Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
PDF
☦︎
☦︎

    أبانا الذي في السموات

    لا تعني عبارة “أبانا الذي في السموات” انّ الله ليس موجوداً في الأرض، او كما نقول في طقوسنا “في كل مكان” (او انّه بمعنى آخر، محدود في مكان). المسيحيّة الشرقيّة ذهبت الى أبعد من هذا التصريح، ففي تعليمها، المتعلّق بالتجسّد خصوصاً، أكّدت ان كل مسافة او فرق بين الأرض والسماء، أو ما هو فوق وما هو تحت، ألغي في المسيح يسوع. ولعلّ الكلام الذي تورده كتبنا المقدّسة، فيما تربط بين التجسّد ونهاية الزمان (غلاطية 4: 4؛ عبرانيّين 1: 2)، خير تعبير عن أنّ كلّ شيء قد “ابتلع” في المسيح يسوع. فيسوع هو، وحده، في هذا الدهر وفي الدهر الآتي، “المكان” (إذا جاز التعبير) الذي يتجلّى فيه الله المثلث الأقانيم ويظهر للذين قبلوا حبّه وسيادته. وهذا يمكن توضيحه بتأكيد آخر، وهو أنّ الله الذي هو، في جوهره، “غير مدنو منه” (قد يكون هذا التعريف هو أحد أهمّ معاني عبارة “أبانا الذي في السموات”) هو إله محبّ (أنظر: إنجيل يوحنّا ورسائله). فالمحبّة هي التي تبسط حقيقة الله الأزلية وكلّ عمله الخلاصيّ في التاريخ. وهذا يعني أنّ قلب الإنسان هو مسكن الله الحقيقي. “إنّ ملكوت الله في داخلكم”، يقول يسوع (لوقا 17: 21). ولعلّ كلامه الوارد في إنجيل يوحنّا يوضح ما نريد قوله هنا، وهو: “إذا أحبّني أحد حفظ كلامي فأحبّه أبي ونأتي إليه فنجعل لنا عنده مُقاماً” (14: 23). فالقلب البشريّ هو، في العمق، سماء الله الحقيقيّة، وما سنقوله في ما يلي هو تفصيل لهذه الثوابت.

    يعرف العارفون أنّ عبارة “الأب الذي في السموات” كانت، في التقليد العبريّ، في زمن يسوع، تدلّ – رغم ندرة استعمالها – على تسامي الله وتعاليه وبآنٍ على قدرته وسلطانه في الأرض وعلى “كلّ الساكنين فيها” (مزمور 24: 1). ولا يخفى أنّ محرّري العهد القديم أبدوا تخفظاً واضحاً في استخدام لفظة “أب” للدلالة على الله، وذلك خلافاً لديانات الشرق الأدنى القديم التي الآلهة في اساطيرها آباء عن طريق الإنجاب. الله، في العهد القديم، هو “أب”، ولكن عن طريق الاختيار (اختار الله إبراهيم ونسله). وهذا الاختيار يبيّن محبّته وحمايته شعبَهُ ويفترض، تالياً، طاعة الشعب وامانته لله. والعبرانيّون، في كلّ حال، ما كانوا يجترئون على التلفّظ باسم الله او مناداته بدالّة في صلواتهم الشخصيّة (فهذا عندهم يسيء إلى تسامي الله). أمّا يسوع ابن الله الوحيد الذي أتى ليحرّرنا من العبوديّة وينتشلنا من كلّ بعد وجفاف وخوف، فقد علّم أتباعه أن ينادوا أباه بحرّيّة ودالّة: “أبانا الذي في السموات”، وذلك أنّه أراد أن يكشف أنّ الله هو أب حنون ومترئف لا بإسرائيل فحسب، ولكن بالبشر جميعاً. لقد فتح يسوع باب الملكوت لجميع البشر، وألغى كلّ مسافة وعرق وجنس ولغة، وذلك لأن السماء لا تظلّل أناساً دون غيرهم، وأكّد، تالياً، أنّ ما يطلبه الله من البشر جميعاً هو أن يثقوا برحمته وقدرته وأن يحيوا أخوة مع البشر كافة.

    هذا ابتكار ابن الله المتجسّد الذي يمكّننا من فهمه وقبوله الروح القدس الذي نلنا مواهبه في المعموديّة. فالروح، في الأخير، هو الذي يعطينا أن نعرف الله أباً، وأن نكتشف قوّة الخلاص الذي تمّ من أجلنا “ونوجّه حياتنا وجهة تتعالى عن حدود الأرض” فنرتقي بمحبّته إلى السماء.

    و”السموات” موطن المؤمنين، ومنها ينتظرون “مجيء المخلّص الربّ يسوع المسيح الذي سيغيّر هيئة جسدنا الحقير فيجعله على صورة جسده المجيد…” (فيلبّي 3: 20و21). يقول ثيودورس أسقف المصّيصة في شرحه هذه الصلاة: أريدكم (أعضاء كنيسته) أن تقولوا أبانا الذي في السموات “حتّى تتمثّل أمام عيونكم، في الدنيا، الحياة السماويّة حيث أعطي لكم أن تنتقلوا يوماً. فإنكم – قد نلتم التبني – صرتم مواطني السماء. أجل هذا هو المقرّ اللائق بأبناء الله”. وهذا أحد أهمّ أبعاد الإيمان المسيحيّ، وذلك أنّ المسيحيّين الذين يرتبطون ارتباطا صميماً بمن “يسكن في النور الذي لا يدنى منه” (1 تيموثاوس 6: 16)، هم يعيشون في الأرض بموجب قانون موطنهم الحقيقيّ (السماء) الذي هو في قلوبهم. ولا يعني هذا أنّ المسيحيّين يحتقرون العالم أو ينفصلون عنه، ولكن أنّهم في العالم وليسوا منه، وأنّ خصوصيّتهم تكمن في رسالتهم وفي كونهم، وهم في حيّز هذا الوجود، يعبدون “الأب الذي في السموات” بإخلاص كلّيّ لا يشوبه تقاعس أو غشّ، إخلاص يفسّره إيمانهم وطاعتهم، وتالياً رفضهم كلّ إغراء يصدر عن إبليس أو عن الذين يتبعونه.

    فيا “أبانا الذي في السموات” أعطنا أن نفهم حبّك وتنازلك وتعاليك لئلا نحتجزك في الأرض ونقفل عليك، فنقفل حينئذٍ على حالنا. هبنا روحك القدّوس لنعرف أنّك وحدك في قلبنا مالكاً وأنّنا بابنك الحبيب ارتقينا، وارتقى العالم كلّه، من الأرض إلى السماء.

     

    ليتقدّس اسمك

    تبدأ الطلبة الأولى في الصلاة الربيّة بدعوة المؤمنين الى تقديس اسم الله (والاسم، في التقليد الكتابيّ، هو الشخص ذاته). ويدلّنا سياق هذه الصلاة وبآن الكتب المقدّسة (انظر مثلا: إنجيل يوحنا 17) على انّ اسم الله هو الآب نفسه.

    في العهد القديم عرّف الله عن نفسه بقوله: “انا يهوه، هذا هو اسمي” (خروج 3 :14-15، 6: 2-3). واسم “يهوه”، في اللغة العبريّة، ليس، كما يقول أتباع بدعة “شهود يهوه” اليوم، اسماً علماً، ولكن صفة، ويعني “الكائن” أو “الذي يكون” (الطبعة اليسوعيّة للكتاب المقدّس ترجمت حرفياً هذه العبارة، هكذا: “أنا هو مَن هو”). فإذا قال الله: “انا يهوه”، فهو يدلّ على كيانه الذي لا يُدرك، وبآنٍ على ما يكشفه في تجلّياته وفعله في التاريخ وأمانته لشعبه (يستعمل العبرانيّون عادة، تجنّباً للتلّفظ بالاسم المقدّس الذي أوحي به الله لموسى، عبارات أخرى، مثل: الأزليّ، السيّد، الكليّ القدرة، السموات، القدّوس والمبارك…). ولا يأتي هذا الاسم (يهوه) في الكتب المقدّسة – وهو غير وارد في العهد الجديد، الا إذا قبلنا، وعن حقّ، ان اسم “يسوع” يعني، في اللغة العبريّة: يهوه يخلّص – من دون ذكر حدث يتبعه ويكون بمثابة صفة له، يقول الله مثلا: أنا يهوه إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر، أو أنا يهوه إله ابراهيم وإسحق ويعقوب…

    والله، في العهد القديم، يقدّس اسمه عندما يكشف عن ذاته وقدرته: “أظهر لهم قداسته في ما بينهم” (عدد 20: 13؛ انظر حزقيال 28: 22 ،25، 36: 16-38، 38: 18-23). وهذا ما يدفع الانسان الى أن يلتفت نحو الله ويعترف بقداسته فيلتزم عبادته ويمدحه ويسجد له (عدد 27: 14؛ تثنية 32: 51؛ اشعيا 8: 13). والله، تالياً، عن طريق المفارقة، يدلّ على قداسته حين يشرك الانسان فيها، يقول: “كونوا قدّيسين كما أنّي أنا قدّوس” (أحبار 11: 14)، وهذا من باب كبير أيضاً يكشف قداسة القدّوس الواحد.

    امّا في العهد الجديد فالله يكشف عن ذاته بصفته أباً قدّوساً (وهذا أكمل كشوفاته في التاريخ)، هو أب لابن وحيد أرسله من أجل أن يخلّص الانسان الذي انفصل عنه بارتكابه الإثم، وأن يهبه التبنّي ويعيده إليه، وذلك أنّ “إرادة الله قداسة البشر” (1 تسالونيكي 4: 3)، وهذا يعني أنّه يريد (ويعمل من أجل) أن يلتفت الناس إليه، بمحبّة كليّة، وأن يعلّوا قداسته بقبولهم عطاياه في كلّ أقوالهم وأعمالهم (أنظر: أفسس 1: 3 و4)، وأنّه يريدهم، تالياً، أن ينشروا قداسته في الأرض، أو، كما يقول القدّيس كيرلّس الإسكندريّ في شرحه هذه الطلبة، أن “يشفعوا من أجل كلّ سكّان الأرض”.

    ويسوع هو قدّوس الله، وقد قدّس الكنيسة لمّا مات عنها (يوحنا 17: 19؛ افسس 5: 26 وعبرانيين 9: 13، 10: 10،14 ،29، 13: 12). ولمّا وهبها الروح القدس خصّصها لله إلى الأبد (فعل “قدّس” يعني، في اللغة العبريّة حرفيّاً: “فصل”، “ميّز”، أو أيضاً “كرّس”)، فالروح نفسه هو الذي يقودها، في التاريخ، لتثمر القداسة ولتكون “أمّة مقدّسة” (1 بطرس 2: 5)، “ومملكة كهنة” (رؤيا 5: 10)، ولتعرف ذاتها واحدة، وتعلن قداسة الله بلا انقطاع (رؤيا 4: 8).

    يوازي تقديس اسم الله تمجيده (علماً ان الفعلين غير مترادفين). وهذا، في زمن يسوع، لم يكن يعني قط “إجلال الله وتسبيحه، بل الشهادة حتّى إراقة الدمّ” كما يؤكّد اللاهوتي الأرثوذكسي أوليفييه كليمان. يقول القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم: “جدير بالذي يدعو الله أباً أن يصلّي لا ليطلب شيئاً قبل مجد أبيه، بل أن يحسب كلّ الأشياء ثانوية بالنسبة الى عمل تسبيحه”، ويتابع بقوله: إنّ السيّد يأمر من يصلّي “أن يطلب تمجيد الآب أيضاً بحياته”. وهذا عينه ما أوحى به ثيودورس أسقف المصيصة في تعليقه على هذه الطلبة، إذ قال: “قبل كل شيء افعل ما يوفّر المديح لله أبيك”. وهذا الكلام يوسّع آفاق التمجيد، وذلك لأن الصلاة تُظهر صدقَها حياةُ الناس الشاهدين للحقّ (الأمينين حتّى الدمّ) فهي (الصلاة) ليست كلاماً فحسب، ولكنّها أيضاً سلوك وإخلاص. والله يستعمل هذا الإخلاص ليأتي بالعالم البعيد عن الحقّ إلى تمجيده، وفق قول السيّد المبارك في عظة الجبل: “هكذا فليضئ نوركم (أي إخلاصكم لله الذي تعيشونه في شركة الكنيسة) للناس، ليروا أعمالكم الصالحة، فيمجّدوا أباكم الذي في السموات” (متى 5: 16). أمّا إذا أتينا نقيض هذا فإنّنا نسيء إلى الله وقداسته، “أي إنّ كلّ الغرباء عن إيماننا يقولون عنّا، وهم يشاهدوننا منصرفين الى أعمال سيئة: ليسوا أهلاً لأن يكونوا أبناء الله”، كما يقول أيضاً ثيودوروس أسقف المصيصة.

    لقد أوحينا أنّ موقف يسوع الذي قاده إلى الصليب هو أكمل إعلان لقداسة الله، ولعلّ هذا يكشف لنا السبيل الحقّ الذي يجب أن يسلكه المؤمنون ليقدّسوا اسم الله. فالموت عن كلّ إثم هو نوع من أنواع الإخلاص الذي يُظهر، بقوّة، هذه القداسة. فالله، في الأخير، يُعرَف وتظهر قداسته في المؤمنين الذين لا يساومون على محبّته. ويبقى هذا، في سياق تنازل الله، دلالة ساطعة، في التاريخ، على أن الله حيّ ومخلّص كل الذين يمجّدونه ويشكرونه، وانه قدّوس في ذاته وفي الذين يعملون بحبّهم ودمهم “من أجل خلاص العالم”.

     

    ليأتِ ملكوتك

    أو “ليأتِ روحك القدّوس”، كما يقول نصّ قديم لإنجيل لوقا. وملكوت الله هو قوّة الله ونوره وفرحه ونعمته وملكه…. ولقد بدأ حقّاً، حسب شهادات الكتب المقدّسة، في التاريخ الخلاصيّ (ولو أنّ الشرور، في كلّ وجوهها، مازالت موجودة في العالم)، وهو سيُعلَن كاملاً في اليوم الأخير، وفق الوعد الصادق.

    في الطلبة الأولى صلّينا “ليتقدّس اسمك”، وتقديس اسم الله، كما بيّنا معنى العبارة في مقالة آنفة، هو الذي يحضّ المؤمنين على أن يستعجلوا حلول ملكوته كاملاً. غير أنّ هذا لا يعني، حصراً، أنّ إخلاص المخلصين هو الذي يدفع الله إلى أن ينهي “أزمنة الناس”، فقد يكون العكس هو الصحيح (أنظر: لوقا 8: 18؛ متّى 24: 12)، بل إنّ حياتهم الصادقة هي، في جوهرها، كشف لهذا الملكوت العظيم وامتداد له.

    والواقع أنّ يسوع ردّد، في بدء كرازته، ما قاله يوحنّا المعمدان قبله ( والأنبياء عموماً تناولوا، بوجه خاصّ، موضوع “مُلك الله”…)، وهو: “توبوا فقد اقترب ملكوت الله” (متّى 3: 2-4: 17 وما يوازيها). وهذا – في نداء يسوع – يعني أنّه حضر. أن نؤمن بحضور الملك يعني أن نقبل ملكوته وننتسب إليه. فليس ملكوت الله أرضاً أو سماء، ولكنّه شخص المسيح الذي “فيه صرنا أبناء”، كما يقول أوريجانس. وليس هو، تالياً، حدثاً أخرويّاً فحسب، وذلك أنّ “ما لم تره عين أو تسمع به أذن أو يخطر على بال بشر”(1كورنثوس9: 2)، يمكن أن يذوق المؤمنون ومضاته هنا في هذا الدهر، وأن يمتشقوا إلى كماله، وذلك في طاعتهم برَّ الله وفي نشوة الأسرار المقدّسة وحياة الشركة.

    لقد ظنّ بعض الناس أنّ يسوع جاء ليؤسّس مملكة أرضيّة. وفي الواقع أراد بعضهم أن يختطفوه ليقيموه ملكاً (يوحنّا 15 :6). المفاهيم القديمة (الحروب والويلات والاستعمار الرومانيّ…) ساهمت في هذا التفكير واستعجال اليوم الأخير. وذلك أنّ الناس الأتقياء تجعلهم الأزمنة الرديئة أن ينتظروا تغيير أوضاعهم، أو أن يُبطل الله، بحضوره، الزمان والمكان ليحلّ عدله. والعبرانيّون ذاقوا قديماً خبرة حكم الله، وقد أعطاهم الله – بعد أن ألحّوا عليه – أن تكون أرض إسرائيل مملكة زمنيّة يحكمها ملك يمثّل الله. وكانت السقطة. وتتالت الخيبات. فزاد شغفهم بالرجاء الآتي، وانتظار ذلك اليوم الذي يكون فيه الله “الكلّ في الكلّ”، يوم يعود ويحكم هو نفسه ملكاً على شعبه ويوفّر لهم حياة ملؤها الخير والبركات. جاء يسوع، وأسقط كلّ المفاهيم المغلوطة. ورفض رفضاً قاطعاً اقتراح إبليس الذي عرض عليه أن يملك على “جميع ممالك الدنيا ومجدها” (متّى8: 4 و9). وكشف أنّ “مملكته ليست من هذا العالم”(يوحنّا 18: 36). وأدان كلّ تحريف أو ترقّب للملكوت الأخير ليس مؤسّساً على “السهر” (اليقظة) وطاعة الله. وذلك أنّه أراد أن يكشف مرّة وإلى الأبد أنّ الملكوت فيه، وليس هو شيئاً آخر. ولعلّ أصرح تعبير عن حقيقة الملكوت الذي أتى يسوع يعلنه “ومكانه” (إذا جاز التعبير)، هو قول الربّ في إنجيل لوقا: “ملكوت الله في داخلكم” (17 : 21)، وهو يريد أن يقول إنّ المؤمنين بي يشدّهم حبّهم إلى الملكوت الآتي، أو إنّ حبّهم ذاته يجعلهم يذوقون، في هذا الدهر، ما يرجونه في اليوم الأخير، أو، بلفظٍ آخر، هم الذين يدركون أنّ الهدف الرئيس في حياتهم هو أن “يمتلكوا الله في نفوسهم”، وهذا، كما يقول الأب ليف (جيله)، لا يعني أن يحتجزوه “في حياتهم الشخصيّة الضيّقة”، ولكن أن يعملوا ويناضلوا “لكي ينشروه في ما حولهم”، وذلك أنّ الله الذي لا تهمّه الممالك والسلاطين يطلب قلوب البشر، فهو جاء من أجل البشر ومات عنهم لمّا أسلمه اليهود للصلب، وحكم عليه العالم، وهزأ به وعيّره، والحقّ أنّ العالم قضى على نفسه لمّا مات ابن الله على الخشبة. ما من شكّ في أنّ نصر يسوع كان فيه، هو مَلَكَ لمّا “ذُبح”، وأضاء سلطانه نوراً ساطعاً وخبت كلّ أنوار العالم، وكان مكتوباً فوق رأسه علّة الحكم: “هذا يسوع ملك اليهود” (متّى 27: 37).

    لقد حكى يسوع الملك قصّته في هذه الطلبة وكشف سرّه. وهل أحلى من الصلاة عندما تكون حكاية؟

    تكلّم يسوع كثيراً، في أمثاله، على هذا الملكوت المدهش الذي فيه (استعمل يسوع عبارة “ملك الله” 90 مرّة من أصل 120 في العهد الجديد)، وكشف أنّه عطيّة الله (يسوع هو عطيّة الله) وأنّه موهبة مجّانيّة يغدقها الله بابنه على الذين يوافقون بطاعتهم إرادة الروح ويحيون بعمقٍ فاعلٍ شركة الكنيسة (محبّة الله والإخوة). نعم، إنّ يسوع حقّق ملكوته بإتمامه تدبير أبيه، ونحن ننتظر أن يظهره تامّاً في يومه، ولهذا نصلّي برجاء كبير: ” آمين! تعال أيّها الربّ يسوع” (رؤيا يوحنّا 22: 20). غير أنّ تعاليم يسوع حول الملكوت تبيّن، تالياً، أنّ أنوار هذا الملكوت المدهش تضيء في العالم الذي مازال البشر فيه يريدون للشيطان سلطة، وذلك ليعرف الجميع أنّ كلّ إنسان – مهما عظمت خطاياه – قادر، إذا شاء حرّاً أن يرمي عنه رداء العار، على القيام والتجدّد، وذلك لأنّ نور الربّ يشرق على “المقيمين في بقعة الموت وظلاله”.

    حين يصلّي المسيحيّون “ليأت ملكوتك” فهم يوجّهون أبصارهم نحو اكتمال الملكوت راجين اعتلانه هنا بتقويض سلطة إبليس وخلاص البشر. ولكنّ هذا، في كلّ حال، لا يعني أنّ هذا الاكتمال المجيد يتعلّق بجهود البشر المخلصين الذين لا يحكمهم، في الدنيا، شرّ أو صنم، ولا يقبلون أن يلطّخوا شرف الآب وحكاية ابنه. فهؤلاء يعرفون أنّ اكتمال الملكوت سرّ يحفظه الله، وهم في وسعهم، بالشوق، أن يرجوا حضوره كاملاً، وأن يهيّئوا قلوبهم، بودّهم وإخلاصهم، لاستقبال هذا الملكوت الأخير الذي افتتحه يسوع بمجيئه وقيامته.

     

    لتكن مشيئتُكَ كما في السماء كذلك على الأرض

    ليست مشيئة الله في السماء “إرادة حقوقيّة”، بل هي “خلاص العالم” (راجع: يوحنّا 6 : 39- 40؛ وأفسس 1: 3 – 10)، أو كما يقول اللاهوتي الأرثوذكسيّ المعاصر أوليفييه كليمان: هي “دفع تدفّق حياة، ما يعطي الوجود ويجدّده عندما يتيه”. وهذه المشيئة كشفها الله الآب، في ملء الزمان، في ابنه يسوع الذي لم يكن فيه “نعم ولا، بل نعم وآمين” (2 كورنثوس 1 : 19)، وهي التي تطيعها الملائكة في السماء (مزمور 103: 20)، وتعلّيها صلوات القدّيسين (رؤيا 11: 4)، وهي، في الأخير، ما يريد الله أن تظهر في الكنيسة المجاهدة قبل أن يستقبلها في ملكوته الأخير بعد أن تكون قد تخلّصت من كلّ ما يناهض مشيئته.

    والله الذي بيّن صدقه وحبّه علانيةً يفعل ما يشاء باستقلاليّة تامّة وقدرة مطلقة. غير أنّ قصده يتحقّق، في العالم، من خلال جوابنا نحن البشر وطاعتنا له كأبناء أحبّاء. فهو يريدنا قدّيسين (1تسالونيكي 4 : 3). ولقد أعطانا روحه ليقوّم تقاعسنا ويقوّي فينا كلّ عزم لنكون موافقين وعاملين “في سبيل رضاه” (فليبي 2: 13؛ عبرانيّين 13: 21). لقد رأينا في طلبتَيْ: “ليتقدّس اسمك” و”ليأتِ ملكوتك”، أهمّيّة أن يكون الإنسان منفتحاً على متطلّبات الله في حياته. وهنا، في هذه الطلبة، نجد المعنى عينه، وذلك أنّ مشيئة الله لا تتمّ في الأرض كلاميّاً فحسب، ولكن بالفعل أيضاً، أي بطاعة الحياة. هذا ما أظهره يسوع “في ضيعة يقال لها جتسمانيّة” (متّى 26: 42 وما يوازيها)، إذ صلّى قبل آلامه بثقة كاملة واستسلام كامل وحرّ لمشيئة الله أبيه، استسلام هو، في حقيقته، تعبير عن خضوعه لأبيه وتواضعه أمامه (قال: لتكن مشيئتك لا مشيئتي). الربّ، في هذا النزاع الأخير، لم يطلب أن ينجّيه أبوه من الموت القريب، بل أراد أن يدلّ على تجاوبه وإرادةَ أبيه. وهذا ما يطلبه الربّ من الذين يرغبون بأن يعرفوا الله مخلّصاً وقدّوساً: أن يتشبّهوا بيسوع فيثقوا بالله مهما كانت ظروفهم صعبة، ويبتعدوا عن كلّ شرّ يهاجمهم ويصلحوا أنفسهم دائماً على ضوء رحمته ومحبّته (أنظر: رومية 12 : 1- 2).

    ما يبيّن، إذاً، أنّنا قَبِلْنا هذه الطلبة هو أن نتخلّى عن مشيئتنا. وذلك لأنّ “من يتخلَّ عن مشيئته فهو قدّيس”، كما يقول أبونا البارّ يوحنّا السلّميّ (المقالة 9/17)0 وهذا (أن نتخلّى عن مشيئتنا) لا يعني، بالطبع، أن نكون بلا مشيئة، ولكن أن تصبح مشيئة الله هي إيّاها مشيئتنا. فالذين يطلبون مشيئة الله حقّاً هم أولئك الذين لا يقيمون وزناً لما في هذا العالم من مغريات، وهم الذين مهما اشتدّت عليهم التجارب والمحن، لا يهادنون ولا يساومون على الحقّ، بل يقبلون النعمة التي أعطيت لهم بالمسيح الذي خلّص العالم من كلّ شرٍّ وموت لمّا استسلم كلّيّاً لمشيئة أبيه. يقول القدّيس كيرلّس الإسكندريّ: “أولئك الذين يتوسّلون في صلواتهم أن تتمّ مشيئة الله على الأرض، ينبغي بالضرورة أن يحيوا هم أنفسهم بلا لوم، وألاّ يبالوا بالأمور الأرضيّة، بل أن يتحرّروا من كلّ دنس، ويقفزوا خارجاً من حفرة الإثم “مكمّلين القداسة في خوف الله” (2 كورنثوس 7: 1).

    لا يُكرهنا يسوع على شيء، فهو لا يطلب منّا أن نقبل إرادته غصباً عنّا، ولكن بحرّيّة تامّة. والحرّيّة هي صورته فينا. يريدنا أن ننفذّ إرادته لأنّه ربّنا، ولأنّه يعرف مصلحتنا أفضل منّا. لا يُكرهنا الله على شيء، لأنّنا أبناؤه، ولسنا عبيداً. العبد (قد) لا يقتنع دائماً بما يريده سيّده، ولو نفّذ إرادته. أمّا الابن فيعرف أنّ أباه يحبّه فيطيعه في كلّ حال، ولو قسا عليه يعرف أنّ قسوته وجه من وجوه حبّه إيّاه. صحيح أنّ الأبرار يستعبدون أنفسهم لله (لوقا 17: 10)، ولكنّه هو لا يراهم عبيداً، بل أبناء، يقول يسوع: “لا أدعوكم عبيداً بعد اليوم، لأنّ العبد لا يعلم ما يعمل سيّده. فقد دعوتكم أحبّائي لأنّي أطلعتكم على كلّ ما سمعته من أبي” (يوحنّا 15: 15).

    ولعلّه من المفيد أن نذكر أنّ بعض علماء التفسير رأوا أنّ عبارة “كما في السماء كذلك على الأرض” لا ترتبط بهذه الطلبة حصراً، ولكن بما سبقها أيضاً. وهذا ما أوحى به قديماً العلاّمة أوريجانس بقوله: “يمكننا أن نفهم عبارة متّى (كما في السماء كذلك على الأرض) بمعنى أوسع. فالصلاة المطلوبة منّا هي كالتالي: ليتقدّس اسمك كما في السماء كذلك على الأرض، ليأت ملكوتك كما في السماء كذلك على الأرض، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض. فاسم الله قدّسه سكّان السماء؛ وملك الله أقيم فيهم؛ وإرادة الله تحقّقت فيهم. فكلّ هذه الأشياء التي هي ناقصة لسكّان الأرض، بوسعها أن تتحقّق إذا عرفنا أن نكون أهلاً لأن يستجيب الله لنا”. غير أنّ هذا التوسّع، يجب أن لا يولّد لنا، كما يقول الأب ليف (جيله)، فيما نتلو هذه الطلبة “تأثيرات خاطئة”… لأنّه لا يمكن أن تجري مشيئة الله على الأرض تماماً وكمالاً كما هي في السماء، وذلك لسبب بسيط، وهو أنّ الأرض ليست كاملة، أبديّة، نهائيّة كما هي السماء. الأرض مسيرة أمّا السماء فغاية. الأرض مؤقّتة تتكامل باستمرار وتتحسّن بغير انقطاع. أمّا السماء فهي نهاية، تكميل، كلّيّة. ولكن بين تحقيق المشيئة الإلهيّة في السماء وتحقيقها على الأرض تجاوب وتناظر وتقابل. إنّ السماء نموذج الأرض، أو بكلمة أصحّ هي إكمال وتتميم ذلك الذي يبدأ على الأرض”.

    في الأخير، تكشف لنا هذه الطلبة خلاص الله الذي صالح، بموت ابنه وقيامته، السماء والأرض (السماويّين والأرضيّين) ووحّدهما به. هذه هي مشيئته التي خالفها الجدّان الأوّلان في الفردوس فأُخرجا خارجه بعيداً عن الله، والتي جاء يسوع متجاوزاً كلّ حدودٍ ومسافةٍ وضعتهما الخطيئة ليعيدنا إلى الله أبيه. وهو ينتظر دائماً أن نعمل نحن رضاه لتسود مشيئته في الأرض، ليكون في الأرض نور السماء وحبّها وإخلاصها.

     

    خبزنا الجوهريّ أعطنا اليوم

    ثمّة جدل كبير ومعقّد بين علماء التفسير حول ما تعنيه لفظة “جوهريّ” (epiousios) في هذه الطلبة. والواقع أنّ هذه اللفظة، التي استعملت في العهد الجديد حصراً في الصلاة الربّيّة، يمكن أن تعني، في أصلها اليونانيّ، حسب اشتقاقاتها المتنوّعة: الخبز الضروريّ للعيش )خبزنا اليوميّ(، الخبز من أجل المستقبل، أو خبز الغد…، أو الخبز الجوهريّ. وهذا المعنى الأخير هو الذي تستعمله كنيستنا الأرثوذكسيّة وتجده أكثر توافقاً وسياق الصلاة الربّيّة.

    ومع أنّ كلّ حصر لا يرى في هذه الطلبة سوى طلب الحاجات الأرضيّة هو ناقص، فإنّ طلبة الخبز الجوهريّ لا تهمل طلب حاجات الإنسان الضروريّة للحياة. وذلك أنّ الله الذي يحضّ المؤمنين على أن يطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه (متّى 6: 33)، يحمل أتباعه على أن يدركوا جوده وإحسانه هنا في حياتهم دائماً، وأن ينتظروا منه كلّ شيء بثقةٍ لا تتزعزع. فإذا قال الربّ صلّوا: “خبزنا… أعطنا”، فهو يريد منهم أن يتوجّهوا إليه معترفين به إلهاً وسيّداً على حياتهم، وأن يثقوا بفعله وخلاصه في زمانهم الحاضر.

    يعلّمنا يسوع، في إنجيله، أن نتّكل على الله وحده في كلّ شيء (اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم…). أن نتّكل عليه في كلّ شيء، أو أن نسلّم حياتنا له، هو أن نستلمها منه. نقول “خبزنا… أعطنا”، والخبز هو من ضرورات هذه الحياة. هو، كما ترى التوراة، عطيّة من السماء وكرماً من الله يتوّج عمل البشر. يسوع يريدنا دائماً أن نطلب الخبز، في صلواتنا، من الله أبينا لنتعلّم أن نكون أمامه كالأطفال الذين ينتظرون كلّ شيء منه (متّى 7: 9 وما يوازيها). يقول القدّيس كيرلّس الإسكندريّ في شرحه هذه الطلبة: “إنّه من الأليق جدّاً بالقدّيسين (أي المسيحيّين) أن يسعوا بكلّ جهد ليحسبوا مستحقّين العطايا الروحيّة. ولكن من جهة أخرى ينبغي لنا أن نفهم أنّه حتّى إذا ما كانوا يطلبون مجرّد الخبز العاديّ، إلاّ أنّه لا لوم عليهم البتّة في ذلك إذا كانوا يسألونه من الله حسبما يدعوهم المخلّص أن يفعلوا هكذا، لأنّ هذا يليق بتقوى حياتهم”. أن نطلب، إذاً، من الله خبز اليوم أمر يقينا من الاتّكال على ذواتنا حصراً، أو أن “ننهك أنفسنا باهتمام اليوم التالي”. فيسوع لا يريدنا أن نهتمّ بالغد أو بأيّ ملك أرضيّ، بل أن نؤمن بعناية الآب المطلقة (متّى 6: 25- 34)، بعنايته بنا “اليوم”. وهذا ما يؤكّده أيضاً القدّيس كيرلّس بقوله: “فالربّ إذ أوصاهم أن يسألوا من أجل الخبز، أي من أجل خبز يوم واحد. فهذا برهان واضح على أنّه لا يسمح لهم بامتلاك أيّ شيء، بل يطلب منهم أن يمارسوا الفقر اللائق بالقدّيسين”. ويقول أيضاً: “إذاً فلنسأله ونحن “ملقون كلّ همّنا عليه” (1بطرس 5: 7) ما يكفي لحياتنا، أي الطعام والكساء وكلّ ما يقوم بأود الحياة متجنّبين كلّ رغبة في الغنى. لأنّ ذلك يهدّد حياتنا بالدمار، وإن كانت هذه هي إرادتنا فإنّ المسيح يقبلنا ويباركنا”.

    عناية الله الآب بنا حقّاً “اليوم” بيّنها يسوع بخاصّة في حادثة تكثير الخبز في البريّة (متّى 14: 14- 21)؛ الخبز الذي قدّمه أصلاً أناس من أجل غيرهم؛ فتكون، تالياً، إرادة يسوع في تعليمنا أن نطلب الخبز هي أن نتحسّس جوع الآخرين وقلقهم وأن نطعمهم من “خبزنا”، أن نسدّ جوع إخوتنا المنتشرين حولنا وفي العالم من عطايا الله. فهذه الطلبة لا تسمح للمسيحيّ بأن يعتقد أنّ الخبز الذي يطلبه من الله هو خبزه الشخصيّ فحسب، بل “خبزنا” أيضاً، أي خبزه وخبز إخوته في آنٍ. ولعلّه من المفيد جدّاً أن نذكر هنا ما كتبه أوليفيه كليمان في شرحه هذه الطلبة، إذ قال: إنّ “التقاسم يجب أن نمارسه أوّلاً ما بين إنسان وإنسان، عائلة وعائلة، ربّما في إطار رعايانا التي من المرغوب فيه أن تصير تقريباً جماعات(شركويّة) رعويّة حقيقيّة. علينا أن نضع تصميماً لذلك في محيطنا، أن نحبّذ الوصول إلى تحقيقه في مواقفنا المدنيّة، على صعيد الأمّة، في احترام الغريب، المهاجر واستقباله، لا لكي نتمثّله، بل بالمحافظة على ثقافته، إن رغب في ذلك. وعلى صعيد البشريّة التامّة، أكرر أيضاً ذلك. نستطيع أن نحلم، أن نقترح، أن نحدّد بدقّة نظاماً اقتصاديّاً عالميّاً. نحن بحاجة إلى علماء اقتصاد صارمين وواقعيّين، ولكن قادرين أيضاً على أن يضعوا علمهم في خدمة الصلاة”. ويتابع متوجّهاً إلى الله بقوله: “أعطنا، نحن، جميع البشر، الخبز الضروريّ، وليكن أيضاً خبز الملكوت، خبز الحلم الأخويّ (المودّة الأخويّة) والجمال”.
    يرفعنا هذا القول الأخير إلى أن نرى في طلبة “خبزنا الجوهريّ أعطنا اليوم” معنى أعمق من طلب الحاجات الأرضيّة، لأنّ يسوع الذي قال “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان” (متّى 4: 4) يريدنا “اليوم” أن نطلب “الخبز الجوهريّ”، وهذا، كما فهم الآباء عموماً، يدلّ على كلمة الله التي يقرأها المؤمن في الكتاب المقدّس ويجدها في تعليم الآباء القدّيسين وفي مقرّرات المجامع المسكونيّة، وعلى “الخبز النازل من السماء”، أي “يسوع الإله المخلّص الذي يقدّم لنا جسده ودمه في سرّ الشكر (المناولة)” (كما يقول أوريجانس وكبريانوس وغيرهما)، وعلى خبز الملكوت، خبز مائدة اليوم العظيم الآتي.

    ثمّة مواقع عديدة، في العهد الجديد، يشبّه فيها الربّ ملكوت الله بمائدة (متّى8: 11، 26: 29، مرقس 14: 25 ولوقا 22: 18؛ رؤيا 19: 9). ذلك أنّه أراد أن ينشد أتباعه أوّلاً الحياة الأبديّة، وأن يعكسوا توقهم إليها في حياتهم اليوميّة، وأن يسمحوا للمحبّة بأن تغلبهم ليسود الملكوت في هذا “العالم الحاضر الخدّاع” وتحلو الحياة لمن غلبه اليأس، ويرجو.

    يريدنا يسوع في هذه الطلبة أن نحبّ ملكوت الله، نطلبه ونمتدّ إليه، لأنّه هو وحده الحقيقة الواقعيّة الذي نرى ومضاته في محبّة الله والناس، بخاصّة أولئك الذين وحّد يسوع نفسه بهم وجعلهم مرقاتنا إلى وجهه المنوَّر.

     

    واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه

    يتكلّم العهد القديم كثيراً على مغفرة الخطايا. فالله الذي لا يحبّ الخطيئة ويجرحه ابتعاد شعبه عنه وتصلّب رقابهم، هو إله رحيم ومترئّف بشعبه، ويحبّهم كما يحبّ الأب أبناءه والعريس عروسه (هوشع 2: 1؛ إرميا 2: 2؛ حزقيال 16 و23)، وهو يعدهم بالمغفرة والحياة إذا قبلوا دعوته وعادوا إليه بالتوبة (مزمور 31 : 5؛ إشعيا 55: 7-9؛ إرميا 3: 12-14؛ حزقيال 18 : 31-32 وهوشع 14 : 2- 9…). وهذا عينه يتابعه العهد الجديد، فيكشف لنا أيضاً صورة الآب الغفّار والحنون الذي أرسل ابنه إلى العالم لينقذ الناس من شقائهم ويطّهرهم، بموته وقيامته، من خطاياهم ويلبسهم حلّة جديدة، هي إيّاها حلّة العرس.

    والحقّ أنّ الربّ ترك لنا كلّ “ما علينا”، لا بل حمله هو (1بطرس 2: 24)، لمّا عُلّق مصلوباً على رابية من روابي أورشليم. وكشف – على الصليب – أنّ محبّة الله تفوق بما لا يقاس كثرة خطايانا، وأنّ هذه المحبّة تطالنا فعلاً إذا سمحنا لله بأن تسكن رحمته فينا، وتركْنا نحن أيضاً بدورنا “لمن لنا عليه”.

    من النوافل القول إنّ من يعترف بأنّ الله رحيم، هو بالضرورة يقرّ بأنّه إنسان خاطئ، وبأنّ الله، تالياً، قادر على أن يعيد له مكانته الأولى، أي أن يصنعه جديداً. وإذا فكّرنا قانونيّاً، فإنّ اعترافنا بذنوبنا يعني أنّنا لا نستحقّ مغفرة الله، بل عقابه. ولكنّ محبّة الله تمنعنا من أن نفكّر على هذا المنوال، لأنّ منطقه يخالف منطق هذا العالم وقوانينه. فهو يغفر للناس لأنّه يحبّهم، وليس لأنّ البشر يستحقّون (رومية 5 : 8). وهذا الفعل عينه يريدنا الربّ أن نترجمه مع الآخرين، وذلك أنّ من يقرّ بخطاياه لا يرى خطايا البشر شيئاً. وليس هذا فقط، ولكن أن نعرف أنّ كلّ شرّ يرتكبه أحد بحقّنا، ليس هو بشيء أمام الشرور التي نرتكبها نحن بحقّ الله. يقول القدّيس غريغوريوس النيصصيّ: “إنّ ديون أخوتنا لنا، لو قارنّاها بتجاوزاتنا تجاه الله، لبدت وكأنّها بضع قطعة نقديّة لا تذكر، يسهل عدّها، قياساً بالوزنات التي تلقّيناها من الله، وهي لا تحصى” (أنظر مثل “العبد غير الشفوق”، في متّى 18: 23- 35). فالله يريدنا أن نغفر للآخرين ذنوبهم كما غفر لنا المسيح (أفسس 4: 32؛ كولوسي 3: 13)، وهو يرتّب غفرانه الأخير على أساس غفران البشر بعضهم لبعض.

    عظمة هذه الطلبة أنّها تحضّ المؤمنين على أن تكون أخلاقهم شبيهة بأخلاق أبيهم السماويّ. وهذا ممكن لا لأنّ الإنسان قادر عليه، بل لأنّ الله الآب نفسه يمكّن أخصّاءه منه. وهذا لا يفهمه الذين يصرّون على سلوك الطرق الرديئة – فهؤلاء لا يمكنهم أن يصلّوا هذه الطلبة أو يسلكوا بموجبها – ولكن الذين انتموا، برضاهم، إلى ملكوت الله.

    وإذا عدنا إلى موقع الصلاة في إنجيل متّى، نجد أنّ الربّ بعد أن علّم أتباعه هذه الصلاة، قال لهم: “فإن تغفروا للناس زلاّتهم يغفر لكم أبوكم السماويّ، وإن لم تغفروا للناس لا يغفر لكم أبوكم زلاّتكم” (6: 14- 15). وهذا يفترض أن يتحمّل أتباع يسوع الحقيقيّون، في أحيان كثيرة، الظلم وأن يبتعدوا عن الحقد ويتنازلوا عن كلّ انتقام (أنظر متّى 5: 39- 40).

    فالرحمة واجبة في كلّ حال، وهي واجبة قبل الذبيحة. وذلك أنّ الله لا يرضى أن يقف أمامه عابداً من أظلم قلبَهُ الحقد0 يقول الربّ: “فإذا كنتَ تقرّب قربانك إلى المذبح وذكرت هناك أنّ لأخيك عليك شيئاً، فدعْ قربانك هناك عند المذبح، واذهب أوّلاً فصالح أخاك، ثمّ عُدْ فقرّب قربانك” (متّى 5: 23- 24). وهذا يؤكّد أنّ الشركة مع الله تمرّ عبر مصالحة القريب، هذه المصالحة التي لا يؤجّلها أمر ولا حتّى تقديم العبادة لله نفسه.

    ومن الثابت أنّ الربّ أعطى المغفرة مكان الصدارة في حياة الجماعة، نقرأ: “فدنا بطرس وقال له: “يا ربّ، كم مرّة يخطأ إليّ أخي وأغفر له؟ أسبع مرّات؟” فقال له يسوع: لا أقول لك: سبع مرّات، بل سبعين مرّة سبع مرّات” (متّى 18: 21- 22). وهذا يجب أن نفهمه في سياق تصرّفات الله معنا. فالله الذي رحمته كاملة يدعونا إلى الاقتداء به.

    دونكم هذه القصّة الرائعة التي توضح أهمّيّة المغفرة: “كان نيكفورس أنطاكيّاً من عامة الشعب التقيّ البسيط. وكان صديقاً حميماً لأحد الكهنة ويدعى سبريسيوس. ثمّ حدث فتور بين الصديقين فنزاع فانقطاع. ودام ذلك زماناً طويلاً، إلى أن أحسّ نيكفورس بخطئه فقرّر أن يسعى إلى الصلح. فأرسل بعض الأصدقاء المشترَكين إلى الكاهن مرّة ومرّتين طالباً صفحه. غير أنّ الكاهن سبريسيوس رفض الاعتذار. ثمّ أرسلهم مرّة أخرى، ولكن من دون جدوى. أخيراً ذهب نيكفورس نفسه إلى منزل الكاهن يلتمس المغفرة، ولكنّ هذا الأخير كان مصمّماً على أن يصمّ قلبه عن كلّ اعتذار. وكانت الكنيسة، في ذلك الوقت (أواسط القرن الثالث)، تعاني اضطهاداً مريعاً… فأُمسك الكاهن سبريسيوس وسيق إلى الموت، وخيّره الولاة، قبل تنفيذ القضاء، بين العذاب فالموت وبين أن يجحد المسيح. فأبى أن ينكر الربّ… فعذّبوه، وحكموا عليه بقطع رأسه، وساقوه إلى موضع تنفيذ الحكم.

    علم نيكفورس بما حدث. فحزن وخاف أن يموت صديقه قبل أن يتصالحا ويتصافيا. فلاقاه على الطريق وانطرح عند قدميه طالباً أن يغفر له. فازداره ولم يجبه. فكرّر نيكفورس ما فعله مرّة وأخرى، حتّى إنّ الجنود الذين كانوا يسوقون الكاهن سخروا منه لأنّه يحاول نيل رضا إنسان لا يلبث أن يموت، فلم ينل منه سوى الازدراء. ولمّا انتهوا إلى مكان الإعدام، كانت نعمة الروح القدس قد فارقت ذلك الكاهن الحقود. ولمّا رأى سبريسيوس السيّاف يتهيّأ لقطع رأسه ارتعدت فرائصه هلعاً. فما كان منه إلاّ أن صرخ: “لا تفعل، فأنا طوع أوامر القيصر وعبد للآلهة”. وقع هذا الكلام كالصاعقة على نيكفورس الذي كان مازال واقفاً ينتظر لعلّه يحظى بغفران الكاهن، واشتعل قلبه بالغيرة المقدّسة وأخذ يصرخ: “أنا مسيحيّ، أنا مسيحيّ”. فأطلق الجنود سراح الكاهن الجحود الذي لم يطع قول الربّ (متّى 6: 14 -15)، وقطعوا رأس نيكفورس، فنال إكليل الشهادة جزاء تواضعه ومحبّته”.

    ما هو ثابت في كشوفات الكتب المقدّسة أنّ الله لا يغفر لنا لأنّنا نغفر نحن للآخرين. ولكن لأنّه يغفر ينتظر أن نغفر نحن أيضاً. فرحمة الله أوّلاً تفهمنا عمله الخلاصيّ وتحدّد سلوكنا مع الآخرين، وهي تعطينا أن نمتدّ إلى اليوم الذي سيختار فيه الله من تشبّهوا برحمة ابنه التي هي محكّ الإيمان الصادق والحقيقيّ.

     

    ولا تُدخلنا في تجربة لكن نجّنا من الشرّير

    هي آخر طلبة في الصلاة الربّيّة.

    السؤال الذي يطرح ذاته، هو: ما هي التجربة التي يطلب المؤمن من الله ألاّ يدخله فيها؟ ويتبعه سؤال آخر عالجته معظم تفسيرات الصلاة الربّيّة، وهو : من هو المجرّب؟ والجواب عن هذين السؤالين سنبيّنه في ما يلي.

    في الكتب المقدّسة وردت كلمتان متناقضتان بمعنى التجربة، هما: الامتحان والإغراء. الامتحان، هو طريقة تأديبيّة يمرّر الله فيها الإنسان (تكوين 1: 22؛ خروج 15 :25، 16: 4، 20: 20؛ تثنية 8: 2، 16؛ قضاة 2: 22، 3: 1 و4؛ 2 أخبار 31: 32)، لينقّيه كما ينقّى الذهب والفضّة (حكمة 3: 6؛ مزمور 66: 10)، هو (الامتحان)، إذاً، فرصة تساعد الإنسان على أن يكتشف إيمانه وتقوده إلى أن يحيا لله وحده. وأمّا الإغراء فهو حركة تردّد في النفس البشريّة بين النعمة الإلهيّة والخطيئة. المغري دائماً هو الشيطان (أو الشهوة التي في داخل الإنسان)، وهي، بهذا المعنى، دعوةٌ إلى الموت (يعقوب 1: 13- 15؛ أنظر أيضاً: 1كورنثوس 7: 5؛ رؤيا 2: 10)0 وهذا (الإغراء الذي مصدره الشيطان) هو معنى التجربة في هذه الطلبة.

    هذه المقدّمة تردّ على الذين يتبادر إلى ذهنهم أنّ الله هو الذي يجرّب (يغري) الناس. فالله قدّوس ولا يمكن أن يعمل عمل الشيطان (سيراخ 15: 11 و12). ولكن، يقول بعض: إنّنا نتوجّه إلى الله في هذه الصلاة، ونقول له: “لا تدخلنا في تجربة”. جوابنا هو: أنّ هذه العبارة لا تعني لا تجرّبنا، بل تعني، حسب المصطلحات الساميّة: لا تسمح بأن ندخل، أن نقع ونسقط، ويمكننا أن نترجم النصّ اليوناني هكذا: “لا تجعلنا، أو لا تدعنا ندخل في تجربة. وكأنّنا نقول لله: لا بدّ من أن نُجرَّب (متّى 4: 1، 16: 22- 23، 26: 36 وما يوازيها)، لأنّك تريدنا أن نختارك أحراراً، فلا تتخلّى عنّا وساعدنا في وقت المحنة، لأنّ الشرّير المغلوب لم يُبطل إغراءه، وأنت يا ربّنا “نجّنا منه”. وهذا يعني أنّ أحداً في الأرض لا يمكنه أن يختار الله سيّداً على حياته ومعيناً له في شدائده ومحنه ومدافعاً عنه في أوقات التجربة إلاّ حرّاً. يقول الأب ليف (جيله): “الله يفضّل أن يرى محبّته محتقرة ويدوسها الناس من أن يمسّنا ويضغط على حرّيتنا”.

    بيد أنّ هذه الطلبة تفيد أيضاً، وبشكل خاصّ، ازدياد الشرّ في “آخر الأزمنة”، حيث يبلبل الشيطان وعبيده أفكار المؤمنين ليوهم الضعفاء بأنّه هو سيّد الكون وعريس الأمّة. وهذه التجربة هي واحدة من أقوى التجارب التي يمكن أن تواجه الإنسان، لأنّها يمكن أن توحي إليه بأن الله يتفرّج على الناس في محنهم ولا يتدخّل. فمن مثل هذه التجربة التي تقود إلى الجحود نطلب النجاة (لوقا 22: 31 و32). ولعلّ هذا ما دفع بعض المفسّرين إلى أن يترجموا هذه الطلبة هكذا: “أيّها الربّ، احفظنا من الجحود”. وهذا يمكننا أن نشعر بوجوده، في هذه الأيّام، عن طريق الظلم والإباحيّة والشكّ الذي يثيره الألم، وعن اعتبار المسيحيّة إيديولوجيّة، أو مجموعة عادات وتقاليد قديمة، وعن إبدال حياة الشركة بالفرديّة أو الانفلاش أو الاستهتار أو التفرّج، وعن افتتان البشر بالعجائب وصانعيها… ويبقى أنّ هذا المعنى الأخير (ازدياد الشرّ في آخر الأزمنة) يحمل معنى آخر، ولعلّه الأقوى، وهو ما يرتبط بموقف الله الأخير، أي دينونته لكلّ إنسان، وكأنّ المؤمن يقول في هذه الطلبة: لا تجعلني، في يوم الدينونة، عن شمالك. غير أنّ الدينونة هي حكم الله الأخير على حياة كلّ إنسان ومواقفه وتصرّفاته هنا في الأرض. فكلّ سقوط في خطيئة يسبّب لنا، إن لم نتب عنها كلّيّاً، الانفصال عن الله. ولذلك فإنّ الإنسان المؤمن مدعوّ إلى أن ينضمّ إلى يسوع الغالب بموته وقيامته، ليخوض حرباً طاحنة ضد الخصم الأكبر (الشيطان) الذي يسعى إلى استعباد البشر. وهذه الحرب التي لا هوادة فيها سلاح المؤمن فيها غلبة الربّ ذاتها التي نذوق بركاتها في السهر وطاعة كلمة الله والاندماج الواعي في كنيسة خصّصت ذاتها لله. وهذا يفترض إيماناً عميقاً واتّكالاً كاملاً على الله الذي “بدونه لا نستطيع شيئاً”. فالله هو الذي يحمي شعبه من إغراء الخطيئة ويدافع – معهم – عنهم ليثبّت في الأرض مخطّط حبّه دائماً. وذلك لأنّه آب رحيم وقائد الكنيسة وربّانها في بحر هذا العمر الهائج. يقول الرسول بطرس في رسالته الأولى “كونوا قنوعين ساهرين. إنّ إبليس خصمكم كالأسد الزائر يرود في طلب فريسة له، فقاوموه راسخين في الإيمان، عالمين أنّ إخوتكم المنتشرين في العالم يعانون الآلام نفسها. وإذا تألّمتم قليلاً، فإنّ إله كلّ نعمة، الإله الذي دعاكم إلى مجده الأبديّ في المسيح، هو الذي يعافيكم ويثبّتكم ويقوّيكم ويجعلكم راسخين” (5: 8- 10).

    ثمّ إنّ الله الأمين في مواعيده لا يسمح بأن يجرَّب الإنسان فوق طاقته (1كورنثوس 10: 13؛ 2تسالونيكي 3: 3). وهذا يعني أنّه يمنحه، في ظروفه الصعبة، نعمة ابنه الحبيب (عبرانيّين 2: 10- 18)، ليتمكّن من أن ينتصر على كلّ شرّ يداهمه. فنصر يسوع الذي تمّ على الصليب هو حاضر في زمان أحبّائه الذين ولدوا من الله لئلاّ يمسّهم شرّ إبليس (1يوحنّا 5: 18)، ويثبتوا على إخلاصهم.

    يريدنا يسوع، في هذه الطلبة الأخيرة، أن نلتمس من الله الآب عونه ورضاه وحمايته من كلّ شرّ وشرّير يتربّص بنا في العالم. وهذا ما يلتقي وصلاة يسوع التي رفعها إلى الله أبيه من أجل تلاميذه في عشيّة موته، إذ قال: “لا أسألك أن تخرجهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير” (يوحنّا 17: 15). فلنطلب إلى الربّ، فيما نتلو هذه الطلبة، برجاء كبير، أن يحفظنا هو اليوم وفي كلّ يوم في صلاته ومحبّته ويردّ عنا هجمات الشرّير، لأنّه حبيب الآب الغالب دائماً.

     

    لأنّ لك الملك والقدرة والمجد…

    تختم الصلاة الربّيّة بتسبيح ليتورجيّ كان المسيحيّون الأوائل يتلونه باطّراد (لأنّ لك الملك والقدرة والمجد أيّها الآب والابن والروح القدس الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين، آمين). وهذا التسبيح يخصّ المؤمنين جميعاً، ولو أنّ الكهنة يعلنونه وحدهم في الخدم الليتورجيّة.

    ما يؤكّده الدارسون أنّ هذا التسبيح غير موجود في المخطوطات القديمة، ولا نجده قبل القرن الثاني المسيحيّ (في كتاب الديداكيّة). غير أنّ أهمّيّته، فيما يدعم استعماله تقليد الكنيسة الحيّ وطقوسها وإيماننا بأنّه يعكس مشيئة يسوع، أنّه يدعونا إلى إتمام الصلاة بالتضرّع إلى الله المثلّث الأقانيم. فبعد أن عظّمنا، في الصلاة التي علّمنا إيّاها يسوع، الله في سماواته وقدّسنا اسمه وطلبنا حلول ملكوته وعاهدنا مشيئته ورجونا فرحه الأخير (هنا في حياتنا أيضاً) وغفرانه وحمايته، نسبّحه، ثالوثاً، كملك وقدير ممجّد، نسبّحه لأنّ إتمام ما قلناه (في الصلاة الربّيّة) يخصّه، لأنّه القادر على أن يساعدنا عليه. فالصلاة الربّيّة لا يمكن لأحد من الناس أن يتمّمها بقدرته الذاتيّة، ولكن بنعمة الله ودعمه.

    نختم الصلاة، إذاً، بتسبيح. والتسبيح أحد عناصر الصلاة الحيّة وذروتها، أو هو، كما يسمّيه المطران جورج (خضر) “الدعاء الأكبر” (رعيّتي 40/2002). هو والصلاة يطلبان بعضهما بعضاً ويحرّك أحدهما الآخر. هما معاً يساعدان المؤمن على الارتقاء نحو “وجه الآب” الكلّي القدرة والجمال. وتسبيح الله على صفاته وعلى صنائعه هو خصوصاً ركيزة رجاء المؤمنين. فكلّما وقفنا، مؤمنين، أمام الله لنسبّحه على حبّه المجّانيّ وملكه وقدرته ومجده، يزداد رجاؤنا فيسكب الله علينا ما يساعدنا على التسبيح مجدّداً.

    يبدأ هذا التسبيح بلفظة “لأنّ”، التي تؤكّد أنّ الله الذي توّجهنا إليه في الصلاة الربّيّة قادر على إعطائنا ما طلبناه، لأنّنا أبناؤه، ولأنّ ما طلبناه هو ضمن إمكاناته. الملك، كما ورد معناه في المزمور 102: 19 (“ملكوته يسود الجميع”) يفيد سيادة الله على الخليقة، علينا، كملك، وهو ما رجوناه في طلبة “ليأت ملكوتك”. وهو الأمر الذي لا يرضى عنه الشرّير الذي طلبنا من الله في الصلاة، بإلحاح، أن ينجّينا منه ومن كلّ تجربة تصدر عنه. فالشرّير يكره التسبيح ويعتبره كذباً. ويثير المؤمنين محاولاً أن يمنعهم من إتمامه. ولذلك قلنا أعلاه بضرورة أداء المؤمنين هذا التسبيح، لأنّهم بذلك يبيّنون أنّ الشرّير الذي يريد تقويض مملكة الله هو الكاذب، كما وصفه يسوع، ومصدر الكذب، ويبيّنون، تالياً، أنّ الله هو “ملكهم قبل الدهور” الذي “يصنع الخلاص في الأرض” وينقذهم من براثين الشرّير. أمّا قدرة الله فتدلّ، كونها والمجد من صفات ملكه، على سيادته التي يظهرها في إحسانه على خليقته الحرّة. هي ليست قدرة متهكّمة أو متعسّفة، ولكنّها القدرة التي تبيّن أن الله صالح في جوهره وصالح في تدبيره الخلاصيّ. وإذا قلنا لله “لك المجد” فإنّنا نريد من قولنا أن نؤكّد أنّ الله صانعنا وفادينا. هو، الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين، مجيد في ذاته وفي ما يعمله في العالم. ونريده أن يكون مجيداً في قلوبنا التي لا يملك عليها إن لم نقدّمها له أحراراً كأبناء حقيقيّين. وهذا يفترض تعهّداً منّا بأنّنا لن نخون حبّه أبداً. وأنّنا سنلتزم، ما حيينا، تسبيحه وعبادته في كلّ وقت. ومن قدر على اتّخاذ هذا القرار، بجدّيّة كاملة، يشركه الله في حياته الإلهيّة ويورثه الملكوت الذي أعدّه لأحبّائه والمخلصين له.

    ولعلّه من المفيد أن نذكر أنّ موقع الصلاة الربّيّة التي يتلوها المؤمنون في القدّاس الإلهيّ هو بعد استحالة القرابين وقبل تقدّمهم من مناولة جسد الربّ ودمه. وهكذا يكون هذا التسبيح إعلان الكنيسة المجتمعة التي تمجّد الله الحاضر والآتي في آخر الأزمنة. فالإفخارستيا شأنها أن تنبّه المؤمنين أو تذكّرهم بأنّ هذا الملكوت الآتي حاضر الآن وهنا، وهم يمكنهم أن يذوقوه بالشوق والواقع “الآن” ويقبلوه “الآن” في اجتماعهم المقدّس. فكنيسة المسيح المجتمعة حوله هي “المكان” (إذا جاز التعبير) الذي يحضر فيه الله المثلّث الأقانيم بمجده، يحضر ليرفعهم إلى “فوق”، إلى “المكان” الذي أعلنوا في الخدمة عينها أنّهم منتمون إليه.

    كلّما قلنا لله المثلّث الأقانيم: “لأنّ لك الملك والقدرة والمجد”، فلنذكر أنّه ملك وقدير وممجّد باستقلال عنّا، وأنّ هذا التسبيح يكون صلاتنا الحقيقيّة إذا قبلناه ملكاً وحيداً على حياتنا، وفهمنا أنّه معيننا ومنقذنا، بقدرته، في أوقات الفوضى وفي كلّ وقت. ولنذكر، تالياً، أنّنا إذا تخلّينا، في حياتنا، عن كلّ مجد زائل يريد العالم أن يوهمنا أنّه أبديّ، يهبنا الله المجد الحقيقيّ في يوم الفرح الأخير ويعترف بنا أنّنا أبناؤه حقّاً.

     

    آمين

    لفظة “آمين” هي خاتمة التسبيح الثالوثيّ الذي تكلّمنا عليه آنفاً، وهي خاتمة الصلاة الربّيّة، وخاتمة كلّ صلاة يوجّهها المؤمن إلى الله أبيه. هي، في الأصل، لفظة عبريّة استعملت في الكتب المقدّسة وفي طقوس العبادة اليهوديّة، ومنها دخلت لغة العبادة المسيحيّة.

    في العهد القديم لا يقصد بهذه اللفظة اختتام الصلوات فحسب، ولكن أيضاً الموافقة على أمور أخرى مثل أوامر الملك (1ملوك 1: 36)، أو قبول مهمّة أو رسالة (إرمياء 11: 5) أو تحمّل مسؤوليّة قسم أو عاقبة حكم الله (عدد 5: 22). أمّا في العهد الجديد فتأتي اللفظة بعد سلسلة تسابيح (رومية 1: 25؛ غلاطية 1: 5؛ 2بطرس 3: 18؛ عبرانيّين 13: 21) (ويمكن أن تأتي قبل كلّ كلام: لفظة “الحقّ” التي تميّز بها كلام يسوع، منفردة أو مكرّرة، هي، في الأصل، آمين). وتعلن بها جماعة المصلّين، بفهمٍ، اتّحادها مع من يترأّس الصلاة باسمها (1كورنثوس 14: 16). وهي، في ختام أناشيد المختارين، تأخذ معنى تصديق وهتاف، خلال طقوس الشعائر السماويّة (رؤيا يوحنّا 5: 14، 19: 4).

    جذر اللفظة يعني: صادق، ثابت، صلد، أكيد. فمن يختم صلاته بلفظة “آمين” يعترف بأنّ ما قيل أمامه أو تلاه هو حقّ وأنّه مستعدّ أن يلتزمه بالكلّيّة. جوهرها، في الصلاة، جماعيّ أو احتفاليّ تعلنه الجماعة في احتفالاتها المقدّسة. وهكذا من يتلوها، في صلوات الجماعة أو منفرداً، إنّما يؤكّد ارتباطه بالجماعة وحياتها وشهادتها، ويعترف بالله وسيادة كلمته ويسلّم بقدرته وعطفه. يقول الأب ليف (جيله): “هذه الآمين لا يقولها المسيحيّ، بل عليه ألاّ يقولها لوحده. عليه أن يقولها مع الكنيسة ومع الكلّيّة القداسة الطا.هرة الفائقة البركات المجيدة سيّدتنا والدة الإله الدائمة البتوليّة مريم، ومع جميع القدّيسين الظافرين في السماء والمجاهدين هنا على الأرض، الكبار والصغار المعروفين والمجهولين”. وهذا يفترض أساساً أن يكون موقع هذه اللفظة قلب المؤمن قبل أن تلفظها شفتاه، وذلك ليؤكّد أنّ ما يسمعه أو يقوله إنّما يعي أنّه يخصّه شخصيّاً.

    يطلب تسبيح الصلاة الربّيّة، إذاً، أن نختمه بلفظة “آمين” (ويا ليت نقولها بانتباه وقوّة). وهذا، كما أكّدنا أعلاه، يعني أنّه يطلب أن نعترف بأنّنا واعون تماماً ما قصدنا أن نقوله للتوّ، وأنّ كلّ ما جاء في الصلاة هو حقّ ويعنينا كلّيّاً وموافقون عليه. وهكذا نوافق على أنّ الله أبونا، ونعلن أنّنا نعي قداسة اسمه في حياتنا، وأنّنا نرغب في أن يحلّ ملكوته ومستعدّون لأنّ نعمل كلّ شيء في سبيله، ونعمل لكي تتحقّق مشيئته في الأرض كما هي محقّقة في السماء من دون أيّ شرط، وأنّنا لا نفضّل شيئاً على طاعة كلمته، وأنّنا تالياً سنحاول أن نرفع حياتنا عن الأرض ونطلب من الله أبينا دائماً خبزه الجوهريّ أي لقمة عيشنا وكلمته وقرابينه ومجده الأسنى، نطلبه لنا ولإخوتنا ونساعدهم على كلّ ما يحتاجون إليه ليعرفوا الله وينشدوا قربه، ونعاهد الله على أن نتدرّب على أن لا ندين أحداً ولا نحقد على أحد، وأن لا نرى قوّتنا في أنفسنا، ولكن أن نرى قوّتنا بالله في مسيرة جهادنا ضدّ قوى هذا العالم الشرّير. وأنّنا أخيراً نعي أنّ الله ملكنا وأنّه القدير والممجّد فينا وفي الدهور كلّها.

    يبقى أن نعرف أنّ آمين الله هو يسوع المسيح. إذ ليس فيه وحده نعم ولا، بل نعم، أي آمين (2كورنثوس 1: 19 و20). وهذا يعني أنّ آميننا نحن الخطأة المجاهدين هي آمين على الرجاء، لأنّ تحقيقها غير ممكن من دون نعمة الله وعونه. وإذا كان يسوع هو الآمين فهذا يعني أنّ نَعَمَنَا ممكنة لأنّها كانت ممكنة فيه وفي القدّيسين الذين أخلصوا لله الودّ في حياتهم، وأنّنا به ومعه نقدر على كلّ شيء. هو، إذا قبلنا حبّه واتّحدنا به، ينقذنا من كلّ ضعف، أو تقاعس، ويجدّدنا لنوافق صورته فينا، ولتكون حياتنا كلّها بمثابة آمين لله.

    أن نقول “آمين” بانتباه وثقة هو أن نقولها بخوف الذين يحيون في العالم بمحبّة الله وينتظرون مجيء ابنه في اليوم الأخير ليختم زمان الناس ويختطفهم معه إلى فرحه الأبديّ. فليس من لفظة أخرى نظيرها تستحقّ أن ننهي بها صلاتنا وتستحقّ أن ننهي بها حياتنا، آمين.

    هذا الكتيّب هو عبارة عن عدة مقالات وردة في نشرة رعيتي 2002، وقمنا بتجميعها ضمن كتيب واحد

    نشرة رعيتي
    الأحد 11 آب 2002 العدد 32
    حتى
    الأحد 24 تشرين الثاني 2002 العدد 47

    Facebook
    Twitter
    Telegram
    WhatsApp
    PDF
    arArabic
    انتقل إلى أعلى