إله الغفران – تأمّل في المزمور المئة والتاسع والعشرين

 “لأنّ من الربّ الرحمة وهو يفدي إسرائيل من كلّ آثامه”

هل تجرحنا إساءاتُنا إلى الله؟ نعم على قدر محبّتنا له! وهذا قانون طبيعيّ حتّى في العلاقات العامّة. ولكن حين نشعر بذلك “كيف ننظر إلى علوِّ السماء من كثرة ظلمتنا؟ هذا ما يعترف به منسّى الملك في صلاته الشهيرة: “فإنّي قد أخطأتُ أكثر من عدد رمل البحر، قد تكاثرتْ آثامي، ولستُ أنا بأهل أن أتفرّس وأنظر علوّ السماء من كثرة ظلمي، وأنا منحنٍ بكثرة القيود لئلاّ أرفع رأسي وليس لي راحة، لأنّي أغضبتُ غضبك، والشرّ قدامك صنعتُ…”. إلاّ أنّ الله في الكتاب المقدّس هو إله العدل و”إله الغفران”. لذا يختلف المفسِّرون بتسمية مثل عودة الابن الضالّ، فالبعض يودّ تسميته مَثَل “الأب الحنون” والغفور.

Continue reading

صلاة التوبة – تأمّل في المزمور الخمسين

هل تستطيع الحكمة أن تختار المواقف الصحيحة للحياة دائماً؟ نعم ولكن في الأحرار! كم من الناس امتلكوا الحكمة، فسليمان “الحكيم” ذاته وأبوه داوود الملك والمرنّم امتلكا من الحكمة الكثير، لكنّهما أخطأا. مهما كان الإنسان حكيماً إذا سقط تحت عبوديّة الأهواء عفواً أم عمداً عن معرفة أو عن غير معرفة يَصِرْ عبداً لها ويسقط من مرتبة السيّد إلى مصافّ العبيد ومن علوّ الحكماء إلى بقعة الجهلاء.

Continue reading

5: 2- مراحِلُ الصلاة

– لقد ذكرتُ فيما سبق، أنّ الصلاة العقلية تتطلَّب بصورة رئيسية رفضاً للعالم، وطاعة للشيخ، وقراراً بتصميم الراهب على البقاء في الغربة، والمحافظة على تنفيذ وصايا المسيح لمدة (زمنية) طويلة يتركّز انتباهنا في البدء على تحقيق المسيح وعلى الإهتمام بالمنجزات النسكية، وهي الإمساك والطاعة. ونعلم من آبائنا القديسين أنّ الفضائل لا توحّد الإنسان مع الله توحيداً كاملاً بل تنشىء الجوّ المناسب لذلك ثم تأتي الصلاة ويتوحّد الإنسان مع الله القدوس المثلّث الأقانيم.

Continue reading

الفصل الثاني: في اللباس

 يبدو اللباس في عالم الضعف والخطيئة خدمة ونعمة للإنسان، فهو غطاء الجسد، وستره، في القر والحر. وبالتالي، فكرامة الأجساد هي مع اللباس، لا مع العرّي. التعرّي لا يكشف إلا قبح الأجساد وعورته، أما الجمال والمهابة، الإطلالة الحسنة والوقار، فكلها تعاش في اللباس، لا بدونه.

Continue reading

اللقاء الثالث والعشرين: مع الأب ثيوناس (3) – الكمال الذي نبغيه

1- “لست أفعل الصالح الذي أريده”

إذ بدأ النهار اضطر الرجل المسن تحت إلحاحنا الشديد أن يبحث أعماق الموضوع الذي تحدث عنه الرسول فقال:

أما بخصوص العبارات التي تحاولون أن تظهروا بها أن الرسول لا ينطق بها عن نفسه بل على لسان الخطاة قائلاً: “لأني لست أفعل الصالح الذي أريدهُ بل الشر الذي لست أريده فإيَّاهُ أفعل”، أو قوله “فإن كنت ما لست أريدهُ إياهُ أفعل فلست بعدُ أفعلهُ أنا بل الخطية الساكنة فيَّ”، أو قوله “فإني أسرُّ بناموس الله بحسب الإنسان الباطن، ولكني أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية” (رو19:7-23)، فإنه بالعكس يظهر أن العبارات لا تلائم الخطاة (غير التائبين) بل تنطبق على الكاملين، الذين يقتدون بالرسل الصالحين.

Continue reading

الجسد والعفة والحب

الجسد هيكل الروح القدس… الأب الياس مرقس

  1. من الناحية الأنتولوجية الكيانية وعلى مستوى الخلق
  2. من ناحية بنية الكائن البشري العضوية
  3. من ناحية الموقف الأخلاقي.

نظرة لاهوتية إلى العفة والحب… للمطران جورج خضر

Continue reading

ستعود بقوة أعظم، رسالة من القديس يوحنا الذهبي الفم إلى ثيودور بعد سقوطه ووقوعه في اليأس

مقدمة

تادرس (ثيؤدور) اليائس

كان تادرس صديقًا للقديسين يوحنا الذهبي الفم وباسيليوس في الحياة النسكية، ولكن أغواه جمال امرأة شابة حسنة الصورة تدعى Hermoine، فسقط في حبها ورغب في الزواج منها.

سقط تادرس الناسك في حب هذه المرأة، لكن سقطته الكبرى كانت تتركز في يأسه من قبول الله له وإمكان عودته إلى حياته النسكية الأولى، خاصة وأنه زميل وصديق لقديسين من أعظم قديسي الكنيسة.

Continue reading

الباب الثالث: الفصل الأول: الخطوط الكبرى في الكتاب

نعتزم الآن الدخول بصورة أعمق إلى فحوى الكتاب وقوامه الداخلي. اقترابنا منه ليس بعد اقتراباً خارجياً بل سنحاول الدخول في كلام الله وإدخال كلام الله فينا. هذا الموقف يجب أن يكون موقفنا في كل ما سنراه في هذا الباب.

نستطيع قبل كل شيء أن نميز ثلاث مراحل لسر كلام الله في الكتاب:

  1. المرحلة الأولى مرحلة إنشاء هي الخلق وتوابعه.
  2. المرحلة الثانية هي السقوط أو الخطيئة. كانت الخليقة حسنة فقاومها الإنسان بموجب حريته فنتج عن ذلك التشتيت والاضطراب.
  3. المرحلة الثالثة هي العودة إلى الوضع الأول بواسطة الله، ولكن بصورة أفضل وأعمق وأعلى، لأن الإله نفسه الذي خلق العالم في البدء ينزل الآن كلياً إلى العالم ويتبنى صورة الإنسان من الداخل… هذه خلاصة عامة جداً عن الكتاب المقدس.

Continue reading

تتمة العظة الرابعة عشر: الرسالة إلى رومية – الإصحاح الثامن: 1-11

          لقد مضى الرسول في موضوع آخر، بينما ترك موضوع الخلاص كأمر مُسلّم به مكتفياً بما أظهره لنا. هذا الموضوع هو أننا لم نتحرر فقط من الأشياء السابقة (العتيقة)، بل أيضاً سنفوز من الآن فصاعداً. لأنه:

” .. لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ” (رو1:8).

          لم يُشر إلى هذا من قبل، إلى أن تذكّر الحالة السابقة مرة أخرى. لأنه بعدما قال: ” إذاً أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية ” أضاف ” لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع “. ولأنه كان ضد الكثيرين الذين يخطئون بعدما نالوا المعمودية، لذا نجده يتناول هذا الأمر، فلم يقل فقط ” الذين هم في المسيح يسوع “، بل ” السالكين ليس حسب الجسد “، لكي يُبرهن على أن كل شيء يسبينا إلى ناموس الخطية بعد ذلك، هو نتيجة خمولنا. إذ علينا الآن أن نسلك ليس حسب الجسد، وهذا ما كان يصعب تحقيقه قبل ذلك.

         6  ثم يُثبت ذلك بطريقة مختلفة قائلاً:

Continue reading

العظة الرابعة عشر: الرسالة إلى رومية – الإصحاح السابع: 14-25

” فإننا نعلم أن الناموس روحي وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية” (رو14:7).

          1 ـ ولأن الرسول بولس قال سابقاً إن هناك شرور كثيرة قد صارت، وإن الخطية قد أصبحت أكثر قوة عندما كانت هناك الوصية، وإن ما حاول الناموس تحقيقه قد حدث عكسه، فإنه بذلك يكون قد وضع المتلقي لرسالته في حيرة كبيرة. لذلك أخذ هنا يتحدث عن كيف صارت الأمور على هذا النحو بعدما برأ الناموس من الشبهة الخبيثة. وحتى لا يعتقد أحد أن قول الرسول بأن الخطية اتخذت فرصة بالوصية، وأنه عندما أتت الوصية عاشت الخطية، أنه خُدع وقُتل، وأن الناموس هو سبب كل هذه الشرور، راح الرسول يدافع أولاً عنه بكلام مستفيض، ليس فقط مبرءاً إياه من الإدانة، ولكن موجهاً له أعظم المديح. وهو يذكر ذلك، ليس باعتباره متُفضلاً على الناموس، بل كمن يُعبّر عن حكم عام معروف لدينا جميعاً. إذ يقول: ” لأننا نعلم أن الناموس روحي”. كما لو أنه كان يقول إنه لأمر معروف وواضح، أن الناموس روحي، وأنه بعيداً كل البُعد عن أن يكون سبباً للخطية، ومسئولاً عن الشرور التي تحدث.

Continue reading

تتمة العظة الثالثة عشر: الرسالة إلى رومية – الإصحاح السابع: 1-13

بعد أن انتهي من الكلام عن التعاليم العملية الأخلاقية، نجده يعود مرة أخرى للتعاليم الإيمانية قائلاً:

” أم تجهلون أيها الأخوة؟ لأني أكلّم العارفين بالناموس ” (رو1:7).

          إذاً بعد أن قال إننا متنا عن الخطية، يوضح هنا أنه ليس الخطية فقط هي التي لن تسود عليهم بل ولا الناموس أيضاً. فإن كان الناموس لا يسود عليهم فبالأولى جداً لن تسود عليهم الخطية. ثم يجعل كلامه مبهجاً، موضحاً ذلك بمثال من الواقع. ويتضح من هذا المثال أنه يتكلم حقاً عن أمر واحد، له دلالتين، الأولى أن المرأة لا تعد تخضع لناموس الرجل بعد موته، ولا يوجد ما يمنعها أن تصبح زوجة لآخر. والثانية أنه ليس فقط الرجل هو الذي مات في هذه الحالة بل، والمرأة أيضاً، ولكن بالنسبة لناموس الرجل (أي التزامها به كزوجة) وبناء على ذلك  فإنها تتمتع بحرية مُزدوجة، فعندما يموت الرجل، تكون قد تحررت من السلطة (أي من سلطة الرجل)، وعندما يظهر أنها هي ذاتها قد ماتت (عن التزامها بناموس الرجل)، فقد صارت بالأولى جداً، حرة. فلو أن حدثاً واحداً (أي موت الرجل) يُحررها من السلطة (أي من سلطة الرجل)، فبالأولى كثيراً عندما يتحدا الحدثان معاً (أي موت الزوج وموت الزوجة عن التزامها بناموس الرجل). وحيث إنه أراد أن يتقدم في الكلام للتدليل على كل هذا، فإنه يبدأ في مدح المتلقين لرسالته قائلاً: ” أم تجهلون أيها الأخوة؟ لأني أكلّم العارفين بالناموس”. بمعنى أني أتكلّم عن أمر معروف وواضح جداً لأناس يعرفون كل هذه الأمور بكل دقة.

Continue reading

العظة الثالثة عشر: الرسالة إلى رومية – الإصحاح السادس: 9-23

” أتكلم إنسانياً من أجل ضعف جسدكم. لأنه كما قدمتم أجسادكم عبيداً للنجاسة والإثم للإثم هكذا الآن قدموا أعضاءكم عبيداً للبر للقداسة” (رو19:6).

          إن الرسول بولس طلب منهم أن يكونوا يقظين بالنسبة للحياة التي يعيشونها، حاثاً إياهم أن يكونوا أمواتاً عن العالم، وأن يكونوا قد ماتوا عن الشر، ويبقوا ثابتين في مواجهة الخطايا، والواضح أنه قال لهم أمراً كبيراً وثقيلاً ويفوق قدرات الطبيعة الإنسانية، إلاّ أنه أراد أن يُبيّن أنه لم يطلب شيئاً مُبالغاً فيه، ولم يعطِ انطباعاً بأنه طلب من ذاك الذي تمتع بعطية عظيمة بهذا القدر أن يفعل فعلاً عظيماً، لكنه أراد أن يظهر شيئاً معتدلاً جداً وسهلاً، فاستخدم هذه المفارقة وقال: ” أتكلم إنسانياً ” كما لو كان قد قال إن هذه الأمور عادةً ما تصير بالمنطق الإنساني. وسواء كان هذا الشيء كبيراً أو متوسطاً، فإنه يوضحه من حيث أنه إنساني. لأنه في موضع آخر يقول: ” لم تصبكم تجربة إلاّ بشرية “ [1] أي بحسب قدرات الإنسان. كما قدمتم أجسادكم عبيداً للنجاسة والإثم للإثم. هكذا الآن قدموا أعضاءكم عبيداً للبر للقداسة “. وعلى الرغم من أنه يوجد اختلاف كبير بين السادة، لكنني أطلب معياراً متساوياً من جهة العبودية (للبر)، وبالأكثر جداً أن تقدموا أعضاءكم عبياً للبر والقداسة، على قدر ما لهذه السيادة (سيادة البر) من عظمة وأفضلية، مُقارنةً بسيادة الخطية. لكنني لا أطلب منكم شيئاً أكثر بسبب ضعفكم.

Continue reading