1: 8 – نظرة إجمالية

يتراءى للمنقب أن الأدمغة اللاهوتية كانت تشحذ قرائها شحذاً رائعاً في اتجاهات مختلفة، متصارعة حيناً ومتنافذة حيناً أخرى، حين يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فتدخل الكنيسة بمجامعها المقدسة ومواقفها القاطعة لتقول بإلهام الروح القدس الكلام الفصل. وما كان المؤمنون يتركون الأمور فوضى. كانو رجال عقيدة صلبة، يتجندون فوراً لحماية العقيدة من كل زيغ وضلال. ولولا ذلك لما كان الأرثوذكس والكاثوليك بعد 19 قرناً يتناقلون ما هو مشترك بينهم رغم كل صورف الزمان وتقثلباته. فانقرضت البدع ورجالها في القرون الخالية وبقي العالم المسيح القديم (ماعدا ضلال النسطورية في مسألة الأقنوم وتوابعها) كتلة عقائدية مرصوصة لا ينال منها الزمان ولا معاول التهديم.

Continue reading

1: 4 – المجمع الرابع المسكوني ونتائجه (أوطيخا، وديسقوروس)

هذا النص مرحلة فقط. لم يحل المعضلة حلاً تاماً. لذلك مقابل انفصال النساطرة الذين يثنّون الأقنوم ويوهنون الاتحاد، أنتج التعصب لكيرللس الإسكندري بدعة أوطيخا (افتيشيوس). هذا الراهب القسطنطيني المتعصب لكيرللس ذهب إلى امتزاج الطبيعتين. حرمه مجمع القسطنطينية (العام 448). كان نفوذه على الخصي خريسافيوس النافذ الكلمة في القصر قاطعاً. دعا الأمبراطور إلى مجمع أفسس (1) (برئاسة ديوسقوروس الإسكندري) يمنع ثيوذوريتوس أسقف قورش من حضوره. ارتكب ديوسقوروس غلطته الكبرى. أراد أن يُقلد كيرللس فأساء التقليد. كيرللس لاهوتي كبير وعميق جداً. ولولا اندساس العبارات الأبولينارية عليه لما احتاجت الكنيسة ولاهوتيوها إلى الجهود المضنية ونكبات الدهر طيلة قرون. وكيرللس تبنّى الحقيقة، بتطرف فاحش وصارم، دون أن يخسر كل مرونته. فما أن بدت بوارق الانفتاح الأنطاكي حتى أسرع في تفهم المواقف والعبارات، وسعى إلى وحدة الكنيسة بخطى حثيثة. ديوسقوروس تبنى أوطيخا تبنياً أعمى. وضرب عرض الحائط برومية والقسطنطينية وسواهما. ولم يدم النصر المزور. مات الأمبراطور ثيودوسيوس الثاني وخلفته أخته بلخاريا (2) التي ضمت إليها ماركيانوس أمبراطوراً. فانعقد المجمع الرابع المسكوني في خلقيدونية قرب القسطنطينية في 8 / 10 / 451 وحضر من الكرسي الأنطاكي وفد كبير يناهز المائة. وأدرك ديوسقوروس أن أوطيخا مبتدع، ولكن بعد فوات الأوان. فكانت تصفية الحسابات شخصية، وبئس التصفية هذه التصفية (3).

Continue reading