الفصل الأوّل: سر الليتورجيا أو كنهها

مدخل

لا نقصد الليتورجيا كطقس، بل الليتورجيا التي ما وراء الطقوس. إن الطقوس كمجموعة حركات بشرية مختلفة ومتنوعة تراث ثمين جداً في الأرثوذكسية. ولكن بداهة الليتورجيا ووحدتها تجعلانها تتجاوز كل شكل للعبادة يتصوره الإنسان أو يحققه.

Continue reading

من أجل فهم أفضل للقداس الإلهي

تمهيد

ليست هذه الصفحات ترجمة جديدة لخدمة القداس الإلهي التي كتبها القديس يوحنا الذهبي الفم. ولا هي دراسة لهذه الخدمة متسلسلة. كذلك لا تحتوي شروحات تاريخية ولا توسيعات لاهوتية { من أجل المزيد من المعلومات على القداس الإلهي، راجع (مدخل إلى القداس الإلهي)، لكوستي بندلي، و (من أجل فهم الليتورجيا وعيشها) لرهبنة دير الحرف، و (ذبيحة التسبيح) لفريدا حداد، و (مائدة الرب) للأب افناسييف، و (الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة) لتيموثي وير، و (العبادة الفردية والعبادة الجماعية) للأب فلوروفسكي، كلها في منشورات النور (الناشر) }. هي تعليقات (notes) بسيطة، أي ملاحظات مختصرة تُبرز بعض المقاطع من نص الخدمة وبعض المواضيع الرئيسة من هذه الصلاة الطويلة والكثيرة الغنى التي حملها القديس يوحنا الذهبي الفم من أنطاكية إلى القسطنطينية في القرن الرابع، والتي هي، في خطوطها العريضة، مثبتة في مخطوطات يونانية من القرن الثامن. ولقد أردنا توجيه انتباه المؤمنين وتفكيرهم إلى بعض الذرى الروحية في هذا النص.

Continue reading

الصلاة الربية

تعتبر “الصلاة الربّيّة” (أبانا الذي في السموات ليتقدّس اسمُك…)، كما أسماها، لأوّل مرّة، القدّيس كبريانوس القرطاجيّ (+258)، من أكثر الصلوات التي يتلوها مسيحيّو العالم شهرةً، وذلك أنّها “الصلاة” التي علّمها يسوع للكنيسة، وأرادها نموذجاً لكلّ صلاة.

منذ البدء أبدى آباء الكنيسة اهتماماً بالغاً بهذه الصلاة، فتركوا تفسيرات كثيرة عنها، وعملوا على إدراجها في الأسرار المقدّسة والصلوات الكنسيّة. وهي موجودة اليوم في جميع صلواتنا الجماعيّة والفرديّة.

Continue reading

شرح الصلاة الربية

    أبانا الذي في السموات

    لا تعني عبارة “أبانا الذي في السموات” انّ الله ليس موجوداً في الأرض، او كما نقول في طقوسنا “في كل مكان” (او انّه بمعنى آخر، محدود في مكان). المسيحيّة الشرقيّة ذهبت الى أبعد من هذا التصريح، ففي تعليمها، المتعلّق بالتجسّد خصوصاً، أكّدت ان كل مسافة او فرق بين الأرض والسماء، أو ما هو فوق وما هو تحت، ألغي في المسيح يسوع. ولعلّ الكلام الذي تورده كتبنا المقدّسة، فيما تربط بين التجسّد ونهاية الزمان (غلاطية 4: 4؛ عبرانيّين 1: 2)، خير تعبير عن أنّ كلّ شيء قد “ابتلع” في المسيح يسوع. فيسوع هو، وحده، في هذا الدهر وفي الدهر الآتي، “المكان” (إذا جاز التعبير) الذي يتجلّى فيه الله المثلث الأقانيم ويظهر للذين قبلوا حبّه وسيادته. وهذا يمكن توضيحه بتأكيد آخر، وهو أنّ الله الذي هو، في جوهره، “غير مدنو منه” (قد يكون هذا التعريف هو أحد أهمّ معاني عبارة “أبانا الذي في السموات”) هو إله محبّ (أنظر: إنجيل يوحنّا ورسائله). فالمحبّة هي التي تبسط حقيقة الله الأزلية وكلّ عمله الخلاصيّ في التاريخ. وهذا يعني أنّ قلب الإنسان هو مسكن الله الحقيقي. “إنّ ملكوت الله في داخلكم”، يقول يسوع (لوقا 17: 21). ولعلّ كلامه الوارد في إنجيل يوحنّا يوضح ما نريد قوله هنا، وهو: “إذا أحبّني أحد حفظ كلامي فأحبّه أبي ونأتي إليه فنجعل لنا عنده مُقاماً” (14: 23). فالقلب البشريّ هو، في العمق، سماء الله الحقيقيّة، وما سنقوله في ما يلي هو تفصيل لهذه الثوابت.

    Continue reading