تفسير العهد الجديد في الكنيسة الأرثوذكسية

تُحفظ الأناجيل، التي هي جوهر العهد الجديد وجزء مهم منه، بشكل دائم على المائدة المقدسة في كل كنيسة أرثوذكسية. من عن هذه المائدة يأخذ الكاهن النصّ، المعروف ليتورجيًا بـ”الإنجيل المقدس”، ليقرأه في اجتماع المؤمنين الليتورجي ثم يعيده إلى مكانه بعد القراءة. هذا يشير إلى المكانة المهمّة التي لكلمة الله وكذلك إلى عمق العلاقة القائمة بين الكتابات المقدسة والكنيسة الأرثوذكسية. فالكنيسة لا تحافظ على هذه الكتب ثم تقرؤها للمؤمنين فقط، لكنها أيضاً تفسرها بطريقة مسؤولة وذلك عبر العصور.

سنبدأ الآن بعرض تحليلي:

  • أ‌. للميّزات الأساسية للتفسير الأرثوذكسي للكتابات بالعودة، بشكل خاص، إلى العهد الجديد.
  • ب‌. للعلاقة بين الكتب المقدسة والكنيسة بطريقة موجزة.
  • ت‌. سنخلص إلى العلاقة الجدلية القائمة بين الإخلاص للتقليد والحاجة الملحة اليوم لتقديم الكلمة الإنجيلية بفعالية اكبر.

أ- الميّزات الأساسية للتفسير الأرثوذكسي للكتابات

لنفهم بشكل أفضل عمل الكنيسة التفسيري، يجب أن نضع نصب أعيننا الفرضيات الأساسية الثلاث التالية:

1. يفرِّق اللاهوت الأرثوذكسي بين الحق، الذي هو الله نفسه كما أُعلن بيسوع المسيح وقد “حلَّ بيننا” (يو14:1)، وبين تدوين الحقيقة الخلاصيّة في أسفار الكتاب المقدس. هذا التمييز بين التدوين والحق يؤدي، بحسب ثيودور ستيليانوبولوس، إلى النتائج المهمة التالية: أولاً، إنه يقي من تماهي سر الله مع حرفية الكتابات. ثانياً، إنه يسمح بأن تُرى في الإنجيل خبرة أشخاص عديدين في علاقتهم مع الله مكتوبة بلغتهم الخاصة، في عصرهم وظروفهم، في رموزهم وصورهم وفي أفكارهم الخاصة عن العالم. بتعبير آخر، إنه يسمح بعلاقة ديناميكية بين كلمة الله، الموجودة في الكتب والتي تؤلّف حقيقة الإنجيل، وبين كلمات البشر، التي هي أشكال بشرية بها تُنقل كلمة الله. ثالثاً، إنه يفترض أن الكنيسة الأرثوذكسية تَجُلّ أيضاً بشكل عالٍ كتابات أخرى عن الخبرة مع الله ككتابات الآباء القديسين، والأشكال الليتورجية ونصوصها ومقررات المجامع المسكونية. هذا ينقذ الكنيسة من حصر تركيزها في الكتاب المقدس. أخيراً، الاعتراف بعلاقة متحرّكة بين الحرف والروح يقضي على التطرف الكتابي العقائدي كموقف لاهوتي (وهو القول أن الله أملى الكلمات التي نقلها حرفياً فيما بعد كتّاب مكرسون)، وتاليًا يحمي حياة المؤمن الأرثوذكسي من خطأ التبجيل الصنمي لنص الكتاب المقدس (bibliolatry والمغالاة في إجلال الكتاب المقدس). مع كل ذلك، هذا التمييز بين التدوين والحق ليس هدفه التقليل من أهمية الإنجيل. فإذا كانت الكنيسة الأرثوذكسية تقدّر كتابات أخرى عن الخبرة مع الله، فالإنجيل يبقى التدوين الأول في التقليد اللاهوتي وفي عبادة الكنيسة[1].

2. ما نسميه “التقليد” في الكنيسة الأرثوذكسية ليس سوى خبرة الكنيسة الحيّة مع الكتاب المقدس على مدى تاريخها[2]، وهذا ما لا يفهمه اللاهوتيون غير الأرثوذكسيون. وبما أن التقليد هو حياة، أي أنه فعل تلقي كنز الإيمان وتسليمه، فإنه ليس بأي معنى أمر جامد وهزيل، بل هو يملك المقومات الأساسية لأي كائن حي: الحركة، التقدم، استيعاب المحيط وتغيراته، وأخيراً، إلغاء ونبذ العناصر الخاصة التي فقدت ارتباطها العضوي بجسد المسيح الحي.

3. كان تفسير الكتاب المقدس مهمة جسد المسيح في المسيرة التاريخية للكنيسة الأرثوذكسية. مما يعني أن تفسير أسفار العهدين القديم والجديد لا يمكن أن يكون مهمة شخص منفرد يعمل بنفسه، مهما علا شأنه الأكاديمي، بل هو مهمة الكنيسة وهو عمل يغذيه الروح القدس وموهبة منه. مع ذلك، فقد حازت محاولات التفسير الفردية لبعض اللاهوتيين، في الماضي والحاضر، الاستحقاق والتقدير إذا اتفقت في النقاط الأساسية مع إجماع الوعي الكنسي حتى ولو كانت طرق تعبير هؤلاء اللاهوتيين مبتكرة وشخصية تمامًا.

هناك ملاحظة نسوقها حول هذه الفرضيات الثلاث: أن يماهي بعض اللاهوتيين بين الحق وحرفية الكتاب (بمعنى آخر انهم صنّموا النص الكتابي)، و أن ينظروا إلى التقليد كعامل يعيق واقع الحياة لا كخبرة حية للكتاب المقدس، وألاّ يفسروا الكتاب كأعضاء ملتزمين في جسد المسيح. إذا وجدت هذه الانحرافات الثلاث التي هي الشكل المرَضي للفرضيات المذكورة آنفاً، عندها ستتأثر الأرثوذكسية وكل صورها في العالم غير الأرثوذكسي بشكل مباشر. في مطلق الأحوال، تبقى قوة الحقيقة مستمدة من الله نفسه حتى ولو كان العرض البشري لهذه الحقيقة ضعيفاً.

بعد أخذ هذه الفرضيات بعين الاعتبار، نستطيع الآن تفصيل الميّزات الأساسية للتفسير الأرثوذكسي للكتاب المقدس:

1. المسيحية تحمل صفة تاريخية واضحة، على أساس أنها الكشف الإلهي في التاريخ. فلا يمكن للاهوت ولا للتفسير الكتابي، بشكل خاص، التغاضي عن الأخذ الجدي بعين الاعتبار الأوضاع التاريخية التي تفترضها أسفار العهدين القديم والجديد، وذلك منعاً للانحراف نحو نوع من الغنوصية. فقد حاربت كنيسة القرون الأولى بلا هوادة الهرطقة الغنوصية التي أضعفت، ضمن الذهنية الهللينية القائلة بثنائية المبدأ، الأسس التاريخية وقادت الناس إلى غير المدرك واللامادي. لم تواجه الكنيسة هذا الانحراف بالـ”ما ورائيات” المسيحية ولكن بـ”عثرة” الحدث التاريخي للصلب، الذي هو قمة التدبير الإلهي وبالأحرى “سر التدبير الإلهي”. كلمة الله “صار جسداً وحلّ بيننا” (يو1: 14)، لكي يفتدي البشرية ويحوّل العالم ليس إسخاتولوجياً فحسب بل تاريخياً، في الحاضر.

اللاهوتي الأول في الكنيسة، الذي شدّد على الصفة التاريخية لسر تدبير الله الخلاصي، كان إيريناوس أسقف ليون، الذي قدّم، في كتاباته ضد الهرطقات (القرن الثاني م.)، تاريخ الكتاب المقدس على أنه مسرحية أبطالُه ونجومُها الله والإنسان، حيث يضعهما إزاء بعضهما ضمن الأوضاع الحسية التي توجد في كل زمن معين. ضمن هذه الأوضاع التاريخية الحسية، يسعى أحد البطلين نحو الآخر. فالأول (الله) يسعى، بشكل خاص، نحو الثاني (الإنسان) الذي ينزلق ويخطئ باستمرار حتى ينتهي بهما المطاف أخيراً إلى لقاء بعضهما في المصالحة، في المسيح الذي “يجمع الكل في ذاته”، بحسب التعبير البولسي المفضّل لدى إيريناوس.

يلتقي التقليد الآبائي التفسيري بمجمله عند خط الصفة التاريخية للفداء، بالرغم من الأوضاع المختلفة، التي تحدد حاجات ومواقف كل مفسر، في كل زمن. ولا بد من التنويه هنا بأن التفسير الآبائي يتم من خلال المنظار الكتابي وليس بحسب افتراضات فلسفية مجردة. وفي الوقت ذاته يؤكد هذا التقليد على مفارقة التاريخ استناداً إلى واقع قبول الآباء: أ-بقدرة الله المطلقة وبحرية الإنسان في الوقت عينه. ب-بالنعمة الإلهية المقدسة، وأيضًا بدور خطيئة الإنسان في التاريخ. ج-بتاريخية الأخرويات وبما يتخطى تاريخيتها، في الوقت ذاته.

2. الصفة الإكليزيولوجية: وهي ميزة رئيسية ثانية يتميز بها التفسير الكتابي الأرثوذكسي. صفته كعمل كنائساني مردّها إلى اختبار المفسّر لسرّ الشكر واستنارته بروح الله. فحقيقة أن يسوع عاش في زمن تاريخي محدد ومكان حسي على الأرض وأنه علّم، وصنع العجائب وصلب على عهد بيلاطس البنطي، هي حقيقة يمكن إثباتها بالوسائل التاريخية المتعارف عليها. إلا أن حقيقة أن يسوع هو الرب القائم الذي باستطاعته أن يعمل بفاعلية في حياة كل إنسان، حقيقة لن يقبلها إلا مَن يعيش “في الروح القدس” (1كور12: 3). بتعبير آخر، إن التاريخ (دون أن يتوقف عن أن يكون الأرض الصلبة للمفسر) يصير لاهوتًا عندما نضع نصب أعيننا ليس فقط الحدث التاريخي بحد ذاته ولكن أيضًا قيمته لدى الناس عند حدوثه وفي زمننا الراهن، وهنا تكمن أساسًا رسالته الوجودية. الفهم الخاص للكتاب المقدس هو أنه حركة تسير في اتجاهين: اتجاه نحو الزمن الذي كتب فيه النص، وهو تفسير النص (هذا ما سبق وأشرنا إليه في عرض الميزة الأولى للتفسير الكتابي الأرثوذكسي، أي الصفة التاريخية). والاتجاه الآخر نحو زمننا، وهو التفسير الرئيسي للنص أي رسالته. هذا ما اعتمدته الكنيسة دائماً في تفسيرها-مع الآباء وفي زمننا- وما زال الأمر كذلك في أي وقت ومع أي كان.

3. الصفة الآبائية تعطي التفسير الأرثوذكسي طابعاً خاصاً. تشير هذه الميزة، إذا فُهمت كما ينبغي، إلى استمرارية خلاّقة لروح الآباء، وهذه ليست اجترارًا أعمى لتفسيراتهم في متغيراتنا التاريخية والاجتماعية والأكاديمية، بل هي إخلاص للأسلوب الحي بتحويل معنى التاريخ الإنجيلي إلى عظة حياة ونداء وجودي، وذلك بطريقة لاهوتية. غني عن القول، أن هذا الإخلاص هو ثمرة المشاركة بين تقليد التفسير وحياة الكنيسة.

في أيامنا، طرح البعض، عن سوء فهم متعمد وغير متعمد، مسألةَ العلاقةِ بين الكتاب المقدس والآباء. بإمكاننا القول هنا أن التاريخ الكتابي، وأحداث الكتاب المقدس، لها امتدادات في حياة الكنيسة. كما يمكننا القول أن الوجدان الأرثوذكسي يفهم الكتاب المقدس ويختبره من المنظار الإكليزيولوحي الواقعي. فيرى العهد القديم مرآةً تعكس صورة المسيح وكنيسته، ويرى العهد الجديد كتاب الكنيسة، فيتحوّل هكذا الكتاب، من خلال الإفخارستيا، خبرة حياة. كل هذه الاعتبارات، لا تبرر أي جمود مَتْحَفيّ . فروح الله الذي أسس الكنيسة وهداها هو روح حرية وليس روح عبودية. بإسم هذا الروح، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار السعي الدائم للحفاظ على الرسالة. ما نحتاج إليه اليوم هو إحياء لفكر الآباء الإبداعي وذلك ضمن أطر الشروط الحديثة، بدل الإحياء الأعمى للآباء.

الدراسة التحليلية للمقاربات الآبائية للكتاب المقدس تساعدنا على فهم ما قيل سابقًا.

أ- لم يكن التفسير بالنسبة لآباء الكنيسة نهجاً أكاديمي وعملاً سكولاستيكياً داخل المكتبات، لكنه كان عظة تلقى في اجتماع شعب الله. لذلك، فهو مباشر وحيّ ويخاطب عقل المستمع وقلبه في آن، وهو لا يعمد إلى ملء عقولهم بالمعرفة المستقاة من الكتاب المقدس لكنه يهدف لإرشادهم إلى الأعمال، وإلى أخذ موقف، وبالحري تجديد موقفهم (أي التوبة)، من الصليب وقيامة المسيح، هذا هو جوهر العهد الجديد بشكل خاص. بهذا المعنى وكواعظين بكلمة الله يربط الآباء بأمانة كلمة الحياة هذه بعصرهم بطريقة مفيدة لمستمعيهم ولقرائهم اللاحقين. يربطونها بالمسائل الحسيّة التي تعترض مسيحيي عصرهم بهدف توفير حلول عملية لحماية المؤمنين وتعليمهم. لم يترددوا للحظة بتحليل مَثَل الزارع ليحددوا بدقة هرطقات معاصرة ومألوفة على أنها الأرض الصخرية والشائكة ويماثلوا تدرج التربة الصالحة بفئات المسيحيين في زمانهم (مثال نموذجي هي خطبة القديس يوحنا الذهبي الفم “عن الزارع الذي خرج ليحصد….”[3])

يتركّز اهتمام الآباء بشكل واضح على معاصريهم، ولهذا السبب ينطلق منهج التفسير لديهم من المسيح والرسل إلى زمانهم، بعكس البحث الحديث في الغرب بشكل خاصة حيث يفتش الباحثون عن صوت يسوع نفسه ipsissima vox jesu من خلال النصوص وأيضاً من خلال مجموعة المستمعين الأوائل الذين توجّه إليهم يسوع. هذا المسار الرجعي نحو الهدف الأول والمجموعة الأولى من المستمعين له بالطبع التقدير الأكاديمي، ومع ذلك، فإن المسار المعاكس من جماعة المستمعين الأولى إلى المستمع والقارئ الأخير والحديث، إذا جاز التعبير، له أيضاً قيمة تعليمية إضافية. وينال هذا المسار تأييد الآباء الذين هم، بالدرجة الأولى وقبل أي شيء، واعظين ومعلمين لجماعة المصلين في الكنيسة.

ب- استعمل الآباء المفسرون، بالإضافة إلى الربط العضوي للنص الإنجيلي بزمانهم، المعارفَ العلمية في عصرهم من أجل فهم الكتابات. هذا ما شدّد عليه الآباء الكبادوكيون في القرن الرابع كما هو الحال في مؤلَّف القديس باسيليوس الرائع “الأيام الستةHexaemeron” الذي يتألّف من مجموعة عظات صباحية ومسائية أُلقيت في قيصرية كبادوكية في فترة الصوم من السنة 370م. هذا الأسلوب الآبائي باستعمال المعرفة العلمية لفهم أفضل لكلمة الله له دلالة خاصة في عصرنا، فمن ناحية يمكن لتعدد التطورات العلمية والتكنولوجية، إذا استُعملت بالشكل الصحيح، أن تساعد في تفسير كلمة الله ضمن الأطر الواقعية لعصرنا، ومن ناحية أخرى يظهر كم هو غريب عن التقليد الأرثوذكسي موقف بعض التقويين الذين يعتبرون أن المعرفة، حتى اللاهوتية، هي غير ضرورية لا بل مخالفة للإيمان و ضد الإيمان. هذا الموقف معاكس كلياً للمنهج التفسيري للآباء.
 
ج- إن اهتمام الآباء المفسرين بربط الحدث الإنجيلي بمشاكل عصرهم، بالإضافة إلى استعمالهم الدائم للمعارف العلمية لفهم أوضح، قادهم بشكل طبيعي إلى تفسير وجودي لرسالة الإنجيل. فبالطريقة ذاتها التي ركّز فيها كتّاب الأسفار المقدسة على البشرية، بمعنى أن تدبير الله الخلاصي بالمسيح، المعلَن عنه مسبقاً في العهد القديم والمحقَّق في العهد الجديد، هو تدبير يرتبط بالبشرية وخلاصها. هكذا، في الفكر واللاهوت الآبائيين وبالتالي في تفسيرهم الإنجيلي، البشرية ومشاكلها الوجودية المقلقة هي نقطة مركزية لا يمكن التغاضي عنها.
كمثالٌ نموذجي على هذا النمط من التفسير الوجودي والإنساني، يمكننا أن نذكر تفسير الأمثال المتعلقة بالحديث عن اليوم الأخير (الدينونة). دون إهمال الواقع الأخروي لهذه الأمثال، يركّز الآباء على الواقع البيولوجي لنهاية حياة كل إنسان ويشددوا على الوعي الروحي الدائم بالنظر إلى هذه النهاية، لئلا تُؤخَذ البشرية وبخاصة المؤمنين على غفلة. إن تفسير القديس يوحنا الذهبي الفم لمَثَل رب البيت اليقظ (متى24: 42-44) هو مثل نموذجي، إذ يعتبر أن مجيء ابن الله المفاجئ يُفسَّر على أنه رمز لنهاية حياة كل إنسان[4].

د- يمكننا أن نجد تنوعاً كبيراً في الأنماط التفسيرية عند الأب نفسه وحتى في العمل ذاته. هذا التنوع يبرهن صحة التقليد الآبائي التفسيري. بالإضافة إلى ذلك، فإن تداخل الأصوات التفسيرية المتعددة للآباء تطوّرت حول موضوع مشترك ألا وهو إيمان الكنيسة بالحدث المركزي لصلب المسيح وقيامته ونتائج هذا الحدث الخلاصي الذي يختبره كل إنسان في الكنيسة. داخل هذا الإيمان ليس من تعدد للأصوات ممكن. إلا أنه في إطار المواضيع الكتابية المختلفة فتداخل الأصوات المتعددة ليس فقط مسموح به بل وضروري لإبراز غنى الكتاب المقدس.

لا تستنفد الوقائع المذكورة آنفاً اتساع آفاق التفسير الآبائي للكتاب المقدس، ولكنها تُظهر على الأقل أربعة أوجه نموذجية له وهي تستحق أن تُدرَس كمراجع، ليس بمعنى التكرار الدقيق لها اليوم، ولكن بالمعنى الذي يجب أن يقف فيه المفسر المعاصر ضمن أطر المشاكل الواقعية لعصرنا.

4-تنبثق من ميزات التفسير الكتابي الأرثوذكسي السابق ذكرها النتيجة التالية لعمل الكنيسة التفسيري: تمهيد السبيل نحو أي شيء إيجابي يمكن لخليقة الله المنظورة أن تقدمه، الخليقة والتاريخ، أي تقبّل “كل ما هو حق وشريف وعادل وطاهر وبكل ما هو مستحب وحسن السمعة وما كان فضيلة وأهلاً للمديح” بحسب رسالة القديس بولس إلى أهل فيليبي (4: 8). على أساس هذا التقبّل لمجمل الحقيقة المخلوقة أدخلت الكنيسة على مر العصور، بدون خوف وتردد، “كلَّ ما قيل بصدق من قِبَل أي إنسان” بحسب تعبير القديس يوستينوس.

مثال على هكذا دمج إبداعي، هو تمهيد سبيل الآباء عبر أفكار عصرهم الفلسفية التي ما زالت تستخدم إلى اليوم كدليل واضح. لم تتردد الكنيسة يوماً في تبني كل ما من شأنه أن يعبّر عن الحقائق المسيحية في مضمار الفنون والآداب. في هذا السياق، فإن عبارة الشاعر اليونانيMenander  (القرن الرابع ميلادي) “هناك عين للعدالة، تراقب كل شيء”[5] أُدخلت، على سبيل المثال، دون أي مشكلة إلى ايقونسطاس عدد من الكنائس الأرثوذكسية وهي تعبّر عن كلية وجود الله وحكمه العادل.

بالإضافة، يمكننا اليوم أن نؤيد بأن تمهيد الطريق للتفسير نحو النظام الحديث يجلب الإفادة للكنيسة أكثر منه الضرر. فالفيزياء الحديثة، العلوم الطبيعية الجزيئية، البحث الاجتماعي والإنجازات التكنولوجية يمكن أن تُستخدم من أجل فهمٍ أفضل لكلمة الله في عصرنا. مثل القديس باسيليوس هو بالنتيجة تعليمي جداً: “فالإحجام عن الاستهتار في سماع الكلام اللاهوتي، بل التدقيق في كل كلمة وفي كل حرف لاستقصاء المعنى الخفي ليس من شأن المتكاسلين في التقوى، بل العارفين غاية دعوتهم، لأن المطلوب منا أن نتشبّه بالله على مقدور طبيعة الإنسان. ولكن التشبّه لا يكون دون معرفة، ولا المعرفة بدون تدريس. …إن الحقيقة يصعب ضبطها، لذا علينا أن نقتفي آثارها أينما كان”[6]. في أيامنا هذه، نستطيع أن نطبّق تعبير القديس باسيليوس (أينما كان، من كل جهة) بطريقة مثمرة وضمن الإمكانيات المتعددة لهذه المقولة. فتفسيره المنهجي لكلمة الله لا يمكن تطبيقه فقط ضمن الأطر الضيقة، دون أن يكون هناك اتصال حيّ مع مساحات المعرفة التي تشغلها خلائق أخرى من خلائق الله.

5- ينبثق من قلب الأرثوذكسية مبدأ أولوية النص بالعلاقة مع المفسّر. فالوعي أن النص الكتابي يسبق المفسّر الحديث بعدة قرون، وأن ما بين النص والمفسر هناك حياة الكنيسة والتقليد الشريف، أمران يجعلان المفسّر متصفًا بروح التواضع وواعيًا لضعفاته. فالثقة بالنفس والتعصب الأعمى غريبان عن التفسير والمفسّر الأرثوذكسيين. فمهمة المفسّر تقضي بأن يخدم الحقيقة ويسعى من خلال الروح القدس إلى تفسير النص في عصره. وبذلك يقدّم خدمة إلى جسد المسيح وهو يعي أن الحقيقة تفوقه. على العكس، فإنه عندما يوظّف الحقيقة في خدمته، بدلاً من أن يكون هو خادماً لها، سعياً لتحقيق أغراضه الخاصة، لا يكون عندئذ خادماً لجسد المسيح بل لنفسه فقط. يجب أن يضحّي بالدرجة الأولى بنفسه في سبيل الحقيقة، عند الضرورة طبعًا (وهذا ما حصل خلال العقود الطويلة من حياة الكنيسة)، وبالدرجة الثانية يضحي بالحقيقة.

ب-الكنيسة والإنجيل

تلتقي كل الميزات الرئيسية للتفسير الكتابي الأرثوذكسي عند الإقرار بأسسها الكنسية. لكن بحسب البحث المدرسي الحديث أيضاً، خصوصاً في ما يخص حقل الرسل وبوجه أدق في خلفيتهم، فإنه مقبول عموماً، وأبعد من الاختلافات الفردية للأبحاث، أن الجماعة الكنسية وتقاليدها تتصدر الترتيب الزمني، في ما يتعلق بالزمن، بالمقارنة مع تدوين الرسل وباقي كتب العهد الجديد.

بناءاً عليه فإنه من غير المحق التشديد على تفوق وأعلوية الإنجيل على الكنيسة. من الناحية الثانية، لا يُبرَّر أيضاً التشديد على السلطة المطلقة للكنيسة تجاه الإنجيل. المبالغة في أي من الاتجاهين قد تخلق مواقف غريبة عن الأرثوذكسية خلال المسيرة التاريخية للكنيسة.

بالطبع، تشبه الكنيسة بدون الإنجيل سفينة بدون دفة، وأيضاً الإنجيل بدون الكنيسة و خارجها يبقى غير مفسَّر. ضمن الكنيسة يضمن العمل التفسيري في الروح القدس صحة التفسير طبعاً شرط أن ينفذ المفسر وظيفته الهامة بدقة وبطريقة البحث وليس بإهمال، على ما يوصي به القانون الثاني من المجمع المسكوني السابع. في الوقت نفسه يجب أن لا ننسى أن الكنيسة نفسها تقر وتنظر إلى الإنجيل كقانون يضبط إيمان أعضائها الصحيح وحياتهم.

يكتب القديس يوحنا الدمشقي في هذا الخصوص: “فكما الشجرة المغروسة على مجاري المياه هي النفس أيضاً المرتوية من الكتاب الإلهي، فتتغذى وتأتي بثمر ناضج، أعني الإيمان المستقيم، وتزهو بأوراقها الدائمة الاخضرار أعني بها أعمالها المرضية لله. ونحن إذا سرنا على هدىً من الكتاب المقدس نخطو في طريق السيرة الفاضلة والاستنارة الصافية، فنجد فيها مدعاة لكل فضيلة ونفوراً من كل رذيلة.”5

ج-التقليد والجدّة

يعي الذين العاملون اليوم في حقل الكلمة والناشطون في حقل الكنيسة وفي حقل النظام الأكاديمي، يزداد وعيهم لوجود حاجة إلى إحياء الرسالة الإنجيلية والتشديد في الوقت نفسه على أهمية الإخلاص للتقليد.

يجب ألاّ نخلط بين الإخلاص للتقليد والتحفظ العقيم غير المثمر والتقيد بشكليات الزمن الماضي المتعذر تغييره و الجامدة. بالحقيقة، إن الإخلاص للتقليد يتطلب إحياءه الدائم. ويبقى إفراغ التفاسير التقليدية في قالب جديد دون أي احتكاك واتصال بالواقع الحديث عرضاً فقيراً للأرثوذكسية وبالتالي لا يخدم الرسول المسيحي كثيراً.

يختفي وراء نعت المحافظة الكسل والضعف وحتى النقص والقلة في الخبرة مع الروح القدس. لم يتوقف الروح القدس عن العمل في الكنيسة وإنارة أعضائها منذ أن أنشأ مؤسسة الكنيسة قاطبة.

“أبي يعمل وأنا أعمل أيضاً” يقول يسوع في (يو5: 17) وكذلك المفسّر المسؤول وكل مسيحي واعٍ يعمل أيضاً بنشاط لكي يمتلك الحقيقة المعلنة ومفاعيل عمل صليب المسيح الخلاصي. الحقيقة المسيحية هي تقدمة من الله، معلنة كهبة منه ولكنها أيضاً تُغتصب من الإنسان. مَن يرفض الإلهام وتجلي الحقيقة، بالحقيقة هو رافض للمسيحية. مَن لا يقبل العمل المضني لاكتسابه يرفض استحقاق خلق الله ويرفض الله نفسه. هذا يعني في مضمار التفسير الكتابي أن المفسر الأرثوذكسي من ناحية يقبل شرعية تقليده ومن الناحية الأخرى لا ينبذ العمل المضني لآخر الأبحاث العلمية، لكن بعد التعامل النقدي معه، يشير إلى إنجازاته الإيجابية.

لقد تعاملنا سابقاً مع انتزاع الإنسان للحقيقة واكتسابه لها، لأن الإنجيل ليس كتاباً من الماضي بل هو حاضر في كل عصر، وأعضاء جسد المسيح الذين يعيشون ويتزايدون باستمرار، وخاصةً أصحاب المهمة الخاصة منهم كالمفسّرين مثلاً، لا يستطيعون باسم الإخلاص للتقليد أن يتهرّبوا من مهمة التفسير الجادة ضمن هيكلية عصرهم وضمن المعطيات المعاصرة.

يحلل الأب جورج فلوروفسكي هذه الميزة الأخيرة للكتابة بشكل فعّال:” يُحفظ الوحي في الكنيسة. بالتالي هي المفسر الأصلي والأساسي للوحي. تحميه وتقويه الكلمات المكتوبة؛ تحميه ولكن لا تستنفده. الكلمات الإنسانية ليست هي إلا علامات. شهادة الروح تحيي الكلمات المكتوبة. لا نعني الآن الاستنارات المناسبية لأفراد من الروح القدس. لكن ما نعنيه بالأساس هو الحضور الدائم للروح المعطى للكنيسة، هذا هو دعامة وحصن الحقيقة (1 تيموثاوس 15:3). تحتاج الكتابات إلى تفسير. الجوهر هو الرسالة وليس أسلوب التعبير، والكنيسة هي المعيّنة من الله والشاهد الدائم للحقيقة وملء معنى هذه الرسالة إذ، بكل بساطة، كون الكنيسة جسد الرب المتأنس فهي نفسها تنتمي إلى الوحي.

ينتمي إعلان الرسل، التبشير بكلمة الله، بشكل واضح إلى جوهر الكنيسة. الكنيسة تقوم بشهادتها وهذه الشهادة ليست فقط مرجعاً للماضي، ولا هي ذكرى ماضية فحسب، بل هي بالأحرى اكتشاف دائم للرسالة المسلَّمة مرة إلى القديسين والمحفوظة منذ ذلك الحين بالإيمان. فضلاً عن ذلك، يُعاد تأدية هذه الرسالة في حياة الكنيسة. المسيح نفسه حاضر دائماً في الكنيسة كونه الفادي ورأس الجسد، ويتابع عمله الخلاصي فيها. الكنيسة لا تعلِن فقط الخلاص ولكنها تحققه بالضبط. التاريخ المقدس ما يزال مستمراً. أعمال الله العظيمة ما تزال تتحقق وليست مقيدة في الماضي، بل هي حاضرة ومستمرة في الكنيسة ومن خلالها في العالم. الكنيسة بحد ذاتها هي جزء متمم لرسالة العهد الجديد. هي بحد ذاتها جزء من الوحي وقصة “المسيح الكامل” والروح القدس، كما يسميه القديس أوغسطين. النهاية المطلقة لم تأتِ بعد، والعهد الجديد يُعاش بالحقيقة وبالكامل فقط ضمن خبرة الكنيسة. تاريخ الكنيسة هو تاريخ خلاصي. حقيقة الكتاب تُعلن وتُصان بنمو الجسد.”[7]

بناءًا على الوقائع المذكورة آنفاً يمكننا الاستنتاج أن نظرية التفسير وأداء الكنيسة الأرثوذكسية كانا وما زالا متحابكان مع مساعي وتحديات كل عصر دائماً بحسب ما يلائم. التفسير التقليدي للإنجيل مدموغ، كغيره من أعمال الآباء وتعابيرهم المتعددة (ككتابة الأناشيد وتصوير الأيقونات والخدم وغيره)، وهو يحوي بشكل واضح في ذاته البعد التاريخي بالإضافة إلى تجسيد المعرفة العلمية وكل ما ذكرناه من ميزات خاصة، لأن التفسير الأرثوذكسي للإنجيل كان دائماً متناغماً مع متطلبات عصره. بالطبع هذا لا يعني أنه كان يستنتج مضمونه من كل عصر، بل يستنتج ذلك من الكنيسة ورأسها الذي هو المسيح، بل يعني أنه لم يكن معقولاً ولا مقبولاً من قبَل الكنيسة أن لا تأخذ حاجات عصرها الحيوية بعين الاعتبار. الشيء نفسه ينطبق على أبرز المشاكل المعاصرة كمثل الحرب والسلم، الجوع والترف، الوحدة والمجتمع، سوء تقدير المرأة في بعض المجتمعات وإفراط النظريات القائلة بالمساواة بين الجنسين في البعض الآخر وهكذا دواليك. لا يمكن أن تبقى هذه المشاكل خارج نطاق اهتمام المفسّر، وإذا حصل أن بقيت لا يعود هو متمماً لعمله كما ينبغي أي بطريقة أرثوذكسية، وهكذا يجد نفسه خارج نطاق تطور عصره الثقافي.

التغير هو الميزة رئيسية لكل عصر بينما ميزة الرسالة الإنجيلية هي الثبات. مع ذلك، المتغيّر لا يشكّل لاهوتاً بل يسبّب تدخل اللاهوت. من الناحية الثانية، مؤسسة الإنجيل الثابتة  المختَبَرة بقوة في حياة الكنيسة شكّلت بالطبع لاهوتاً. لكن هذا اللاهوت يبقى غير فاعل ما لم يتمّ أخذ أوضاع الأزمنة المتغيرة بعين الاعتبار بشكل جديّ.

إنّ التفسير الكتابي الأرثوذكسي يأخذ جديّاً الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية ومختلف الظروف المتعلقة بزمن المفسر بعين الاعتبار، ولهذا السبب بالتحديد هو تقليدي. إلى هذا، كونه يستنتج محتواه من التقليد الحيّ، فهو يكمّل هذا التقليد بكونه معاصراً وبعدم تجاهله مشاكل كل عصر.

بقلم: الأستاذ يوحنا كرافيذوذوبولوس
تعريب: الأب جورج برباري


الحواشي

[1] T.Stylianopoulos، Bread for life. Reading the Bible، 1980،13f

[2] The author of this study is happy to participate in this volume in honour of Professor Otfried Hofius who has very profound knowledge of the orthodox tradition as well as of contemporary Orthodox interpretation of the Holy Scripture

 [3] PG 61، 774f

[4] PG58، 705، Theophylactos PG 123، 420 and Euthymios Zigavinos PG129، 628 وآخرون غيرهم فسروا هذا النص الانجيلي على المنوال ذاته. 

[5] Menandri Sententiae،ed.S.Jaekel، Leipzig، 1964، 45

[6] St Basil the Great، Liber de Spiritu Sancto 1،2، in: PG 32، 67-218: engl. transl. by the Rev.Blomfield Jackson، A Select Library of Nicene and post- Nicene Fathers of the Christian Church، vol.8، 1968، 2.

[7] G. Florovsky، Bible، Church، Tradition: An Eastern Orthodox View، 1972، 25f

arArabic
انتقل إلى أعلى