أقوال بعضِ القديسين في الدينونة – القسم الثالث

قال الأب زوسيما: اتفق أني كنتُ مع أخٍ آخر سالكيْن مع علمانيين في طريق نابلس، فوصلنا إلى موضعٍ تُجبى فيه ضريبةٌ، فالعلمانيون لمعرفتِهم بالأمر، أعطوا ما وجب عليهم من الضريبةِ، وأما الأخُ الذي كان معي، فأخذ في المقاومةِ قائلاً: «أتتجاسرون على أن تأخذوا خِراجاً من رهبان»؟ فلما سمعتُه يقول هكذا، قلتُ له: «ما هذا الكلام الذي تقولُه يا أخي؟ كأنك تريدُ أن تطالبهم بإكرامِك إكرام قديسٍ إن شاءوا وإن أبوْا؟ فيا ليتهم كانوا قد أبصروا ما توقعوه من حُسن إجابتك وتواضعك، فكانوا يخجلون ويقولون: اغفر لنا. فأعطهم إذن الجزيةَ كتلميذٍ وديعٍ للإله الوديع الذي تمسكن ودفع الدرهمين، ثم اعبر بسلام».

الأب نسترون:كان يتمشَّى في البريةِ مع أحدِ الإخوةِ، فلما شاهد تنيناً هرب. فقال له الأخ: «أأنت كذلك أيها الأب تفزع»؟ أجاب الشيخ: «لا، لستُ أفزعُ يا ولدي، لكن الهربَ أوفق لي، ولولاه لما كنتُ قد تخلَّصتُ من روحِ المجدِ الفارغ».

قيل: إنه كان في الصعيدِ راهبٌ قد بلغ من التقشفِ مبلغاً عظيماً، ظافراً على صلواتٍ وطلباتٍ وسهر، ومالكاً عدم القنيةِ إلى أبعد غايةٍ، يُفني جسدَه بالأصوامِ والأتعاب. هذا كان قد بدأ جهادَه بأن كان يتناول كلَّ عشيةٍ ملءَ راحتيه قطينية مبلولة وكفى، وصار يتدرج إلى أن أصبحَ يتناول ذلك القدر يوماً بعد يومٍ، وهكذا حتى استطاع بعد مدةٍ أن يأكله مرةً واحدةً كلَّ أسبوعٍ مساء الأحد، أو يأكل مما اتفق له من الحشائش النابتة، ومكث على هذه الحال مدةً من الزمانِ، فحسده الشيطانُ ورامَ أن يرميه في الكبرياءِ، فوسوس له بأنه قد سلك في النسكِ مسلكاً لم يبلغه أحدٌ من البشرِ، وأنه يجب أن يجترحَ الآيات كي يزدادَ نشاطُه، ويرى الناسُ العجائبَ فيمجِّدوا الله، لأن الربَ نفسَه أيضاً قال: «ليرى الناسُ أعمالَكم الحسنةَ فيمجدوا أباكم الذي في السماوات». فسأل الربَّ من أجلِ هذا الأمرِ، وإذ لم يشأ الإلهُ المتعطِّف أن يظلمَ تعبَه، فقد ألهمه فكراً بأن الرسولَ يقول: «لسنا كفاةً أن نرى رأياً من أنفسِنا». وقال: «إن كان ذلك السيد لم يجد نفسَه كُفئاً لأن يرى رأياً من ذاتِه، فكم بالحري يجب عليَّ أنا الشقي أن أقولَ هذا القول، أقومُ إذن وأمضي إلى فلان المتوحد، ومهما قال لي أقبله كمرسَلٍ لي من قبل الله». وكان ذلك المتوحد راهباً كبيراً وقد نجح في عمل التاؤريا، قادراً على منفعةِ من يسأله. فقام للوقتِ ومضى إليه، فلما دخل قلايته رأى المتوحدُ قردين جالسين على كتفيه، ممسكين عنقَه بسلسلةٍ، وكلٌّ منهما يرهقه جذباً إليه، فلما شاهد هذا المنظرَ عرف  السببَ إذ كان متفقهاً جداً. وإنه تنهد باكياً بسكونٍ. ومن بعدِ الصلاةِ وما جرت به العادةُ من السلامِ، جلسا مدة ساعةٍ صامتيْن، لأنه هكذا كانت عادة الآباء الذين هناك، ثم فتح الراهبُ القادمُ فاه قائلاً: «أيها الأب، انفعني وأرشدني للخلاصِ». فأجابه الشيخ: «إنني لستُ كفئاً لذلك يا ولدي، لأني محتاجٌ بعد إلى إرشادٍ». فقال له: «لا تردَّني يا أبي، لأني موقنٌ بفضلِك وقد ألزمتُ ذاتي قبول مشورتك». فأجابه الشيخ: «إني أخشى أنك لا تسمع مني، ولذلك أُفضِّلُ أن أمتنعَ من ذلك». فحقَّقَ وأكَّد له أنه قبل مجيئهِ قد عاهد نفسَه قائلاً: «مهما قلتَه لي أقبله كمِن فم الله». فقال الشيخ: «خذ قِطعَ النقودِ هذه وامضِ إلى المدينةِ وابتع عشرَ خبزاتٍ وقسطَ نبيذٍ وعشرة أرطال لحمٍ وعُد بها إليَّ». فحزن الأخُ لذلك جداً، لكنه على كلِّ حالٍ أخذ ما أعطاه له ومضى كئيباً. وفي طريقِه جاءته الأفكارُ قائلةً: «أيُّ شيءٍ يقصده ذلك الشيخ، وكيف أستطيع أنا أن أبتاع هذه الأشياء وكيف أحملها؟ وما هو موقفي من العلمانيين مما يضطرني إلى أن أذوبَ خجلاً»؟ وهكذا سأل واحداً فابتاع له الخبزَ، وآخرَ ابتاع له النبيذَ، ولما جاء دورُ اللحم، قال: «يا ويلي كيف أحصلُ على اللحمِ، سواء ابتعتُه أنا بيدي أم كلفتُ آخرَ». ثم كلَّف رجلاً علمانياً فابتاع له اللحمَ، وحمل الجميعَ وجاء بها إلى الشيخ مفكراً. فقال له الشيخ: «اطبخ اللحمَ وطجِّنه». ففعل ذلك مُعَبَّساً. فقال له الشيخ: «لا تنسَ ما عاهدتني به أنك سوف تفعل جميعَ ما أُشير به عليك، فخذ هذه الأشياء جميعها، وامضِ إلى قلايتك، وصلِّ وتناول خبزةً واحدةً وشربةً واحدةً من النبيذ ورطلَ لحمٍ في كل يومٍ عند المساء. ومن بعد عشرة أيامٍ عُد إليَّ». فلم يتجاسر على أن يردَّ له جواباً.

وهكذا أخذ كلَّ ما أعطاه ومضى حزيناً باكياً قائلاً في نفسِه: «من أيِّ درجةٍ في الصومِ هبطتَ، وفي أيِّ حالةٍ حصلتَ»؟ ثم أنه قال لنفسِه: «إن لم أفعل ما أمرني به أكونُ قد خالفتُ الله، لأني قد عاهدتُه أنه مهما قال لي أفعله كمِن فمِ الله، والآن يا ربُّ، انظر إلى شقاوتي وارحمني واغفر لي خطيئتي، لأني مضطرٌ أن أعملَ خلافَ هواي». وجاء إلى قلايتهِ باكياً، وتمَّم ما قاله له الشيخ، وعكف على الصلاةِ عكوفاً بليغاً، وكان إذا ما أكل، يبلُّ الخبزَ بدموعِه قائلاً: «يا الله قد أُهملتُ وخُذلت من يدِك». فلما رأى الله حزنَه وبكاءَه ومسكنته، عزَّى قلبَه وكشفَ له السببَ، فشكر الله واعترف بالقول النبوي: «إن كلَّ برِّ الإنسانِ مثل خرقة الطامث». وأيضاً: «إن لم يبنِ الربُّ البيتَ ويحرس المدينةَ، فباطلاً سهر الحارسُ». وهكذا عاد إلى الشيخ منهوكَ الجسمِ متوعكاً أكثرَ مما كان وهو يطوي الأسابيع صائماً. فلما رآه الشيخ متذلِّلاً متمسكناً، قبله بفرح بوجهٍ طلق، وصلَّيا وجلسا صامتين مدة ساعةٍ، ثم قال الشيخ: «يا ولدي، إن الله المحبَّ للبشرِ قد تعاهدك، ولم يمكِّن العدوَ من الاستيلاء عليك، لأنه من عادتِه دائماً خداع من يسلك مسلكَ الفضيلةِ بوجوه تتبين أنها واجبةٌ ويسوقهم بها إلى مرض الكبرياء، ويأمرهم أن يخوضوا في خوضٍ عظيمٍ من الفضائلِ حتى من هذه الوجهة يُهبطهم هبوطاً عظيماً، لأنه ليس عند الله شيءٌ مرذولٌ مثل مرض الكبرياء. ولا ثمة فضيلة تساوي التواضع، فتأمَّل الأمرين مِن مَثل الفريسي والعشار، لأن بعضَ الشيوخِ يقولون إن بعض الإفراطات من أعمالِ الشياطين، فاسلك طريقاً ملوكيةً كما يقول الكتاب، ولا تمل يُمنى ولا يُسرى، اتبع التوسط في الأمورِ، وفي كلِّ عشيةٍ يكونُ غذاؤك، وإن دعت الضرورةُ لمرضٍ أو عارضٍ يعرض، فاسلك للوقت بحسب ما تقتضيه الحال، كذلك إن اقتضى الأمرُ حلَّ الساعة المحدودة فلا تحزن، وإن اقتضى أن تتناول في يومٍ غير مطلق، فتناوله، لأننا لسنا تحت ناموسٍ بل تحت نعمةٍ. فإذا أكلت فلا تمتلئ بل اقتصر سيما من الأطعمة اللذيذة، وأحب أبداً ما كان دوناً، واحفظ قلبَك لأن النبي يقول: الذبيحة لله روحٌ منسحقة، والله لا يُرذل القلبَ المتواضع المنكسر. وقد قال أيضاً: تواضعتُ فخلَّصني الربُّ. والربُّ يقول بلسان إشعياء النبي: إلى من أنظر إلا إلى الوديع الخائف من كلامي. فألقِ يا بُني جميعَ اتكالِك على الربِّ واسلك طريقَك بسلامٍ وهو يفعل لك الخيرَ، ويُخرج عدلَك كضوءٍ وحُكمك كالظهيرةِ». وبعد أن دعَّم الأخَ بأقوالٍ كثيرةٍ، أخلى سبيلَه مسروراً بالربِّ، وإذ كان يمضي ترنَّم قائلاً: «خائفوك وعارفو شهاداتك ليردُّوني، وأدباً أدَّبني الربُّ وإلى الموتِ لم يُسلِّمني، ويؤدبني الصديقُ برحمةٍ ويوبخني». وقال لنفسه: «ارجعي يا نفسي إلى موضع راحتك لأن الربَ قد أحسن إليك، وبقية القول». وهكذا جاء إلى قلايته، وقضى بقيةَ عمرِه حسب مشورة الشيخ.

أخٌ أقلقته الأفكارُ، فذهب إلى أحدِ الشيوخِ وسأله قائلاً: «يا أبي، ما أصعب التجارب التي لحقت ضعفي». فتنهَّد الشيخ وقال: «يا بُني، لا يُدهشك هولُ عساكر الشياطين إذا كان اللهُ معك، فإن الشياطين إذا أبصروا النفسَ صاعدةً إلى اللهِ، يغتاظون عليها دائماً ويحسدونها. وأحياناً لا يحضرُ الله وملائكتُه في المحنِ، فلا تفتُر أنت عن الاستغاثةِ به، بتواضع قلبٍ. ومتى أصابك حادثٌ مثل هذا، فتأمَّل بفكرِك عِظم قوة الله المنيعة، وانظر ضعفَك واطلب الله بكلِّ قلبك تجدهُ سريعاً».

قال أحدُ الشيوخ: «لا تكونُ تحتَ السماءِ أمةٌ مثلَ المسيحيين إذا أكملوا ناموسَهم، كما لا توجد مرتبةٌ جليلةٌ كمثلِ مرتبةِ الرهبان إذا حفظوا طقوسَهم. ولذلك فإن الشياطين لحسدِهم، يحاربونهم بكلِّ أصنافِ الرذيلةِ، ويجعلونهم يُغمِضون أعينَهم عن خطاياهم ويوبِّخون خطايا غيرهم، لكي يُبعدوا عنهم السلامةَ، ويلقوا فيهم الشرورَ. فلنسأل الربَّ الإله أن يخرقَ شِباكَهم عنا ويخلِّصنا من أيديهم».

قال شيخٌ: «كما أن عابرَ الطريقِ ضيفُ يومهِ، لا يدخل المنزلَ ما لم يأمره صاحبُه بذلك، هكذا العدو، إن لم يقبله الراهبُ، لا يقدر أن يدخلَ إلى عندِه. فإذا صلَّيتَ فقل: يا ربُّ أنت العارف بكلِّ الأشياءِ، أنا بهيمةٌ، ما عرفتُ شيئاً بعد. لكن علِّمني كيف أبدأُ، أنت قد جئتَ بي إلى ههنا فعلِّمني كيف أخلصُ».

arArabic
انتقل إلى أعلى