطلاً حاولوا التخلص منها. ومع هذا كله، فقلوبهم الغبية المظلمة لم تقدر أن تؤمن!
وفي أيام يوليانوس الجاحد أيضًا، يذكر لنا المؤرخ ثيؤدورت قصة ابن كاهن وثني من المقربين إلى البلاط، أخبره الابن بها بنفسه[20]، ملخصها أنه وهو صبي تعلم على يدي شمّاسة صديقة حميمة لأمه. آمن بالمسيحية علي يديها، ولما اكتشف أمره هرّبته إلى الأنبا ميليتوس. وإذ بحث عنه والده ووجده جلده كثيرًا وحرق يديه ورجليه وظهره بمسامير محماة، ثم حبسه في حجرة النوم وذهب إلى معبده… فتمكن الابن من الهروب والالتجاء إلى الشمّاسة التي ألبسته ثوب فتاة وأخذته في عربة مغطاة وأعادته إلى القديس ميليتوس، وهو بدوره أسلمه إلى القديس كيرلس أسقف أورشليم.
وبعد موت يوليانوس قاد الابن أباه طريق الحق.
أما يوليانوس ففي 26 يونيو من ذات العام (363) الذي حاول فيه بناء هيكل اليهود قُتل في حربه ضد الفرس وهو يقول: “غلبتني أيها الجليلي!”
نفيه الثالث
بعد يوليانوس خلفه جوفنيان صاحب الإيمان المستقيم، الذي في عهده استراحت الكنيسة. لكنه لم يبقَ سوى 7 شهور، إذ مات في فبراير 364م، وخلفه فالنتنيان الأرثوذكسي المبدأ في شهر مارس. وقد سلم الولايات الشرقية إلى أخيه فالنز معضّد الأريوسية.
مضي العامان الأولان دون أن نسمع شيئًا عن الأنبا كيرلس، وفي عام 366م مات أكاسيوس، وعلي أثر ذلك قام خلاف بين كيرلس والأريوسيين بخصوص ترشيح خلف له وانتهى الأمر بنفي كيرلس وذلك بمعاونه الإمبراطور الأريوسي.
بقي كيرلس منفيًا أحد عشر عامًا حيث عاد إلى كرسيه ليرى كنيسته متألمة مجروحة من الأريوسيين وأتباع أبوليناريوس[21].
ويمكننا أن نتلمس مدى ما وصلت إليه الكنيسة في ذلك الوقت من التقرير المحزن الذي قدمه القديس غريغوريوس النيسي (335-394م) بناء على طلب مجمع أنطاكية المنعقد سنة 378م لافتقاد كنائس فلسطين والعربية.
على أي الأحوال عاد الراعي إلى رعيته يتفقدها ويهتم بشئونها. وقد اشترك في مجمع القسطنطينية[22] المنعقد سنة 381م بناء على أمر الإمبراطور ثيؤدوسيوس.
وفي عام 388م تنيح القديس كيرلس بعدما قضى 38 عامًا أسقفًا على كرسي أورشليم.
ثانياً: كتاباته[23]
أهم أعماله
1. مقالاته لطالبي العماد
سجلها الأب كيرلس وهو بعد كاهن عندما أنابه الأنبا مكسيموس المعترف لتعليمهم سنة 347 أو 348م. وتُعتبر هذه المقالات فريدة في نوعها، إذ هي مجموعة كاملة للتعاليم التي تقدمها الكنيسة الأولى للموعوظين طالبي العماد. يعلق Quasten على هذه المقالات، قائلاً: “ألقى أغلبها في كنيسة القبر المقدس، وهي إحدى أعظم الكنوز المسيحية القديمة الثمينة. توجد ملاحظة مدونة في كثير من المخطوطات، وهي أنها مختزلة، مما يعني أن لدينا نسخة سجلها أحد المستمعين، وليست نسخة الأسقف[24].”
حقًا لقد سجل لنا القديس يوحنا الذهبي الفم مقالين إلى طالبي العماد[25]، وكان غاية اهتمامه أن يكّرهم في العادات الوثنية الشريرة التي تأصلت فيهم. كما سجل لنا القديسان غريغوريوس النيسي وأغسطينوس[26] أحاديث وإرشادات موجهة إلى معلمي الموعوظين لا إلى الموعوظين أنفسهم. وقد وصلت إلينا مقالات أخرى موجهة إلى الموعوظين، جاءت كمقالات فردية أو بين مجموعة مقالات أو عظات[27].
2. مقالاته عن الأسرار للمعمدين حديثًا
وهي خمس مقالات، تُعتبر تكملة للمقالات السابقة، ولها أهمية خاصة، إذ سجلت لنا الكثير من طقوس الكنيسة الخاصة بأسرار المعمودية والميرون والإفخارستيا، ومعانيها في القرن الرابع.
3. رسالة إلى الإمبراطور قنسطنس Constantius بمناسبة الظهور العجيب لصليب ضخم من النور في 7 مايو 351 م، نظروه في أورشليم فوق جبل الجلجثة المقدس ويمتد حتى جبل الزيتون المقدس.
لم ينظره شخص أو اثنان، وإنما رأته الجماهير كلها في المدينة بكل وضوح، ليس إلى لحظات، بل إلى عدة ساعات. وكان نوره يغطي على نور الشمس. فجأة اندفعت الجماهير إلى الكنيسة في خوفٍ ممتزج بالفرح، وكانوا يسبحون ربنا يسوع المسيح. (رسالة إلى الإمبراطور قنسطنس، 4)
4. عظة على مفلوج بركة بيت صيدا (يو 5:5). In paralyticum iuxta piscinam iacentem
غالبًا ألقاها وهو كاهن، إذ أشار إلى الأسقف التابع له.
5. مقتطفات من عظات على معجزة تحويل الماء خمرًا وعلى يو 16: 28.
6. مقال عن حضور المسيح في الهيكل ومقابلته مع سمعان… وينسبها البعض إلى القديس كيرلس السكندري.
7. رسائل ومقتطفات وردت في الطبعة البندكتية. لم يقم الدليل بعد علي صدق نسبتها إليه.
أرثوذكسية إيمانه
إذ قام أكاكيوس مطران قيصرية بسيامته، وهو أريوسي، اتهمه البعض أنه قدم تنازلات للأريوسية مقابل هذه السيامة.
لم يشر القديس إلى الأريوسية أو الأريوسيين بالاسم، كما أشار إلى بعض الهرطقات والهراطقة، لكنه هاجم أفكار الأريوسيين بكل وضوح، نذكر على سبيل المثال العبارات التالية:
[عندما تسمع “ابن” لا تحسبه أنه مُتنبى، بل ابنًا بالطبيعة، الابن الوحيد، ليس له أخ. من أجل هذا دعي “الوحيد الجنس”، إذ ليس له أخ من جهة شرف اللاهوت ونسبته للآب. ونحن لا ندعوه “ابن الله” من عندياتنا، بل الآب دعي المسيح (دون غيره) ابنه وما يدعوه الآباء لأبنائهم هو اسم حق.] مقال 11: 2. [مرة أخرى أقول عند سماعك عن الابن لا تفهم هذا في معنى غير لائق بل هو ابن بالحق. أنه ابن بالطبيعة بلا بداية، لم يأتِ من حالة العبودية إلى التبنّي، أي انتقل إلى حالة أعظم، بل هو ابن أبدي مولود بنسب لا يُفحص ولا يدرك.وبنفس الطريقة عند سماعك “Прворођенче” لا تفكر في هذا الأمر بمستوى بشري، لأن البكر في البشر له إخوة آخرون.] مقال 11: 4.
ثالثاً: تعليم الموعوظين وطالبي العماد
ترفع الكنيسة أنظارها إلى عريسها ربنا يسوع لتراه علي الدوام باسطًا يديه ليضم إليه أحباءه كل بني البشر، تراه لا يكف عن مناداة الجميع ليلتقوا معه مهما كلفه الأمر.
هذا الموضوع هو سرور عريسها أن يجمع الكل في حضنه، “الأثمة والمتمرّدين، الفجار والخطاة، الدنسين والمستبيحين، قاتلي الآباء وقاتلي الأمهات، قاتلي الناس، الزناة…”[28]، بعدما يقدسهم ويطهرهم ويهيئهم للحياة السمائية الملائكية.
هكذا أيضًا تتقدم الكنيسة، كهنتها وشعبها، رجالها ونساؤها، شيوخها وأطفالها، المتزوجون والبتوليون والأرامل. الكل يتقدم بروح عريسهم القدوس ممارسين عملهم، مقدمين له ثمار دمه المسفوك على عود الصليب، نفوسًا عرفته وآمنت به.
لم تكن الكنيسة الأولى تعرف السلبية في العبادة، بل تتقدم كنورٍ حقيقيٍ أمام اليهود غير المؤمنين والوثنيين الأشرار، فتشهد لعريسها أمامهم بالحياة المقدسة والسلوك الطيب والقلب المنفتح للخطاة والفم المبارك للمضطهدين والصلاة الدائمة من أجل الكل والحديث عن الحق.
هكذا يقول القديس أغسطينوس[29]: [ما بين اضطهادات العالم وتعزيات الله تتقدم الكنيسة في سعيها إلى الأمام.]
وإنني أترك الحديث عن عمل الكنيسة الكرازي للعودة إليه في مجال آخر[30] مكتفيًا الآن بالقول أنها لا تألو جهدًا عن أن تشرق تلقائيًا بنور المسيح وسط الظلمة فتبددها؛ وتعلن الحق فيموت الباطل، وتشهد للرب لتكسبهم أبناء له، فمتى تقبل إنسان هذا التعليم أو اشتاق إليه يُدعى موعوظًا حتى لحظة عماده فيُسمى ابنًا.
ولما كانت مقالات الأنبا كيرلس الموجهة إلى طالبي العماد تُعتبر من أهم أعماله, لهذا رأيت ضرورة التحدث عن تعليم الموعوظين وطالبي العماد وعن طقوس العماد في الكنيسة الأولى[31].
أولاً: الموعوظون Catechumens
الموعوظ الحقيقي هو من يتقبل التعليم المسيحي لا لمجرد الدراسة العلمية أو الفلسفية أو بغرض آخر سوى التعرف علي الحق وتقبله. حقًا إن كثيرين دخلوا بين صفوف الموعوظين خلسة, منهم من دخل إلى المسيحية معجبًا بها كفلسفة أو من أجل البلاغة، كما أعجب أغسطينوس بعظات القديس أمبروسيوس أسقف ميلان، فكان يحضر لا ليعيش في شركة مع الرب بل لمجرد الدراسة الفلسفية. ومنهم من دخل بنيّة شريرة، أو حبًا للاستطلاع، أو بقصد إرضاء الغير، كأن يريد أحد الوثنيين الزواج بفتاة مسيحية أو تريد فتاة وثنية التزوج بمسيحي[32].
هؤلاء يلزم على الراعي أن يفرزهم، فلا يحرمهم من الحضور للوعظ لكن لا يقبلهم في المسيحية ما لم يكن من أجل المسيح المصلوب.
ليس هناك طريق آخر لقبولنا دخول أحد إلى المسيحية سوى قبوله الإيمان بالمسيح، وشوقه لحمل الصليب، والدخول من الباب الضيق للعبور إلى الأبدية. فالكنيسة لا تُسر بالعدد لأنها ليست حزبًا منافسًا، ولا تنخدع بالمظهر بل تطلب نفوسًا حيَّة مُحبة تود الاتحاد بالله والتمتع بالميراث الأبدي.
والموعوظون في الكنيسة كانوا ينقسمون إلى أربع درجات حسب درجة تجاوبهم مع التعاليم وغيرتهم وشوقهم للشركة مع الله.
أما عناصر الموعوظين فثلاث:
- موعوظون من أصل يهودي: تُقدم لهم دراسات في نبوات العهد القديم وتحقيقها في شخص ربنا يسوع، وتكميل المسيحية للناموس الموسوي.
- موعوظون من أصل وثني: تُقدم لهم دراسات تتناسب مع ثقافتهم ودراساتهم، فلا عجب إن رأينا معلمين تخصصوا في دراسة الفلسفات الوثنية ليجتذبوا الوثنيين إلى الحق.
- موعوظون هم أطفال المسيحيين المؤمنين.
وقد عُرف عماد الأطفال في الكنيسة الأولى[33] بصورة عامة، تحت مسئولية آبائهم أو أشابينهم وفي عهدتهم[34]، إذ تعرف الكنيسة قيمة نفوسهم، وتدرك أهمية عضويتهم في جسد الرب.
يقول العلامة أوريجينوس[35]: [تسلَّمت الكنيسة من الرسل تقليد عماد الأطفال أيضًا. فالأطفال يعمدون لمغفرة الخطايا ليُغسلوا من الوسخ الجدي بسرّ المعمودية.]
وقد زعم بيلاجيوس (360-430م) وأتباعه أن خطيئة آدم أصابته وحده دون أن تسري في أولاده. على هذا يُولد الرضيع بغير الخطية الأصلية، ولا يحتاج إلى عماد لأنه كآدم قبل السقوط.
انبرى له القديس أغسطينوس (354-430م) وغيره من الآباء يؤكدون من الكتاب المقدس كيف أنه حبل بنا بالآثام، وتثقّلت البشرية كلها بالخطية الجدِّية (رو 5: 12). وبهذا يحتاج الطفل كما الكبير إلى صليب ربنا يسوع والتمتع بعمل قيامته. كما أصدر مجمع قرطاجنة[36] (418-424م) قانونًا يوجب عماد الأطفال ليتطهروا من الخطية الجدية.
قد يعترض البعض قائلين: “لا يدرك الأطفال قيمة نعمة المعمودية، ولا يصونونها”، فيجيب القديس غريغوريوس النزينزي[37] بعد أن وبّخ الذين يحجمون عن التمتع بسرّ العماد بدعوى الحرص والحذر لئلا يسقطوا في الخطية بعد العماد، فيقول لهم: إن هذا الحذر في ذاته يحمل عدم حذر، بل هو خداع شيطاني، به تغلق النفس على ذاتها من أن تتمتع بعمل النعمة الإلهية، والتمتع ببركات المعمودية تحت ستار الخوف والحرص… وأخيرًا يوبّخ المُحجمين عن عماد أطفالهم قائلاً:
[هل لديك طفل؟ لا تسمح للخطية أن تجد لها فرصة فيه!ليتقدس في طفولته، وليتكرس بالروح منذ نعومة أظافره!
لا تخف على “الختم” بسبب ضعف الطبيعة!
أيتها الأم ضعيفة الروح وقليلة الإيمان! لماذا وعدت حنة أن يكون صموئيل للرب من قبل أن تلده (1 صم 1: 10)؟! وبعد ميلاده كرسته له في الحال… ولم تخف قط من الضعف البشري بل وثقت في الله…
سلّمي ابنك للثالوث، فإنه حارس عظيم ونبيل!]
هذا وقد فرضت الكنيسة تأديبًا على الوالدين إذا أجلا عماد طفلهما فمات دون عمادٍ، قانونه الصوم والصلاة والحرمان من شركة الأسرار المقدسة لمدة عام كامل[38].
ومن شدة شوقها واهتمامها بعضوية هؤلاء الأطفال فيها فرضت أيضًا عقوبات مختلفة على الوالدين اللذين يمتنعان عن عماد ابنهما بسب نذر العماد في مكان معين، أو على يد إنسان معين. ومات طفلهما، إذ حرَّمت الكنيسة النذر في أمر المعمودية مطلقًا!
ويرى بنجهام[39] أن أطفال المؤمنين إذ ينالون سرّ العماد في الطفولة ينضمون إلى صفوف الموعوظين حالما يستطيعون التعليم. غير أننا نجد في كتابات آباء الكنيسة الأولى، ومنهم القديس كيرلس الأورشليمي – كما سنرى – أن مهمة تعليم أطفال المؤمنين غالبًا ما توكل إلى الآب أو الأم أو شماس أو شماسة.
يقول القديس ديونيسيوس الأريوباغي[40]: [إن هذا الأمر افتكر فيه معلمونا الإلهيون ورأوه موافقًا أن يُقبل الأطفال على هذا الوجه الشريف، أعني أن يُسلم الوالدان الطبيعيّان ولدهما لمربٍ صالح، وأن يبقى الطفل فيما بعد تحت إدارته، كأنه تحت عناية أبٍ إلهيٍ وكفيلٍ لخلاصٍ مقدسٍ، فمتمم السرّ يرفعه وهو معترف إلى الحياة المقدسة، طالبًا جحد الشيطان والإقرار بالإيمان.]
ويقول القديس أغسطينوس: [إننا نؤمن ونصدق بتقوى وصواب أن إيمان الوالدين والأشابين يفيد الأطفال، وعلى هذا الإيمان يُعمدون.]
نعود مرة أخرى إلى الموعوظين لنقول إنهم غالبًا ما يبقون في رعاية الكنيسة لمدة سنتين أو ثلاث سنوات، ينتقلون من فئةٍ إلى أخرى، حتى تطمئن الكنيسة على حسن نيتهم وتمسكهم بالإيمان وقبولهم للصليب، وعندئذ ينتقلون إلى آخر درجة من الموعوظين وهي: “طالبو العماد”. هذا الانتقال يختلف من شخص إلى آخر حسب غيرته ودراسته الفردية الخاصة قبلما ينضم إلى صفوف الموعوظين أو أثناءها.
ثانيًا: معلمو الموعوظين
إننا نعلم أن الكنيسة كلها منذ نشأتها كانت منطلقة للكرازة، مدركة قول الرب: “من لا يجمع فهو يفرق”. فالكل يشعر بمسئوليته نحو الشهادة للرب، إن لم يكن بالكلام فبالقدوة الحسنة… يعمل أعمال المسيح الحي. وكما يقول العلامة أوريجينوس[41]: [إن كل تلميذ للمسيح هو صخرة، وفية تكتمل الكنيسة الجاري بناؤها بيد الله.]
ويحمل القديس كيرلس الأورشليمي مسؤولية تعليم الموعوظين الأطفال أو الكبار على الآباء والأشابين، إذ يقول[42]: [إن كان لك ابن حسب الجسد أنصحه بهذا، وإن كنت قد ولدت أحدًا خلال التعليم، فتعهده برعايتك.]
إذن كل مؤمن حقيقي يلتزم أن يكون له نصيب في تعليم موعوظ أو موعوظين، بصورة أو أخرى، فماذا نقول عن الكاهن الذي يدعوه Хризостом “أب كل البشرية”؟!
لقد سيم القديس Григорије Чудотворац[43] أسقفًا على قيصرية الجديدة، وكان بها سبعة عشر مسيحيًا فقط، وحين تنيح بسلام لم يكن بها سوى سبعة عشرة وثنيًا.
على أي الأحوال لم يكن يُحرم كاهن ما من خدمة الموعوظين المنظمة في الكنيسة، بل يقوم كل منهم بنصيبه فيها. أما المرحلة الأخيرة للتعليم، فغالبًا ما كان يقوم بها الأسقف نفسه، أو كاهن يثق فيه من جهة قدرته التعليمية بالنسبة لهم.
غير أن التاريخ سجل لنا عن أناس تخصّصوا في تعليم الموعوظين، نذكر منهم على سبيل المثال أن البابا ديمتريوس سلّم العلامة أوريجينوس مدرسة الإسكندرية التعليمية وهو بعد في الثامنة عشر من عمره[44]. وأيضًا كتب القديس أغسطينوس إلى الشماس ديوجرانيس بقرطاجنة الذي اتسم بمهارة عظيمة ونجاحٍ في تعليم الموعوظين.
ثالثًا: مادة الوعظ لهم
- تُقَّدم دراسات خاصة بالذين كانوا من أصل يهودي تختلف عمن هم من أصل وثني، فيقدم لكل فئة ما يتناسب مع ثقافاتهم ودراستهم السابقة وأفكارهم.
- تُقدم لهم دراسات تأملية لاهوتية مبسطة لأهم العقائد المسيحية، وقد رتبت هذه الدراسات بعد مجمع نيقية المسكوني في القرن الرابع، بصدور قانون الإيمان، الذي يُعتبر ملخصًا شاملاً، يقدم للموعوظين مع شرحه لكي يحفظوه ويفهموه.
ويظهر اهتمام الكنيسة بتسليم قانون الإيمان أن الأسقف بنفسه هو الذي يقوم بذلك إذ نجد الأسقف أمبروسيوس يكتب رسالة إلى أخته مرسيلينا قائلاً[45]: [في اليوم التالي إذ كان يوم الرب، بعد الدروس والعظة – لما خرج الموعوظون- سلمت لطالبي العماد قانون الإيمان في معمودية الباسليكي.]
ويقول الأنبا يوحنا خلف كيرلس الأورشليمي في رسالته إلى جيروم[46]: [إن العادة عندنا أن نسلم تعليم الثالوث القدوس بصورة عامة خلال الأربعين يومًا للذين سيتعمدون.]
كذلك يفتتح القديس أغسطينوس[47] مقاله عن “قانون الإيمان” لطالبي العماد قائلاً: [استلموا يا أولادي دستور الإيمان الذي يُدعى قانون الإيمان، وإذ تتقبلونه اكتبوه في قلوبكم وردِّدوه يوميًا قبل النوم وقبل الخروج، سلِّحوا أنفسكم بقانون إيمانكم. قانون لا يكتبه الإنسان لكي يقرأه، بل كي يردده، حتى لا ينسى ما تسلمه بعناية. سجلوه في ذاكرتم…]
- بعد قانون الإيمان يقومون بشرح الصلاة الربانية، وكما يقول القديس أغسطينوس[48]: [بعدما نعرف من نؤمن به نصلي إليه. إذ كيف نصلي لمن لا نعرفه ولا نؤمن به؟!]
- في الفترة الأخيرة يقوم المعلمون بتحفيظهم بعض التلاوات، أي صلوات قصيرة.
- وفي الأيام القليلة قبل العماد أو بعده مباشرة تقدم لهم مائدة دسمة عن شرح ترتيب العماد ومفاهيمه، وسرّ المسحة وفاعليتها، وسرَ التناول وبركاته… الأمور التي لا تجيز الكنيسة الحديث عنها مع المبتدئين.
وأخيرًا يمكننا تقسيم جميع التعاليم السابقة إلى قسمين رئيسيين هما:
- دراسات بسيطة تقدم المبادئ الأولية للإيمان المسيحي.
- دراسات أعمق تقدم شرحًا لأسرار الكنيسة.
يظهر هذا التقسيم بوضوح في مقالات القديس كيرلس، كما تظهر أيضًا في “تعاليم الاثنى عشر رسولاً”[49]، التي ذكرها البابا أثناسيوس الرسولي[50] أنها ليست من الكتب المقدسة لكن الآباء أشادوا بقراءتها للداخلين إلى الإيمان حديثًا.
هذه التعاليم موجهة على وجه الخصوص إلى الذين هم من أصل وثني حتى دعيت “تعاليم الرب للأمميين خلال الاثني عشر”، وهي تنقسم إلى قسمين:
- الفصول الست الأولى: تحمل تعاليم أولية للأمميين.
- بقية الفصول تشرح ترتيب العماد الصلاة والصوم وخدمة يوم الرب وتقديس سرّ الإفخارستيا…
هذا وإننا نختتم حديثنا عن تعليم الموعوظين بالقول: خصصت الكنيسة الجزء الأول من القداس الإلهي للموعوظين، يحمل قراءات ووعظ يحضرها المؤمنون والموعوظون ليتعرفوا عل الحق. ولكن قبل البدء في قداس المؤمنين يصرخ الشماس[51]مناديًا بخروج الموعوظين، وتغلق الأبواب، ويقوم الشمامسة بحراستها حتى ينتهي القداس الإلهي!
رابعاً: طقوس معمودية الموعوظين – عيد القيامة وليتورجية المعمودية
ارتبط عيد القيامة في الكنيسة الأولى بطقس العماد. أما الآن ففي كنيستنا القبطية الأرثوذكسية خُصص يوم الأحد السابق لأحد الشعانين للعماد، ويدعى “أحد التناصير”.
سرّ ارتباط القيامة بالعماد هو أن عيد قيامة الرب محور حياة الكنيسة ومركزها. قيامة الرب هي الصخرة التي تتكئ عليها الكنيسة لتعيش مطمئنة وسط دوامة هذا العالم، لا تخاف أمواجه أو عواصفه أو شروره، تحيا على رجاء القيامة، مرتبطة بعريسها الذي لا يموت، متبررة، متقدسة به.
هذا الرجاء وذلك التبرير والتقديس لا يمكن أن نتمتع به إلاّ خلال المعمودية، التي فيها نُدفن مع الرب ونقوم، كقول الرسول: “أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع اعتمدنا لموته، فدٌفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أُقيم المسيح بمجد الآب هكذا نسلك أيضًا في جدة الحياة” (رو 6: 2-6).
خلال المعمودية نجتاز مع ربنا يسوع آلامه وموته ودفنه، ونختبر عمل قيامته وأمجادها وقوتها في أعماق حياتنا الداخلية. “عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية، كي لا نعود نستعبد للخطية” (رو 6: 6).
من أجل هذا رتبت الكنيسة منذ القرون الأولى أن تقوم بعماد عدد كبير من الموعوظين ليلة عيد الفصح أو عيد القيامة، حتى يرفع المعمَّدون أنظارهم إلى قيامة الرب على الدوام ويعيشون بقوتها. وفي نفس الوقت ترفع أنظار المؤمنين في ليلة عيد القيامة ليذكروا عمادهم، فيعيشوا كأبناء الله مولودين منه بالروح للتمتع بقيامة الرب في حياتهم.
في عيد القيامة تختلط الأفراح وتمتزج المشاعر، إذ تقوم الكنيسة كلها مرتجة متهلِّلة بالمعمَّدين حديثًا بصورة علنية، تبعث في كل إنسانٍ ذكريات عماده، ليعيش سالكًا بما يليق به كإنسانٍ معمد، وفي نفس الوقت تهتز مشاعرهم لأجل هذه الثمار التي هي عمل الرب القائم من الأموات في الكنيسة خلال أعضائها الكهنة والشعب، السادة والعبيد، الشيوخ والأطفال… إنها ثمرة مبهجة، تفرح الرب القائم من الأموات، والنفوس القائمة به!
ويمكننا تلخيص مراسيم العماد في كلمات قليلة:
أولاً: تقديمهم للعماد
مع بداية صوم الأربعين المقدسة يختار الموعوظون الذين تطمئن الكنيسة لتقبلهم سرّ العماد، وتتعهدهم خلال الأربعين المقدسة بدراسات خاصة كما سبق أن رأينا. غير أنه لا يقف الإعداد لقبولهم في عضوية الكنيسة عند مجرد الاستماع إلى التعاليم أو حفظ التلاوات، بل كما يقول العلامة ترتليان[52]: [يجدر بالآتين إلى المعمودية أن ينشغلوا على الدوام بالصلوات والأصوام والمطانيات والأسهار، كل هذا مع الاعتراف بالخطايا السابقة.]
هكذا لا يليق تسليمهم عطية العماد بهدفٍ آخر سوى خلاص نفوسهم، أي تبرئتها من خطاياها وتمتعها بالشركة مع الرب. وهذا لن يكون بالنسبة للكبار بغير التوبة الصادقة والاعتراف بالخطايا والضعفات، مع المثابرة في الصلوات والأصوم والمطانيات والأسهار.
لهذا يخصص Свети Кирило مقالاً كاملاً عن “التوبة عن الأخطاء السابقة” وأخرى عن “فاعلية التوبة في غفران الخطية”[53].
ويحدث Свети Јован Златоусти طالبي العماد قائلاً[54]:
[لذلك يسبق هذا أن نتوب ونرفض أعمالنا السابقة الشريرة، وهكذا نتقدم للنعمة.اسمع ما يقوله يوحنا، وما يقوله الرسول لمن اقتربوا للعماد. الواحد يقول: “فاصنعوا ثمارًا تليق بالتوبة. ولا تبتدئوا تقولون في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا” (لو 3: 8). والآخر يجيب سائليه: “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح” (أع 2: 38).
ليته لا يرجع أحد فيمس ما قد تاب عنه! على هذا الأساس أمرنا أن نقول: “أجحدك أيها الشيطان”، كي لا نرتد إليه مرة أخرى.]
ثانيًا: فرز طالبي العماد
في يوم أحد الشعانين[55] يُفرز طالبو العماد، وقد وصف العلامة أوريجينوس[56] دقة الفحص الذي يليق بالكنيسة أن تقوم به من جهة الموعوظين، سواء قبلوا الإيمان بطريقة أو أخرى، حتى لا يُعمد إنسان دون التأكد من صدق نيته.
ويشبِّههم Свети Кирило بالمنضمِّين إلى صفوف الجندية[57]، إذ يلزم الاهتمام بفحصهم قبل دخول المعركة، فكأعضاء في جيش المسيح الخلاصي، يحاربون الشيطان.
بعد الفرز من وُجد مستحقًا يحضر قدام الأسقف أو الكاهن وعندئذ:
- يتلو طالب العماد قانون الإيمان علنًا.
- يتقبل علامة الصليب من الأسقف.
- يصلي الأسقف عليه.
- يضع الأسقف عليه الأيدي.
ويعتبر القديس أغسطينوس أن تقبلهم علامة الصليب أشبه بالحبل بهم في أحشاء الكنيسة، إذ يقول لهم[58]: [إنكم لم تولدوا بعد بالعماد المقدس، لكنكم بعلامة الصليب قد حُملتم في أحشاء أُمُّكم الكنيسة.]
كما يقول لهم[59]: [إنهم تباركوا بعلامة الصليب، والصلوات ووضع الأيدي، وأنهم وإن كانوا لم يتمتعوا بعد بجسد المسيح، إلاّ أنهم ينالون شيئًا مقدسًا.]
ولعلَّه يقصد بالشيء المقدس الخبز المقدس (القربان) الذي يأكلونه. وإن كان بنجهام يرى أنه ملح مقدس، يستخدم كرمزٍ إلى أن المؤمنين ملح الأرض. وقد اعتمد في ذلك على ما ورد في اعترافات أغسطينوس أنه أكل ملحًا.
ومن عادة الكنيسة الأفريقية في أيام أغسطينوس أن يُدهن طالبو العماد بزيت مصلى عليه قبل عمادهم[60]. ولا تزال هذه العادة قائمة إلى يومنا هذا في كنيستنا حيث يدهن الكاهن الموعوظ وهو يقول: “أدهنك يا فلان باسم الآب والابن والروح القدس. زيت عظة لفلان في الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية”.
ثالثًا: حمل المشاعل ولبس الثياب البيضاء
يبقى طالبو العماد طول أسبوع الآلام بغير وعظٍ اللهم إلا الاشتراك مع المؤمنين في التأمل حول آلام الرب يسوع وموته. هكذا يتوقف كل عمل للكنيسة في هذا الأسبوع عند شغل كل الأذهان بالرب المتألم من أجل البشرية!
هكذا يصير أسبوع الآلام فرصة ثمينة لطالبي العماد أن يتفرغوا عن كل عملٍ، حتى الاستماع للتعاليم، لكي تنطلق نفوسهم مشتاقة للتمتع مع المسيح في آلامه، وتزداد غيرتهم لحمل الصليب معه.
وفي ليلة عيد القيامة التي يسميها светац أغسطينوس[61] أم جميع الأمسيات، يسهر طالبو العماد طول الليل حاملين مشاعل أو شموع أو مصابيح في أيديهم، لابسين الثياب البيض، لينالوا أسرار العماد والميرون والإفخارستيا.
يا لها من ليلة سماوية، تمتلئ الكنيسة بالفرح، وتمتزج تسابيح القيامة مع تسابيح البهجة بقبول النفوس الساقطة وإقامتها لتحيا كعروس مقدسة للرب السماوي!
لقد حق للقديس كيرلس الأورشليمي أن يدعو المعمودية “حجال العريس الداخلي”. ففي هذه الليلة يرتدي المعمَّدون ثياب العرس البيضاء، رمزًا لتطهير الرب إيَّانا، وقبوله لنا في السماء الطاهرة، التي كل من يسكنها يلبس ثيابًا بيضاء.
يشير الثوب الأبيض إلى انعكاسات اشراقات المجد الإلهي على الإنسان، إذ في تجلِّي السيد المسيح “صارت ثيابه بيضاء كالنور” (مت 17: 2). هذا اللون كما يقول القديس إكليمنضس السكندري[62]: [لون الحق الطبيعي، إذ يلبسون الحق ويكون مجدهم.]
وتحمل الثياب البيض علامة الطهارة والنقاوة، كما تحمل سمة الغلبة[63].
أما المشاعل أو الشموع التي يحملها المعمَّدون الجدد، فبسب كثرتها يختفي الليل وظلامه، ولا يميِّز من بداخل الكنيسة الليل من النهار، بل تكون أشبه بسماءٍ منيرةٍ!
ويصف القديس غريغوريوس النيسي هذا المنظر البديع فيقول[64]: [في هذا الليل اللامع يختلط لهب المشاعل بأشعة شمس الصباح، فتخلق نهارًا مستمرًا واحدًا بغير انقسام، لا يفصله وجود ظلام.]
وتشير المشاعل إلى:
- يقول Свети Кирило إنها تشير إلى نور الإيمان الذي يضيء العقل.
- نور المعرفة الإلهية، هذه المعرفة التي يقول عنها القديس مرقس الناسك[65]: [إنها تحفظ النفس في يقظة العقل، وتشددها حتى تبدد ظلام الجهل الخبيث. هذه المعرفة المنيرة لن تتحقق عمليًا في حياتنا إلاّ بالمعمودية.]
حقًا كما يقول القديس إكليمنضس السكندري[66]: [إن التعليم ينير النفس، إذ يكشف لها الأمور الخفيّة.]
وكما يقول القديس الأورشليمي[67] لطالبي العماد: [لقد سبق أن استنارت نفوسكم بكلمة التعليم، فإن كل واحدٍ منكم يكتشف شخصيًا عظمة العطايا التي يمتحنكم إيّاها الله.]
إذن يمكننا أن نقول إن الاستنارة تبدأ بالتدريج بتقبل الإنسان التعليم السليم، بكونه إعدادًا ضروريًا ونيّة عملية للعماد، ولكن لا تتحقق الاستنارة إلاّ في سرّ العماد، ويبقى الروح المنير فينا يضيء لنا مادمنا نقبل استنارته، ولا نطفئ فاعليته في حياتنا.
فطالبو العماد يُحسبون مستنيرين مجازًا من قبل نيتهم الصادقة لقبول “الاستنارة”، إذ ينتقل الإنسان من مملكة الظلمة – مملكة إبليس – إلى مملكة النور الحقيقي.
لهذا متى ذكر في كتابات الآباء كلمة “الاستنارة” ندرك في الحال أنه يتحدث عن المعمودية.
يقول القديس غريغوريوس النزينزي[68]: [الاستنارة وهي المعمودية… هي معينة الضعفاء… مساهمة النور… انتفاض الظلمة. الاستنارة مركب يسير تجاه الله، مسايرة المسيح، أُس الدين، تمام العقل! الاستنارة مفتاح الملكوت، استعادة الحياة!… نحن ندعوها هدية، وموهبة، ومعمودية، واستنارة، ولباس الخلود، وعدم الفساد، وحميم الميلاد الثاني، وخاتمًا، وكل ما هو كريم…]
ويقول الشهيد يوستينوس[69]: [هذا الاغتسال يُدعى استنارة، لأن الذين يتعلمون هذه الأمور يستنيرون في فهمهم.]
ويقول القديس إكليمنضس الإسكندري[70]: [إذ نعتمد نستنير، وإذ نستنير نتبنى، وإذ نتبنى نكمل… ويدعى هذا الفعل بأسماء كثيرة أعني: نعمة واستنارة، وكمالاً، وحميمًا… فهو استنارة، إذ به نرى النور القدوس الخلاصي، أعني أننا به نشخص إلى الله بوضوح.]
- إشارة إلى مصابيح موكب العرس الأبدي حيث تُزف النفس البشرية عروسًا للمسيح. فخلال المعمودية ننال التبنّي، إذ نتحد به… هذا الاتحاد السري المقدس بين النفس والله يدعى عُرسًا.
لذلك يحمل المعمَّدون حديثًا مصابيح عرسهم، وذلك كما جاء عن العرس الأبدي، حيث يتم في أكمل صورة. إذ يقول الرب: يشبه ملكوت السماوات عشر عذارى، خمس منهن حكيمات حاملات مصابيح متقدة، مستعدات للدخول مع الخدر السماوي.
هكذا يقول القديس غريغوريوس النزينزي[71]عن هذه المصابيح: [إنها تحمل معنى سري عن عملية الإنارة، حيث تدخل النفوس اللامعة البتول لتقابل العريس بمصابيح الإيمان المتلألئة نورًا.]
رابعًا : جحد الشيطان
عند جرن المعمودية يقف الموعوظ ووجهه إلى الغرب، أو تقف الأم أو الأب أو الإشبين حاملاً على ذراعه الأيسر الطفل، ويعلن جحده لإبليس، ورفضه مملكة الظلمة بجسارة علانية[72].
قبل أن نُدفن مع المسيح يسوع، النور الحقيقي، يلزمنا أن نعلن جهارًا وبصراحة رفضنا للشيطان وكراهيتنا لأعماله، أي رغبتنا في التحرر من عبوديته.
هذا الرفض، كما يقول العلامة ترتليان[73]: [يتم أولاً في الكنيسة تحت يد الأسقف، ومرة أخرى قبيل الدخول في الماء مباشرة.]
أما مصدر هذا الطقس، فكما يقول القديس باسيليوس الكبير هو التقليد، إذ يقول[74]:
[إننا نبارك ماء المعمودية وزيت المسحة كما نبارك المعمد نفسه أيضًا.أي وصايا مكتوبة علمتنا أن نفعل هذا؟! أليس من التقليد السري المقدس؟!
وأيضًا الدهن بالزيت، أي كلمة في الإنجيل علمت به؟!
وأين ورد تغطيس الإنسان ثلاث مرات؟
أي كتاب جاء بكل الأمور اللازمة للعماد وجحد الشيطان وملائكته؟! ألم يأتِ إلينا من التعليم السري الذي حافظ عليه آباؤنا في صمت دون أن (يُكتب) كتعليم عام…
إذن لا تبحثوا الأمر بتطفلٍ… لأنه كيف يحق تعميم تعليم الأسرار كتابة، هذه التي لا يُسمح لغير المعمَّدين حتى أن يطلعوا عليها؟!]
خامسًا: الاعتراف بالإيمان
يقول Свети Кирило[75]: [إن طالب العماد يحوِّل وجهه من الغرب إلى الشرق مكان النور، معلنًا رفضه مملكة الظلمة وقبوله الانتساب لمملكة النور.
هذا الاعتراف العلني يتم في بعض الكنائس يوم الخميس المبارك حسب قانون 46 لمجمع لادوكية[76]. إلاّ أن قوانين الرسل تطالب بأن يكون ذلك قبل العماد مباشرة. وهذا ما يحدث في كنيستنا إلى يومنا هذا، حيث يوجه الموعوظ وجهه ناحية الشرق، أو يقوم الإشبين بذلك، حاملاً الطفل على يده اليمنى، معلنًا اعترافه بالثالوث القدوس والكنيسة الواحدة.
يقول Свети Јован Златоусти[77]: [إن كان المعمَّدون أطفالاً أو صُمّـًا لا يستطيعون استماع التعليم، يجاوب أشابينهم عنهم. وهكذا يُعمَّدون حسب العادة.]
وما يعلنه الموعوظ أو الإشبين من جحد الشيطان والاعتراف بالإيمان هما من ضمن برنامج التلوات Exorcism التي يقوم المعلِّمون بتحفيظها لطالبي العماد، كصلواتٍ قصيرةٍ فعّالة، يستخدمها الإنسان كل أيام غربته في محاربته للأفكار والشهوات الخ. وقد تحدّث Свети Кирило عن أهميتها[78]. كما تحدث عنها Хризостом[79] قائلاً: [بعدما تسمعون تعليمنا تخلعون صنادلكم ويعرونكم وتسيرون عراة حفاة الأقدام، مرتدين فقط التنك[80] الذي لكم Your tunic لكي تنطلقوا بالتلوات.]
سادسًا: المسح الأول بالزيت
يبدو أن كل الخطوات السابقة كانت تمارس في البهو الخارجي للمعمودية، بعدها يعبر طالب العماد الذي مارس الاعتراف وجحد الشيطان وقبل الشركة مع المسيح، يسير حافي القدمين عاريًا من كل الملابس ماعدا التنك إشارة إلى خلع الإنسان العتيق وأعماله كقول Свети Кирило[81]: [كما يرى أيضًا أن فيه إقتداء بالسيد المسيح الذي عُلق على الصليب عاريًا. وبعريه هذا نتذكر آدم الذي كان في الفردوس عاريًا ولم يخجل. ثم يدهن الشخص بزيت مُصلى عليه من شعر رأسه إلى قدميه[82].]
هذا ولم يذكر العلامة ترتليان شيئًا عن هذه المسحة، لكن ذكرها الشهيد يوستينوس[83].
سابعًا: العماد
بعد مسح الشخص بالزيت يُقاد الشخص إلى بركة المعمودية المقدسة المملوءة ماء[84].
وإننا نلاحظ أن جميع المعموديات القديمة معموديات ضخمة. وكثيرًا ما يكون لها سُلَّمين، ينزل على أحدهما الموعوظون، والثاني يقف عليه الكاهن الذي يتمم مراسيم العماد. وضخامة حجم المعموديات جعلت البعض يرى أن الكنيسة الأولى كانت تعمد جماعات معًا في نفس الوقت.
أما عن قداس المعمودية الذي به يتقدس الماء، فإنني أرجو أن يهيئ الله لي مجالاً آخر لشرحه.
لكن في داخل المياه المصلى عليها، المقدسة، يقول Свети Кирило: [إن طالبي العماد يعلنون ما يسمى “بالاعتراف المخلص The Saving Confession” وهو يحمل اعترافًا مختصرًا جدًا للإيمان المسيحي المستقيم. يُسأل المعمد ثلاث أسئلة: أتؤمن بالآب؟ أتؤمن بالابن؟ أتؤمن بالروح القدس؟ وفي كل مرة يجيب بالإيجاب.]
ويذكر القديس كيرلس السكندري[85]، أن الكاهن يسأله ثلاث مرات عن الإيمان بالسيد المسيح. أما العلامة ترتليان[86] فيقول إن الأسئلة لا تخص إيمانه بالثالوث القدوس فحسب بل والكنيسة أيضًا.
ثامنًا: الغطسات الثلاث
يقول المرحوم حبيب جرجس في كتابه: “أسرار الكنيسة السبعة”، إنه طبقًا للتسليم الرسولي تمارس الكنيسة سرّ المعمودية بتغطيس المعتمد ثلاث مرات في الماء باسم الثالوث القدوس: الآب والابن، والروح القدس.
ويرى القديس كيرلس الأورشليمي[87] أن هذه الغطسات الثلاث لا تحمل فقط إشارة إلى الثالوث القدوس، بل وأيضًا هي دفن مع المسيح الذي بقي مدفونًا ثلاثة أيام.
ويقول القديس باسيليوس[88] [بثلاث غطسات ودُعاء مساوٍ لها في العدد يتم سرّ المعمودية العظيم، لكي يتصور رسم الموت، وتستنير نفوس المعمَّدين بتسليم معرفة الله .]
بعد الخروج من الماء لم يذكر Свети Кирило عما ذكره بنجهام[89] من ممارسة المعمَّدين الجدد قبلة السلام وأكلهم خليطًا من اللبن والعسل.
لقد ذكر ترتليان[90] عادة أكل اللبن المخلوط بالعسل. ولعل أكلهم اللبن يحمل رمزًا للبن النقي غير الفاسد الذي تقدمه الكنيسة لأولادها خلال إيمانها وطقوسها وعباداتها غذاء لنفوسهم. والعسل يشير إلى وصايا المسيح العذبة في فم أولاده، أحلى من العسل وقطر الشهد.
تاسعًا: المسحة أو التثبيت
ذكر Свети Кирило[91] مقالاً كاملاً بخصوص “المسحة بزيت الميرون” بعد العماد يتم كعمل سري مقدس Sacremental 0 هذا الطقس قديم جدًا في الكنيسة، ويظهر ذلك من أقوال الآباء.
فيقول الأب ثاوفيلس الأنطاكي[92] من رجال القرن الثاني (115-181م)، “إننا ندعى مسيحيين لأننا نُدهن بمسحة الله”.
وأيضًا العلامة ترتليان[93] بعد حديثه عن العماد يقول: [بعد الخروج من الجُرن نُدهن في الحال بمسحة مكرسة.] ويقول: [بعد هذا تُوضع اليد علينا في منح البركة والابتهال، مستدعين الروح القدس.]
كما يقول[94]: [غُسل الجسد لكي تتطهر النفس!
دُهن الجسد لكي تتقدس النفس!
رشم الجسد (بالصليب) لكي تُحفظ النفس!
وُضع اليد عليه لكي تستنير النفس بالروح!]
يقول الشهيد كبريانوس[95]: [ينبغي على من اعتمد أن يُمسح أيضًا، لكي يصير بواسطة المسحة ممسوحًا، ويأخذ نعمة المسيح.]
أما عن عمل هذا السرّ في حياتنا وفاعليته فينا، فقد سبق لي شرحه، وقد سبق أن عرضت لبعض أقوال الآباء فيه[96].
وإنما أكتفي هنا بالقول أن هذا الرشم يتم على جميع أعضاء الجسد لكي تصير كل الأعضاء والحواس، وكل طاقات النفس قدس للرب.
بالميرون انتقلنا من ملكيتنا لذواتنا لنصير بكليتنا ملكًا للرب.
وقد شرح Свети Кирило المعنى الرمزي لكل رشم كما سنرى في مقالاته عن الأسرار إن شاء الرب وعشنا.
حقًا لقد اختلفت الكنائس في أماكن الرشم، لكن الجميع اتفق على ضرورتها، خاصة رشم جبهة المعمد بعلامة الصليب. ويسميها Свети Кирило بـ “العلامة الملوكية”، “السمة الملوكية التي تحملها جبهة جنود المسيح”، “ختم التبعية للروح القدس”[97].
عاشرًا: منظر روحي سماوي
بعد إتمام سرَّي العماد والميرون يلبس المعمَّدون الجدد ثيابًا بيضاء، ويحملون المشاعل. في هذه اللحظات تدوي في الكنيسة تسابيح الفرح والتهليل. وكما يقول Свети Кирило[98]: [إن السماء ذاتها تتهلل والملائكة السمائيون يرددون “طوبى للذي غفر إثمه وسترت خطيته”.]
وفي طقس الكنيسة إلى اليوم ينشد الشمامسة قائلين للمعمد: “أكسيوس، أكسيوس، أكسيوس”، أي مستحق، مستحق، مستحق. بدم المسيح صار له هذا الاستحقاق أن يدعى ابن لله.
في طقس الكنيسة إلى الآن توجد تسابيح شكر لله من أجل نعمه على بني البشر، كما يلبس المعمَّدون أكاليل، هي رمز لحياة النصرة التي بدأت منذ لحظة العماد، لكنها لا تكمل إلاّ خلال الجهاد ضد إبليس وشروره حتى النفس الأخير، حيث تنطلق النفس إلى الفردوس منتظرة إكليل مجد أبدي في كماله.
ثم يدخل الكل بين صفوف المؤمنين فتمتلئ الكنيسة، ويشترك الكل معًا في التناول من الأسرار المقدسة.
يا لها من فرحة الشعب كله!
يرون كنيسة الله التي لا تشيخ، بل ككرمةٍٍ مخصبةٍ دائمة الإثمار.
يرونهم لابسين الثياب البيضاء، فيذكر كل منهم ثوبه المقدس الذي تسلّمه يومًا عند عماده، عربونًا للثوب السماوي!
وإذ يتطلعون إلى الشموع، ترتفع أنظارهم إلى النور الحقيقي، ذاكرين أنهم أبناء نور، لا تليق بهم أعمال الظلمة.
يسمعون تسابيح الفرح، فتهتز أصوات الكل: ملائكة السماء، أبناء الفردوس المؤمنون، المعمَّدون حديثًا… بفرح وتسبيح وشكر لله محب البشر!
حادي عشر: أسبوع الثياب البيضاء
بعد التناول يبقى المعمَّدون الجدد أسبوعًا كاملاً في الكنيسة لا يخلعون فيه ثيابهم البيضاء، أسبوع الفرح بميلادهم الجديد.
وأخيرًا نختتم قولنا بما ذكرته الراهبة اثيريه الأسبانية[99] التي جاءت إلى القدس في القرن الرابع [عندما تأتي أيام الفصح ولمدة ثمانية أيام يتوجه المعمَّدون مرتّلين الأناشيد إلى كنيسة القيامة، وبعد الانتهاء من الطقوس التي بعدها يخرج غير المعمَّدين تُقام صلاة خاصة ويبارك الأسقف المؤمنين ثم يقف وراء الحاجز الذي يقوم أمام مغارة القيامة ويشرح وهو مستند على هذه المغارة كل ما يُعمل في العماد.
وفي هذه اللحظة لا يجوز للموعوظين أن يدخلوا كنيسة القيامة، وللمعمدين حديثًا والمؤمنين فقط الذين يريدون سماع العظات عن الأسرار أن يدخلوا وحدهم.
فتغلق الأبواب لكي لا يدخل أحد الموعوظين، بينما الأسقف يشرح كل هذه المسائل، يهتف السامعون له بأصوات قوية بحيث تُسمع في خارج الكنيسة، لأنه يشرح لهم هكذا شرحًا واضحًا وقويًا، حتى أنه لا يستطيع أحد أن يحبس شعوره أمام ما يسمعه!]
الحواشي
[1] أريوس هو تلميذ ملاتيوس أسقف أسيوط، أنكر الإيمان وسجد للأوثان فحرمه البابا بطرس خاتم الشهداء.
جاء أريوس إلى البابا نادمًا، مظهرًا كل انسحاق قلب حتى رسمه فيما بعد شماسًا فقسًا. لكنه أنكر لاهوت المسيح فحرمه البابا، وقبيل استشهاده حاول أن ينال حلاً منه لكن البابا رأى رؤيا تمنعه من ذلك فاستشهد البابا وهو غاضب عليه.
بعد استشهاد البابا بطرس أظهر ندمًا أمام خلفه البابا أرشلاوس، فقبله كاهنًا علي إحدى كنائس الإسكندرية، وبعد انتقال البابا رشح نفسه للبطريركية، فرفضه الشعب وأقاموا البابا الكسندروس.
بدأ أريوس ببث سمومه، فانعقد مجمع مسكوني من 318 أسقفًا سنة 325م حرمه هو وأتباعه، وقد تلألأت غيرة أثناسيوس في هذا المجمع حتى أعجب الكل منه، وصار بطريركًا بعد الكسندروس.
حاول أريوس استمالته فلم يقبله. التجأ إلى الإمبراطور ليتوسط له لدى بطريرك القسطنطينية ليقبله في الخدمة كاتبًا بخط يده أنه يؤمن بلاهوت المسيح.
لم يستطع البطريرك أن يرفضه بعدما اعترف بالإيمان المستقيم كتابة، فطلب مهلة لمدة أسبوع صلى فيها مع كهنته وشعبه لكي ينقذ الله كنيسته من خداعات أريوس. وفي يوم الأحد دخل أريوس وأتباعه إلى الكنيسة بعدما أشاعوا الخبر في كل القسطنطينية. دخل البطريرك حزينًا، لكن أريوس شعر بمغصٍ حادٍ، فدخل إلى المرحاض، وهناك اندلقت أحشاؤه وصار في خزيٍ عظيمٍ.
[2] السنكسار اليوناني.
[3] مقال 7.
[4] ذكره القديس جيروم في كتابه: “حياة مشاهير الرجال، فصل 98” أنه كان فاقدًا أحد عينيه، كتب 17 مجلدًا عن الجامعة Ecclesiastes، 6 مجلدات في الإجابة عن أسئلة متنوعة، وله عدة مقالات في مواضيع مختلفة.
[5] Cf. N. & P. N. Fathers Series 2. vo1 7.
[6] القديس كيرلس الأورشليمي، موريس فيرسل، ترجمة القمص سمعان.
[7] ذكر سوزومين في كتابه “التاريخ الكنسي” 2 : 25 أنه في مجمع صور Tyre المنعقد سنة 335 كان الأنبا مكسيموس حاضرًا فيه خلفًا للأنبا مكاريوس الأورشليمي.
[8] اشتهر بغيرته الدينية لذلك أُرسل للعمل في المناجم في أيام اضطهادات الإمبراطور مكسيميانوس، وقد فقد عينيه اليمنى وبُترت ذراعه اليمنى (راجع ثيؤدورت: التاريخ الكنسي 2 : 22).
[9] Socrates: Ecclesiastical History 38.
[10] Sozomen: Ecclesiastical History.
[11] الحب الأخوي طبعه 1964 ص 171، 173.
[12] “الهومائيون” نسبة إلى كلمة “هوميوس” اليونانية، ومعناها “شبيه”، إذ هم يقولون إن الابن شبيه بالآب.
[13] Theodoret: Eccles. Hist 2 : 22.
[14] Ibid 2: 23.
[15] أسطاسيوس أسقف سبسطية في أرمينيا:
اتسم هذا الأب بحياة مقدسة كانت موضع إعجاب وتقدير حتى أعدائه.وقد ألتقي به القديس باسيليوس الكبير، وقامت بينهما صداقة عريقة. ومدحه جدًا بسبب اهتمامه بحياته وتدابير سلوكه (رسائل باسيليوس، 244). لكن للأسف لم يكن مستقرًا على مبدأ، يتأرجح من تعليم إلى آخر، ويتقبل مبادئ متضاربة. تقبل هرطقات كثيرة منها ما ذكره عنه المؤرخ سقراط (في 43) وهي:
أ. تحريم الزواج، فقد أثار كثيرين على ترك زوجاتهم، ومنع الصلاة في بيوت المتزوجين، ونادى بمقت الكاهن الذي يبقى مع زوجته الشرعية التي تزوجها وهو علماني. وبسبب هذا انعقد مجمع جنجرا في Paplogania جاء فيه أن من يمتنع عن الشركة في الخدمة بسبب اشتراك كاهن متزوج فيها يكون محرومًا (480).
ب. الامتناع عن اللحوم ليس نسكًا بل كشيءٍ دنس.
ج. تشجيع بعض غير الراغبين في الاجتماع بالكنيسة أن يجتمعوا في المنازل.
د. تحت دفاع الشفقة حرض بعض الخدام على سادتهم.
و. سمح بالاستهانة بالأصوام المفروضة، وأباح الصوم الانقطاعي أيام الآحاد.
[16] باسيليوس من أنقرا: على درجة كبيرة من الأخلاق والعلم والذكاء. مقاوم للهومائية والأريوسية والأنومانية Anomoean.
[17] جورج من لادوكية: خليع، على درجة منحطة للغاية في الأخلاق، أريوسي المذهب. جرده البابا الكسندروس من الكهنوت، ولقبه البابا أثناسيوس “أشر كل الأريوسيين” كان ينتهره حتى أتباعه بسبب بشاعة شره، يبغضه أكاسيوس وأودكسيوس ليس غيرة على الحق، بل لدوافع شخصية.
[18] Sozomen: E. H. 5: 5.
[19] Socrates: E. H. 3: 10; Rufinius 1: 37.
[20] Theodoret: E. H.
[21] أبوليناريوس المبتدع: درس الفلسفة الأفلاطونية، وسيم أسقفًا على اللاذقية بالشام، وقد دفعته فلسفته إلى الاعتقاد بوجود نفسين في الإنسان نفس حيوانية وأخري عاقلة.
وأن لاهوت المسيح قام مقام الروح الإنسانية، وأن الآلام وقعت عليها أي علي اللاهوت.
وأنه يوجد تمييز بين الثالوث: الروح القدس عظيم، والابن أعظم، والأب الأعظم.
وقد عقد البابا أثناسيوس مجمعًا محليًا سنه 362م بالإسكندرية رد فيه على بدعته مظهرًا بطلانها.
هذا وقد قام المبتدع ببث كل سمومه في كتاب احتفظ به لدى إحدى النساء في أنطاكية، فقام القديس أفرام السرياني باستعارته ثم رده بعدما لصق كل أوراقه ببعضها البعض، ولما حاول المبتدع استخدامه للجدال ووجده هكذا لم يستطع أن يجادل فتأثر جدًا ومات مغتاظًا.
[22] Цариградски сабор: انعقد في عهد الإمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير، وقد حضره 150 أسقفًا من بينهم البابا تيموثاوس السكندري، وميلاتيوس أسقف أنطاكية، وغريغوريوس النزينزي… قام للرد علي مكدونيوس الأريوسي المذهب الذي أنكر لاهوت الروح القدس، وأوسابيوس مجدد بدعة سابيليوس منكر وجود الثلاثة أقانيم، وأبوليناريوس السابق ذكره.
وقد أكمل هذا المجمع قانون الإيمان، خاصًا بالروح القدس فبعد عبارة (نؤمن بالروح القدس) أضاف (الرب المحيي المنبثق من الآب…)
[23] Cf. N & P N Fathers. Series 2. vol 7 ; Johannes Quasten: Patrology, vol. III, p.363 ff. (Spectrum Publishers, 1966)
[24]; Johannes Quasten: Patrology, vol. III, p.363.
[25] Chrysostom: Instructions to Catechumens.
[26] Greg. Nez: The great Catechetical Oration. Augustine: De Catech..
[27] من هذه المقالات: (أ) مقال للقديس أغسطينوس عن قانون الإيمان ترجم ولم يطبع بعد.
(ب) أربع عظات عن الصلاة الربانية موجهة للمستعدين للعماد، وقد سبق لي ترجمتها وطبعت بالاستنسل: “عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد 6-9″، الناشر مدارس أحد العذراء محرم بك. وأعادت طبعها بعد دمجها وتبويبها تحت عنوان “الصلاة الربانية” لأغسطينوس.
[28] راجع 1 تي 1: 9.
[29] الكنيسة الكارزة لأيريس المصري، أخذًا عن
- Foster; Why Thy Church P.46.
[30] راجع كتاب الحب الأخوي، 4 الحب الجامع أو دور الشعب كنسيًا.
[31] استعنت بما جاء في مجموعة آباء نيقية مجموعة 2مجلد 7.
[32] راجع المقال الافتتاحي.
[33] عرفت الكنيسة الأولى عماد أطفال المؤمنين على مسئولية وتحت رعاية أولادها ويظهر ذلك من أقوال الآباء الأولين نذكر منهم: يقول القديس إيريناؤس تلميذ بوليكاربوس تلميذ يوحنا الحبيب، من رجال القرن الثاني [أن يسوع المسيح قد أتى ليخلص الجميع بذاته، أعنى جميع الذين ولدوا به ثانية سواء كانوا أطفالاً أو شبابًا أو شيوخًا.] ضد الهرطقات 2: 9: 22.
يقول الشهيد كبريانوس من رجال القرن الثالث [الأطفال الذين ضميرهم غير متفتح ولم يخطئوا في شيءٍ، والذين نظرًا للخطيئة الجدية الكامنة فيهم تدنسوا بها وصاروا مشاركي الموت الآدمي، يحتاجون هم أيضًا إلى المعمودية لأنها شرط لنوال الخلاص والصفح… فالمعمودية للجميع وخصوصًا للأطفال الصغار.] رسالة 59.
[34] “إشبين” كلمة سريانية الأصل، معناها “حارس أو وصى”.
[35] من رجال القرنين الثاني والثالث (158- 254 ) تفسير رو 5: 9، مقال 14، مقال 8.
[36] انعقد في قرطاجنة، وهي الآن خربة، من أطلالها وعلى بعد 12 ميلاً بنيت مدينة تونس الحالية. انعقد المجمع في زمن الإمبراطورين هونوريوس وثيؤدوسيوس الصغير، عام 418/419 من أكثر من مائتي أسقف، برئاسة أوريليوس وقد حضره القديس أغسطينوس أسقف هيبو، واستمر انعقاده ست سنوات كاملة، حيث اختتم أعماله سنة 424م. وأصدر 140 قانونًا هامًا من بينها القانون 121. “يسر المجمع أن يأمر بأن كل من ينكر أن الأطفال المولودين حديثًا من أرحام أمهاتهم يحتاجون إلى المعمودية، أو يزعم أنهم يعتمدون لمغفرة الخطايا لكنهم لم يرثوا من آدم الخطيئة الأصلية التي تضطرهم لأن يتطهروا منها في جرن الولادة الثانية، مما يترتب عليه أن تصير عبارة “لمغفرة الخطايا” المستخدمة في المعمودية، تستعمل بالنسبة لهؤلاء الأطفال لا بمعنى حقيقي بل بمعنى وهمي، فليكن محرومًا”. فإن عبارة الرسول: “بإنسانٍ واحدٍ دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع” (رو 5: 12) يجب ألا تفهم بفهم آخر إلا كما فهمتها دائمًا الكنيسة الجامعة المنتشرة والممتدة في كل مكان. وبناء على قاعدة الإيمان هذه، فحتى الأطفال الذين لم يستطيعوا بذواتهم أن يرتكبوا أية خطيئة من الخطايا تجعلهم مذنبين بها، يعتمدون حقًا لمغفرة الخطايا، حتى تتطهر فيهم بواسطة الولادة الثانية كل خطيئة ورثوها عن طريق الولادة الأولى. راجع سرّ المعمودية لنيافة أنبا غريغوريوس، كتاب The Rudder, D Cummings (1957 ) P. 688، كتاب الأنوار في الأسرار لجراسيموس مسرة بيروت 1888 ص 48، 49.
[37] Greg. Nez : On The Holy Baptism 16 &17.
[38] سرّ المعمودية لنيافة أنبا غريغوريوس، ص 53.
[39] Bingham: The Antiquities of Christian Church 10: 154.
[40] تلميذ الرسول بولس: الكهنوت 7: 11.
[41] G. Foster ; Why The Church? p 22.
[42] مقال 15: 18.
[43] من رجال القرن الثالث عرف المسيحية على يدي أوريجينوس (موجز تاريخ المسيحية ليسطس الدويرى –الأنبا ديسقورس – ص 142، 143، الكنيسة الكارزة لإيريس المصري، ص 11).
[44] يوسابيوس: التاريخ الكنسي 6: 3.
[45] أمبروسيوس: رسالة 20.
[46] Hieron Ep. 61.
[47] أغسطينوس: قانون الإيمان (تحت الطبع).
[48] أغسطينوس: الصلاة الربانية.
[49] تسمى الديداكية Didache أو تعليم الرسل.
[50] Festal Ep. 39.
[51] Const. Apost. 8: 1: 5.
[52] Tert. On Baptism 20.
[53] المقال 1، 2.
[54] Chrysostom: Instructions to Catechumens.
[55] القديس كيرلس الأورشليمي لموريس فيرسل.
[56] Cf. Origin: Against Celsum 3: 51.
[57] مقال 1 :3، 3: 3، 13، 4: 36، 21: 24.
[58] Augustine:. De Symbole Sermon De Catechumens.
[59] Augustine: De Paccotrum meities 2: 42.
[60] Cf. N & P N Fathers, Series. 2 Vol 7.
[61] القديس كيرلس الأورشليمي لموريس فيرسل.
[62] Clem Alex: Paedagogus.
[63] راجع: من تفسير وتأملات الآباء – سفر الرؤيا طبعة 69 ص 99 -100.
[64] Greg. Nyssa: Oration on Resurrection.
[65] الفيلوكاليا ج 1 طبعة 1966 ص 88، 89.
[66] Clem. Alex.: Stromata 5: 2: 15 & 5: 10: 65.
[67] مقال 18: 32.
[68] الحب الإلهي طبعة 67 ص 855. 856.
[69] يوستينوس: دفاعه الأول 61.
[70] الحب الإلهي ص 854 – 855.
[71] Greg Nez. Oration on Baptiosm.
[72] راجع كيرلس: مقالاته عن الأسرار 1: 2.
[73] Tert: The Chaplet 3 & The Shows 4.
[74] Basil: The Holy Spirit 27.
[75] الأسرار 1: 9.
[76] N. &P. N. Fathers. Seris 2. Vol 7.
[77] الذهبي الفم: شرح مز 14.
[78] المقال الافتتاحي.
[79] Chrys. Ad Illuminadas 1: 2.
[80]يطلق التنك على:
أ. رداء كهنوتي ربما “التونية”. البيضاء التي يلبسها الكاهن أو الشماس أثناء الخدمة في المذبح.
ب. سترة قصيرة ضيقة كان يرتديها الجنود والشرطة.
ج. رداء إغريقي أو روماني طويل.
[81] الأسرار 2: 2.
[82] Const. Apost. 7: 34.
[83] Justin Mart : Responsiones ad Orthodoxos.
[84] الأسرار 2: 4.
[85] Bingham: Antiq. 11: 7 & 11
[86] Tert.: On Baptism 7.
[87] الأسرار 2: 4.
[88] باسيليوس: الروح القدس 15 (راجع الذهبي الفم: إنجيل يوحنا عظة 2:25؛ أمبروسيوس الأسرار 2: 7؛ جيروم ضد لوقيون 4).
[89] Bingham: Antiq. 12: 4 & 5 & 6.
[90] Tert: The Chaplet 3.
[91] الأسرار 3: 1.
[92] Thuf : Ad Antolycum 1
[93] Tert: On Baptism 7 & 8.
[94] Tert. On resur. Flesh 8.
[95] كبريانوس رسالة 7. راجع أقوال الآباء في أسرار الكنيسة السبعة لحبيب جرجس.
[96] الحب الإلهي – الله مقدسي، مقال سر الميرون أو التثبيت.
[97] مقال 4: 14، 12: 8، 18: 33..
[98] مز 32: 1 – مقال 1.
[99]القديس كيرلس الأورشليمي لموريس فيرسل.

