قبل تجسد الرب كان هناك صديقون وأصدقاء للرب ويتكلم العهد القديم عنهم كثيراً. كان جميع هـؤلاء يعيشون على رجاء مجيء المخلص الذي سيقدم البدل من أجل خلاصهم. كانوا مـستعدين ليـسارعوا إليه لو ظهر في أيامهم ليتمتعوا بالحرية الروحية ويروا نور العالم ويهجروا الطلّ والرسوم ما دامـت الحقيقة والجوهر ملك أيديهم. بهذا كان يتميز الصديقون عن الأشرار في العصر الذي قبل المسيح.
مات الصديقون والأشرار فوجدوا أنفسهم بعد الموت بعيدين عن النور، لقد تحمل الصديقون والأشرار القيود نفسها وعبودية العدو نفسها. ولكن ما هي الفروقات التي كانت تفصل بين الصديقين والأشرار؟ كان الصديقون يتألمون من حالتهم وكانوا يضرعون بكل نفوسهم إلى االله لينقـرض سـجن الـشيطان وتنحل العقالات. كانت الرغبة تلهبهم ليروا رأس العاتي مداساً مسحوقاً. أمـا الخطـأة فقـد ركبـتهم العماوة فما كانوا يشعرون بحالتهم المرعبة، وكانوا يريدون أن يبقوا عبيداً بين كفي الشيطان.
ألم يحدث هذا في عصر السيد المسيح مع الكتبة والفريسين ورؤساء اليهود؟ لم يقبلوا ثمن العدل، لـم يقبلوا المسيح. حاولوا أن يطفئوا نوره فعملوا المستحيل لخنق اشعاعاته وبهاء نـوره. وفـي الجحـيم حيث نزل المخلص بعد موته على الصليب وجد صديقين وخطأة. استقبله الصديقون فتحـرروا مـن العقالات والطغيان أما الخطأة الذين تشوهوا كلياً فلم يقبلوا ملك الكل فبقوا في الظلمة أسـرى أبـديين بين يدي الطاغي العاتي.
إن الصديقين في أيام العهد القديم أظهروا بدون شك فضيلة كبرى ولكنهم لـم يكونـوا معتقـين مـن النقائص والضعف. كان هؤلاء مرضى كالخطأة من الفارق أنهم كانوا يـشعرون بـضعفهم وكـانوا يستجدون شفاءهم من الطبيب. أما غير التائبين، الخطأة الملتوون فكانوا لا يقـرون بجريـرتهم ومـا كانوا يرغبون أن يخلصوا من عبودية الخطيئة.
في ذلك العهد سمى االله البعض صديقين وأصدقاء. لأنهم فعلوا ما كان بإمكـانهم أن يفعلـوه وحققـوا لأنفسهم فضيلة وعدلاً حسب قدرتهم. ولم يكن عدلهم أهلاً بخلاصهم فالمخلص لم يكن بعد قد ظهـر. لو كان عدلهم كاملاً تـاماً لكـان هؤلاء فـي “يد االله وفي سلام” (حكمة 3: 3-2). وبمـا أنهـم لـم يتمكنوا من تحقيق هذا الكمال انتهوا بعد الموت إلى الجحيم. لكن السيد يسوع وهب التبرير الحقيقـي للإنسان وحقق المصالحة مع االله ولم يكن بامكان أي إنسان أن يقدم لنا مثل هاتين الهـديتين اللتـين لا تثمنان لأنه “لم يصعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، أعني ابن الإنسان الذي كان فـي الـسماء” (يوحنا 3: 13).
قبل ذبيحة السيد على الصليب لم يكن هناك ترك للخطايا. لم يكن إنعتاق من حكم الجحيم فهـل كـان بالإمكان التكلم آنذاك عن التبرير؟ قبل المصالحة مع االله كانت ربط الخطيئة غير محلولة وبقيت. كان الإنسان يموت ولا سبيل لوقوفه في صف أصدقاء االله ولا مجال ليتوج بأكليل المجد الإلهي. لـم تكـن لحمل الفصح اليهودي الذي كان يقدم كضحية، لم تكن له القوة التي تخلّص الإنسان. فلو كانـت لهـذه الرسوم والصور في العهد العتيق القوة لتهب الغبطة المرغوبة لما كان للحقيقـة والخـلاص اللـذين وهبهما االله من داعٍ وإذا كان البشر قبل الذبيحة الصلبية أصدقاء الله وأبراراً فلماذا أراد الـرب بموتـه أن يقضي على العداوة ويهدم الحائط المتوسط بين االله والبشر الـذي أوجدتـه الخطيئـة، وأن يهـب الخلاص ويوطد السلام؟
Related Posts
آلام المسيح وصلبه
يوجد مقاربات كثيرة لآلام المسيح وصلبه، كلٌ بحسب طر...
أسئلة متكررة حول الأيقونة
1- ما هي الأيقونة ؟ الأيقونة هي صور...
استعمال العهد القديم في الكنيسة وفي الليتورجيا
مكانة العهد القديم في الكنيسة الأولى: كان العهد ال...
الفصل الثاني: الإعلان والتفسير
الكتاب المقدس لا يشتمل على كلِّ النصوص التاريخية والتشريعية والتعبّدية الموجودة، بل على نخبة منها. وهذه النخبة أصبحت ذات سلطان من خلال استعمالها -وعلى الأخص في الليتورجيا- وفي وسط الجماعة ومن خلال القيمة التي أعطتها لها الكنيسة.
أبرار العهد القديم
قبل تجسد الرب كان هناك صدّيقون وأصدقاء للرب، ويتكّ...
الكنيسة جسد المسيح
قال القديس أبيفانيوس أسقف قسطنطينة (قبرص): "كيف يض...
شهود يهوه في محكمة الكتاب المقدس
المقدمة: إنه لتشويه مريع أن نعتمد في مباحثاتنا مع ...
الكتاب المقدس حصراً -Sola Scriptura- مناقشة لاهوتية أرثوذكسية
ليس من المبالغة القول إن عقيدة "الكتاب المقدس حصرا...
Sola Scriptura - عقيدة الكتاب المقدس حصراً - مناقشة لاهوتية
مناقشة لاهوتية أرثوذكسية لعقيدة "الكتاب المقدس حصراً"، أو ما يعرف بـ "Sola Scriptura". من وجهة نظر الكتاب المقدس، والتقليد الرسولي المبكر وكيف عاشت الكنيسة وفهمت الكتاب المقدس!
آباء الكنيسة والعهد القديم
يعبّر القديس أوغسطين بشكل نموذجي عن الموقف الآبائي...


